As Safir Logo
المصدر:

القرار السياسي الأميركي في زمن قادم!

محمد حسنين هيكل
تفجير مركزي التجارة في نيويورك
المؤلف: هيكل محمد حسنين التاريخ: 2003-10-02 رقم العدد:9614

أولاً: جيوش تبحث عن غطاء! تبدو الإشارات المتكررة في هذه الأحاديث إلى دور متزايد للقوات المسلحة في صنع القرار السياسي الأميركي أمرا مستغربا لكن سبب الإشارات المتكررة مما يمكن شرحه (وذلك موضوع هذا الحديث) كما أن دواعي الاستغراب مما يمكن فهمه، لأن الولايات المتحدة الأميركية ليست واحدة من »جمهوريات الموز« التي عرفتها دول أميركا الوسطى في عصر من العصور أو »نظم قشر الموز« التي تزحلقت عليها أوطان عربية كثيرة (ملكية أو جمهورية فردية أو عائلية) إلى حيث لا تعرف ولا تريد! ومع ذلك وبرغم كل شيء فأي مراقب جاد للحياة السياسية الأميركية يستطيع أن يلمح (حتى خلال زيارة عابرة) إشارات تومئ إلى أن القوات المسلحة الأميركية تتجاذبها عوامل تدفعها أكثر وأكثر إلى جدل مع القرار السياسي لم يكن مألوفا من قبل! وكما يظهر فإن إدارة الرئيس »جورُ بوش« وهي تشق طريقها لغزو العراق خاضت معركتين في نفس الوقت: معركة محدودة التكاليف حتى الآن بداعى إسقاط نظام الرئيس »صدام حسين«. ومعركة مجهولة التكاليف ما زالت مستمرة بداعى خلافها مع رئاسة القوات المسلحة الأميركية حول »مشروعية« و»معقولية« المطالب الإمبراطورية الملهوفة التي طرحتها ومكنت لها مجموعة قليلة العدد (بضع مئات) من الرجال والنساء سيطروا على البيت الأبيض وعلى الإدارة وعلى الحزب الجمهوري، أي على القرار الأميركي، ثم قاموا بتوظيفه بمنطق »الاستيلاء« على طريقة بارونات شركات النفط، والسلاح، والصناعات الإلكترونية والاستهلاكية، واحتكارات الإعلام والإعلان، وبورصة الأوراق المالية وغيرها وتوصلوا لاستدراج السلاح الأميركي نحو منحدر يتنازل بفكرة »القوة« حتى تصبح »ظاهرة عنف«، ويهبط بإستراتيُيات الحرب لتصبح »ممارسة قتل«، وتلك هي النتيجة المحققة إذا تخلت السلطة عن القانون، وتلاعب أصحاب القرار بالمشروعية، وسخروا قيمة العمل العام ستارا للمصالح، متسببين بذلك في أزمة ضمير تستهلك كرامة الدول، وتهين وعيها، وتقسم المجتمعات على نفسها، وتبدد الثقة الضرورية في الضمانات الدستورية والأخلاقية التي تمنح السلطة هيبتها وتفرض طاعتها! ذلك أن الجيوش تحارب وتضحي راضية تحت رايات أوطانها حفاظا على مصالح وأمن شعوبها، لكنه عندما يطلب من الجيوش أن تقاتل ثم تنكشف وتنجلي دوافع الحرب، ويبين أنها جاءت خديعة للمواطنين وكذبا عليهم إذن فهناك مراجعات، وهناك حسابات، وهناك عواقب، وذلك بالضبط ما يجري اليوم في الولايات المتحدة الأميركية (وفي بريطانيا). * * * وكانت فضيحة ووترغيت التي أطاحت برئاسة »ريتشارد نيكسون« في السبعينيات من القرن الماضي هي الخديعة والكذب على الشعب الأميركي ولم تكن مجرد أمر »نيكسون« بوضع أجهزة تنصت في مقر الحزب الديموقراطي لكي يعرف الخطط الانتخابية لخصومه السياسيين مسبقا ويفسدها عليهم! كذلك لم تكن فضيحة »مونيكا لوينسكي« التي كادت تطيح بالرئيس »بيل كلينتون« علاقته بمندوبة شابة في البيت الأبيض مارس معها نوعا من الجنس في مكتبه (والحقيقة أنها هي التي اعتدت عليه ولم يكن هو الذي بدأ) وإنما كانت خطيئة »كلينتون« أنه عندما سُئل خادع وكذب وأمعن في الإنكار طويلا، مسيئا بذلك إلى منصبه، ومستهترا بأصوات الناخبين التي وضعته في مكتبه. وبالطبع فإنه يصعب حتى هذه اللحظة تصور أن تؤثر خديعة الشعب الأميركي والكذب عليه في موضوع العراق بمثل ما أثرت فضيحة ووترغيت وفضيحة »مونيكا لوينسكي« لأن قضايا الداخل مباشرة وحساسة، في حين أن قضايا الخارج تخالطها اعتبارات كثيرة لكنه الحساب العسير في أقل القليل وقد تنعكس آثاره على انتخابات الرئاسة نهاية العام القادم (خصوصا إذا تفاعلت مع أزمة الاقتصاد الأميركي). * * * ومن الطبيعى أن أي مشروع إمبراطوري يطرح نفسه على الأزمنة الحديثة يتعين عليه أن يتقدم إلى مقصده على مراحل واحدة بعد الأخرى. ثم إن أي مشروع إمبراطوري عليه أن يعرض نفسه في كل مرحلة بما يتوافق معها، فقد انقضى الزمن الذي كان فيه الغزاة (من الإسكندر الأكبر إلى ُنكيز خان) يظهرون بجيوشهم فجأة على حافة الأفق، حاجبين عين الشمس بجحافلهم، تاركين الأعنّة لجيادهم، شاهرين السيوف على أعدائهم عواصف من النار والدم. وعليه فإن المشروع الإمبراطوري الأميركي الحديث طرح نفسه على زمانه خلال مراحل لكل واحدة منها لبوسها: في مرحلة أولى كان الأسلوب هو »الغواية« (نموذج الحياة الأميركية وحرية كل فرد في السعي وراء الفرصة و»السعادة«!). وفي مرحلة ثانية كان الأسلوب هو الاستعداد »لمشاركة« العالم مقاديره (كما حدث في الحرب العالمية الأولى حين جاءت الجيوش الأميركية من وراء البحار طرفا في معركة الإمبراطوريات العجوزة أو الطامعة). وفي مرحلة ثالثة كان الطرح الأميركي استجابة لنداء »المبدأ« (كما حدث في حالة النقاط الأربع عشرة التي أعلنها الرئيس »وودرو ويلسون« بعد الحرب العالمية الأولى »حقا لكل شعوب الأرض في تقرير مصائرها«). وفي مرحلة رابعة كان الأسلوب هو تحمل العبء الأكبر من ضريبة الحرية (في الحرب العالمية الثانية ضد الفاشية والنازية). وفي مرحلة خامسة كان الأسلوب بلوغ مرحلة قيادة العالم في المواجهة ضد الشيوعية، وكانت لأميركا فيها وسيلتان: المساعدات الاقتصادية من ناحية، وأعمال المخابرات الخفية من ناحية أخرى. وأخيرا حلت المرحلة السادسة، ولم يعد للمشروع الأميركي أن يتخفى أو يدارى، لأن »تفوق القوة« وتفردها أديا إلى اعتبار السلاح أداة للمشروع تسبق غيرها من الأدوات وتتقدمها من دون تردد! ومن حسن حظ الإمبراطورية الأميركية أن قواتها المسلحة كانت جاهزة لمشروعها عندما علا شأنه وحان أوانه في نظر الحالمين به والملهوفين إليه، فقد كانت مؤسسات التفكير الاستراتيُي قائمة وقوة السلاح حاضرة وخطط الحرب جاهزة كما كان التواجد العسكري الأميركي مبسوطاً على قارات الأرض ومحيطاتها وسمائها وفضائها أيضا وأكثر من ذلك فإن الهدف الافتتاحي كان هناك مكشوفا معزولا مهيَّأ لأن يتحول إلى ميدان لضرب النار، بالتحديد في العراق. لكن العُقدة أن ما كان جاهزا لم يكن كافيا، لأن الجيوش (خلافا لغيرها من أدوات الفرض والإجبار) تحتاج إلى شيء آخر مع السلاح، هو مشروعية الأخلاق والقانون ولو كغطاء مقنع على نحو ما وإلا لسقط الفارق بين الراية الوطنية وألوانها وبين المنديل الأسود الذي يضعه أي قرصان فوق رأسه! وكان ذلك بالضبط ما دفع »كولن باول« وزير الخارجية الأميركية للذهاب (بشعور ومسؤولية محارب قديم) كي يقول للرئيس »ُورُ بوش« مع تصاعد أزمة العراق (خريف سنة 2002) إن الولايات المتحدة تقدر بالتأكيد أن تستولي غزوا على العراق، لكن قواتها المسلحة تحتاج بشدة إلى غطاء أخلاقي وقانوني تمارس تحته عملها هناك، لأن ذلك هو الضمان الأساسي لثقة القوات بمهمتها، إلى جانب إحساسها بتأييد شعبها ومساندته! ويمكن القول إن معظم ما جرى في واشنطن ونيويورك ما بين خريف سنة 2002 إلى ربيع سنة 2003 كان حوارا بين السياسة والسلاح في طلب مشروعية الأخلاق والقانون اللازمين للقوات المسلحة الأميركية حتى يتوفر الاحترام الواجب لدورها في غزو العراق. وبكل الشواهد فإن القوات المسلحة الأميركية لم تكن راضية عن التحضير محليا ودوليا لذرائع ذلك الغزو، وكان إلحاحها شديدا على إضافة أخلاقية وقانونية تكون غطاءً لكل الأجواء. وفي المقابل فإن السياسة المؤثرة في الإدارة (كما عبر عنها نائب الرئيس »ريتشارد تشيني«، ووزير الدفاع »دونالد رامسفيلد«، ورئيس مجلس سياسات الدفاع »ريتشارد بيرل«) واصلت الإصرار (بصلف!) على حتمية التقدم (»بجسارة«!) إلى العمل المطلوب من دون النظر إلى »الشكليات« باعتبار أن النتائج في حد ذاتها تعطي القتال ذرائعه، كما أن النصر يمحو من ذاكرة الشعب الأميركي أي اعتبار غيره، وبالتالى يضيع مع النسيان قصور الحجج إذا عراها الالتباس قبل نشوب القتال! وكان ملخص رأي هؤلاء المؤثرين في الإدارة أنه حين تصحو أميركا والعالم ذات صباح ليكتشفا أن نظام »صدام حسين« اختفى، وأن العلَم الأميركي يرفرف فوق أعلى الذرى في »بغداد« فإن صفحة ما سبق سوف تُطوى، لتظهر بدلها صفحة جديدة ملؤها صور مضيئة: أمريكا مأخوذة باستعراض نصر وزهو (إمبراطورية تسيطر على المستقبل وتحكمه). والعالم مشغول بأمر واقع له سطوته (إزاء قطب واحد يملك سلطة القرار الدولي). والدول التي ترددت وتقاعست معزولة، مكسورة الخاطر (ليس أمامها غير أن تعود ذليلة إلى الملكوت الأميركي). ولم تكن الأمور بهذه البساطة وكان صعبا أن تكون. ثانياً: حقوق السلاح على السياسة! عندما تكلَّف القوات المسلحة في بلد متحضر بمهمة يصعب تحقيقها بغير العمل العسكري فإن السلاح يتوقع أن يحصل على تأكيدات وتوجيهات هي بكل المعايير حقه على السياسة: 1 هدف واضح يلزم بلوغه لتحقيق مصلحة حقيقية أو أمن وطني مؤكد. 2 مشروعية تكفل التوافق (على نحو يمكن التراضي عليه) بين المصلحة والأمن من ناحية وبين الأخلاق والقانون من ناحية أخرى، لأن ذلك حق القوات وسلام عقلها وروحها عندما يُطلب منها أن تواجه الموت (وكان الُنرال »تومي فرانكس« قائد غزو »العراق« هو الذي قال: »لا يمانع أحد من جنودي أن يذهب إلى قبره في كفن من الصدق، لكنه يستشعر الجحيم إذا ذهب في كفن من الكذب!«). 3 ضمان أوسع تأييد شعبي للعمل العسكري، بحيث يرضى المواطنون بالتكاليف طواعية، ويرضون بالصبر على مصاعب الظروف وتقلباتها! 4 توفير حجم الإمكانيات المادية اللازمة لأداء المهمة بأكبر قدر من الاقتدار والكفاءة. 5 تحضير المسرح السياسي إقليميا ودوليا لقرار الحرب وتبعاته. 6 البحث عن حلفاء في المصلحة والأمن لتحقيق أفضلية أن تكون الحرب عملا مشتركا مع آخرين حتى لا يوحي ظاهرها بأنها عمل تعسفي من طرف واحد. 7 بيان النقطة التي يكون بلوغها إشارة متفقا عليها بأن العمل العسكري أوفى بعهده وأكمل مهمته. وطوال صيف سنة 2002 وبينما الرئيس »ُورُ بوش« يجتمع بقادة القوات المسلحة وبينما خطط الحرب على العراق يجري وضعها وتمويلها وبينما الكونغرس بمجلسيه يسأل ويستفسر وبينما الرأي العام على طول البلاد وعرضها تتنازعه الآراء لم تكن القوات المسلحة الأميركية قد تلقت أيا من التأكيدات والتوجيهات التي يتحتم على السياسة أن تقدمها للسلاح. وكان البند الأول أي »تحديد الهدف الواضح الذي يلزم بلوغه للصالح والأمن الوطني« عقدة العُقد جميعها. والواقع أن الرئيس »ُورُ بوش« وأقطاب إدارته طرحوا عددا من الأهداف مختلطة ببعضها إلى درجة غيبت عنها اليقين: كان أول ما جرى طرحه »أن إسقاط النظام في العراق جزء أساسي من الحرب ضد الإرهاب« على أساس معلومات ذكرت أن أحد »المتهمين« بالضلوع في أحداث 11 سبتمبر (2001) على نيويورك وواشنطن، وهو »محمد عطا« كان على صلة بالمخابرات العراقية التقى مسؤولا في السفارة العراقية بالعاصمة التشيكية »براغ« في مارس سنة 2001 ولم يقم دليل على صحة أي تفصيل في هذه »المعلومات« (وتكشف في ما بعد أن المخابرات الإسرائيلية هي التي روجت لها بقصد ربط العراق بحوادث 11 سبتمبر). وجاء الطرح الثاني بأن النظام في العراق لا بد من عقابه على تهديد جيرانه والدليل غزو الكويت (1990)، ولكن هذا الطرح كان مردودا، لأن ذلك ذنب عوقب عليه العراق فعلا (بحملة عاصفة الصحراء)، ومن الصعب أن يعاقب متهم مرتين على نفس الذنب: مرة في أوانه (1991)، ومرة ثانية بعد انقضاء اثني عشر عاما (أي سنة 2003). وتلاه الطرح الثالث بأن النظام في العراق لم يقم بغزو الكويت فقط (حيث وقع عقابه فعلا)، لكنه قبل الكويت غزا إيران، ولم يقم أحد بحسابه، وكان هناك من قاموا بتذكير وزير الدفاع (مهندس عموم خطط الغزو) بأن هذه الحجة قد يكون لها رد فعل عكسي، لأن غزو إيران تم بتحريض ومساعدات أميركية ومن أصدقاء لأميركا أشرف عليها وأدار مجهودها في ذلك الوقت »دونالد رامسفيلد« شخصيا، بوصفه وزير الدفاع (أيضا) في إدارة »رونالد ريغان« (معظم الثمانينيات من القرن الماضي) وعليه فإن إعادة فتح ملف إيران طرد ملغوم ينفجر في وجه من يفتحه. وجرى دفع طرح رابع بأن النظام في العراق طغى واستبد بشعبه ولذلك وجب إسقاطه »باسم الشعب العراقي ولصالحه«، وكان المنطق الطبيعي أن مثل هذا الادعاء يعطي الولايات المتحدة حقا وسلطة ليس لهما سند في القانون الدولي، ثم إن إعلان مثل هذا الهدف يثير هواجس نظم صديقة للولايات المتحدة يأخذها الشك إلى أن استهداف النظام في العراق بداية لها ما بعدها واصلة إلى نظم موالية بعد نظم مارقة! وكان الطرح الأخير أن امتلاك العراق لأسلحة دمار شامل ومعها وسائل صاروخية تنقلها إلى بعيد هو الخطر الداهم على الإقليم وجواره، إلى جانب أن مثل هذه الأسلحة قد تنتقل من العراق إلى جماعات إرهابية متعاونة مع نظامه. وفي مرحلة الحيرة بين العِلل والذرائع، وبالتوازي مع ذريعة امتلاك العراق لأسلحة دمار شامل حاول وزير الدفاع »دونالد رامسفيلد« أن يجرب طرح المشروع الإمبراطوري ظاهرا وصريحا لعله يغري! وطبقا لشهادة الُنرال »دا÷يد ماكيرنان« (قائد القوات البرية الأميركية في ما بعد في العراق) فقد حدث في اجتماع بين »دونالد رامسفيلد« وهيئة أركان الحرب المشتركة، وبحضور قائد المنطقة المركزية الُنرال »تومي فرانكس« وعدد من معاونيه أن وزير الدفاع أشار إلى خريطة تملأ جدارا كاملا لقاعة الاجتماعات السرية، عارضا ما مؤداه: »إن نظرة على الخريطة تؤكد أن الولايات المتحدة محيطة من كل ناحية بالعراق، فهي تملك قواعد على تواصل دائرة كاملة تبدأ من الخليج إلى باكستان إلى أفغانستان إلى أوزبكستان إلى قيرغستان إلى تركيا إلى إسرائيل إلى الأردن إلى مصر إلى السعودية، وبجانب ذلك فإنها تملك محطات وتسهيلات مفتوحة لها من دون قيود في مياه الخليج والبحر الأبيض المتوسط والبحر الأحمر، ومعنى ذلك أن العراق بالضبط نقطة في مركز دائرة واسعة، وهذه فرصة تاريخية: أولا للسيطرة على مركز الدائرة (في »بغداد«) ليكون النقطة الثابتة في الدائرة الأوسع المحيطة به. ثانيا لتصفية ما تبقى من مواقع المقاومة أي إيران وسوريا من دون حاجة لاستعمال السلاح لأن وجود قوات أميركية في العراق يعني حصار إيران من ناحيتين: ناحية أفغانستان التي تحتلها بالفعل قوات أميركية، وناحية العراق إذا وقع احتلاله بقوات أميركية كما أن سوريا في وضع أصعب، لأنها بعد احتلال »العراق«، »مفتوحة« من الشرق بوجود أميركي في الجوار المتصل بها إلى درجة الالتحام، ومُحاصرة من الشمال بتركيا والوجود الأميركي القائم فعلا على أرضها، وبمناطق الأكراد شمال العراق والولايات المتحدة هناك معهم إلى جانب إسرائيل من الجنوب إلى جانب أن النظام في الأردن ليس صديقا مغرما بالنظام في دمشق إلى جانب أن هناك عناصر في لبنان لا يرضيها تحكّم سوريا في القرار اللبناني. »إذن فهذه وبضربة واحدة خريطة جديدة »مثالية« تماما للشرق الأوسط، تقوم الولايات المتحدة ب»تشكيلها« و»رسمها« وأيضا »تنظيفها« من جيوب كارهة لأميركا ما زالت تجادل وتعاند«. وطبقا لشهادة الُنرال »ماكيرنان« فإن الخريطة كانت ملء الحائط، وقد شرح »رامسفيلد« تصوراته بالإشارة إليها، وكان شرحه منطقا إستراتيُيا محكما تصعب مناقضته، وخصوصا أن محيط الدائرة الواسعة مطبق على كل مواقع إنتاج البترول »العربي والإيراني وبحر قزوين«، وذلك أكثر من نصف موارد العالم من الطاقة، وعليه فإن الجائزة الإستراتيُية والاقتصادية تستحيل مقاومتها«. ومع ذلك، فإن محاولة إغراء هيئة أركان الحرب المشتركة الأميركية بحلم إمبراطوري صريح لم تؤد غرضها، لأنه »حلم يستحيل إعلانه صراحة على الملأ«، لا في مجلس الأمن ولا في أوروبا ولا في العالم العربي ولا حتى للشعب الأميركي نفسه، فليس معقولا أن تعلن الولايات المتحدة للجميع أن هدفها إمبراطوري فجّ ومستهتر، لا يعنيه أن يداري نيته للسيطرة على قلب العالم وعلى موارده الاقتصادية بل إن مثل هذا الإعلان كفيل في حد ذاته بخلق مقاومة شديدة خصوصا في مجلس الأمن، وعندها فإن الولايات المتحدة تكون قد حرمت نفسها من أي غطاء أخلاقي وقانوني لابد منه. وزاد أن بعض حضور الاجتماع من هيئة أركان الحرب المشتركة كان تقديرهم أن الهدف الإمبراطوري الأميركي يزحف بهدوء ويحقق طلبه بحركته الذاتية، ولا يحتاج إلى صدمة استعمال السلاح بالجيوش لأن النظام العراقي يختنق بالحصار الاقتصادي والسياسي والدولي والعربي يوما بعد يوم من دون حاجة إلى إزعاج المنطقة والعالم بدويّ الصواريخ والقنابل لأنها بالكاد سنة أو سنتين وتسقط »بغداد« في هدوء! لكن ذلك لم يكن مقنعا لوزير الدفاع الذي كرر قوله »إن الناس يصنعون التطورات ولا يضعون أيديهم على خدودهم في انتظار حدوثها!«. وفي نهاية طواف طويل حول الأسباب والذرائع والحجج والأسانيد تبدى خطر امتلاك العراق لأسلحة دمار شامل طرحا يحوز القبول ويستوفي المطلوب، شريطة أن تقوم عليه أدلة تقنع الكونغرس والرأي العام الأميركي، وكذلك حلفاء وأصدقاء الولايات المتحدة في أوروبا (بالذات باريس وبرلين وموسكو). وكان المهم أن تكون الأدلة مختومة بقرار من مجلس الأمن يفوض أميركا باستعمال القوة العسكرية لتغيير النظام في العراق، وتدمير ما يملكه من أسلحة الدمار الشامل (نووية وكيماوية وبيولوُية)، بما في ذلك نظم الصواريخ القادرة على حمل هذه الأسلحة إلى مداها حتى لا يعيش العالم تحت رحمة »ديكتاتور صغير« »منحته موارد العراق قوة تدمير أكبر من تفكيره« (وذلك تعبير »ريتشارد تشيني« نائب الرئيس). وقبل بداية موسم سياسي نشيط معبأ بالاحتمالات (أوائل أكتوبر 2002) كانت الروافد المتعددة في واشنطن تصب ما عندها في مجري واحد (أو كذلك بدا للمراقبين): استقر القرار نهائيا على اعتماد ذريعة »امتلاك العراق لأسلحة الدمار الشامل« يستعملها بنفسه عند لحظة يأس أو تنتقل منه إلى منظمات إرهابية برغبة في الكيد والانتقام فهي نقطة التوافق القادرة على جمع كل الأطراف الدولية والمحلية، كما أنها الأقوى أخلاقيا وقانونيا في شدة التأثير. وتمكن »كولن باول« من إقناع الرئيس »ُورُ بوش« (في لقاء خاص بينهما) بأن يعطيه الفرصة ليحصل من مجلس الأمن وبالإجماع على قرار يقضي بضرورة نزع أسلحة الدمار الشامل من العراق، والبداية عودة المفتشين إليه أولا، والتدخل العسكري إذا وقع اعتراض مهمتهم من جانب نظام »صدام حسين«، (وكذلك صدر القرار 1441). ثم إن أوروبا تبدو مستعدة لمقابلة إدارة »ُورُ بوش« على منتصف الطريق، لأنها لا تريد صِداما علنيا معها يقسم وحدة الأطلسي (وربما إنها لا تريد لأميركا أن تنفرد وحدها بغنيمة العراق). وبقيت النقطة المحورية في ذلك كله أن يتم العثور على دليل يثبت وجود أسلحة دمار شامل في العراق، ويكشف مخابئها ويعرضها أمام الدنيا وعندها تقوم القيامة. كانت البؤرة الحرجة في أروقة القوة الأميركية أن رئاسة الأركان المشتركة لديها وسائل جمع المعلومات المستقلة لتعرف من دون انتظار غيرها، وأجهزة التحليل لتقدر ولا تسلم فكرها لغيرها ومع ذلك فإن وزير الدفاع في تلك الفترة (أكتوبر 2002) أصدر أمرين في نَفَسْ واحد: أمر إلى جهاز مخابرات الأمن القومي، وهو تابع لوزارة الدفاع ومكلف بمتابعة الاتصالات والرسائل والإشارات (في كل ما يخص الحكومات والجيوش في العالم، والمؤسسات الدولية وأُولاها الأمم المتحدة) بأن يرسل تقاريره في الشأن العراقى إلى مكتبه (مكتب رامسفيلد) ولا يوزع منها شيئا إلا وفق »توجيهات« يصدرها إليه. والأمر الثاني تشكيل جهاز مخابرات خاص ملحق بمكتبه مباشرة يكون جزءا من سكرتاريته يقدم له مباشرة كل ما عنده (إضافة إلى عشرات أجهزة المخابرات الأميركية غيره). وبدت تلك حسب تعبير منسوب إلى »ريتشارد أرميتاج« (مساعد وزير الخارجية) تصرفات »تفعلها« »أجهزة الحكم في العالم الثالث، وليس مؤسسات الإدارة في الولايات المتحدة الأميركية«. وطبقا لتقارير متداولة في ذلك الوقت (أكتوبر 2002) في رئاسة أركان الحرب المشتركة (نُشر بعضها في ما بعد) فقد كان اهتمام العسكريين موزعا على شواغل تداخلت وتشابكت، ذلك أن رئاسة الأركان ظل لديها شك في شأن ما يُحتَمَل أن يكون لدى العراق مما ينطبق عليه وصف أسلحة الدمار الشامل، فقد كان معروفا على نحو مؤكد (سواء بتحقيقات وكالة الطاقة النووية الدولية أو معلومات أجهزة المخابرات الأميركية نفسها) أن العراق لا يملك إمكانية نووية، ثم إنه ليس هناك دليل مقنع على أن العراق لديه (الآن) أسلحة كيماوية أو بيولوُية لها قيمة، فما كان لديه جرى تدميره سواء بقرار من النظام العراقي نفسه أو بجهد من بعثة التفتيش الأولى (التى قادها »ريتشارد باتلر«) ثم إن أي شيء يحتمل أن النظام في العراق قصد إلى إخفائه، فقدَ صلاحيته بالتأكيد (بعد انقضاء أجَل مفعوله وهو من سنتين إلى ثلاث)، مع غيبة دليل على أن العراق استطاع الحصول على المصانع اللازمة لإعادة تصنيع »المواد« أو »التجهيز« لاستعمالها. وبرغم ذلك فإن وزير الدفاع »دونالد رامسفيلد« راح يؤكد لرئاسة الأركان المشتركة أن جهاز المخابرات الجديد الذي أنشئ في وزارته لديه معلومات أكيدة تشير إلى النقيض تماما. وهنا فإن رئاسة الأركان راحت تتابع فريق »هانز بليكس« عندما توجه إلى »بغداد« بحثا عن الحقيقة القاطعة والدامغة، وكان موقفها »أن هذه المهمة هي القول الفصل في أخلاقية ومشروعية أي عمل أميركي«، والاحتمالات هنا ثلاثة: إذا لم يتعاون العراق »بإخلاص وشفافية« مع فريق المفتشين، فلن تكون هناك مشكلة، لأن عدم التعاون في حد ذاته يصبح غطاءً للحرب (مع ثقة الولايات المتحدة لحظتها برئيس فرق التفتيش الدكتور »هانز بليكس«). وإذا تعاون العراق وظهر لديه ما حاول أو يحاول إخفاءه، فإن الذرائع الأخلاقية اللازمة لشن الحرب تستوفي نفسها بنفسها. وإذا ظهرت براءة العراق فإن الحرب لا تعود ضرورية ولا مبررة، بسبب نقص مشروعيتها القانونية والأخلاقية (مع استمرار تساقط النظام وانتظار نهايته طبيعيا). ثالثاً: الشكوك تتكاثف على كل المواقع! في هذه الأجواء بدا مستغربا من الجميع وفيهم رئاسة أركان الحرب المشتركة الأميركية صدور إعلان الرئيس »بوش« يوم 10 نوفمبر (2002) (أي بعد يومين اثنين من صدور قرار مجلس الأمن 1441) بأن »الولايات المتحدة لن تنتظر حتى يوافق مجلس الأمن على تفويضها بالعمل العسكري« ضد العراق »لأن الخطر الذي تمثله أسلحته داهم، ومهمة التفتيش لا ينبغي لها أن تتسبب في تعطيل إجراء تراه الولايات المتحدة واقيا من هجوم مفاجئ لأنها تعلمت الدرس من بيرل هاربور ولا تزال تذكره« (وكان التصريح استباقا للحوادث لا لزوم له، كما أنه كان استثارة غير ضرورية لأغلبية واضحة في مجلس الأمن تتشكك من الأصل في النوايا الأميركية إلى جانب أن المقارنة بين ما استطاعت اليابان أن تفاجئ به أميركا في بيرل هاربور سنة 1941 لا تجوز مع أي شيء يستطيعه العراق الآن أو كان يستطيعه من قبل). ولم تكن رئاسة الأركان حريصة على العراق والنظام فيه، وإنما كان شاغلها أن تجاهل مجلس الأمن على هذا النحو يحرم الولايات المتحدة من فرصة إقامة »تحالف واسع«، والنتيجة أن قواتها سوف تخوض الحرب وحدها (ومعها بريطانيا وحدها، وهو ما يصعب وصفه بتحالف دولي). وكانت أهمية خوض الحرب بتحالف دولي واسع من وجهة نظر هيئة الأركان المشتركة عائدة إلى اعتبارين: اعتبار عملي: وهو أن رئاسة الأركان لا تزال مُصِرَّة على أن حجم القوات المرصودة للعملية غير كافٍ لكنه إذا قام حلف دولي واسع، فإن وجود وحدات أوروبية (مثلما وقع سنة 1991) يضيف إلى جيوش الغزو مَدَدا يسد الفجوة بين اللازم من وجهة نظرها، وبين المطلوب من وجهة نظر وزير الدفاع. واعتبار معنوي: إن العراق هو على وجه اليقين (وبنسبة 95$ على الأقل) لم تعد لديه أسلحة دمار شامل، ومعنى ذلك أن الغزو سوف يؤكد للجميع أن تغيير النظام هو الهدف الحقيقي للسلاح، وذلك يثبت أمام الدنيا أنها حرب على غير أساس شرعي (غير مشروعة). وأما إذا تواجدت في الميدان قوات أخرى غير القوات الأميركية (والبريطانية) ثم اكتشف الرأي العام الأميركي والعالمي أن الهدف كان تغيير النظام فإن شَراكَة جمع من الدول تكون في حد ذاتها إعلانا جماعيا بأن فكر هذه الدول تلاقى على اعتبار النظام العراقي تهديدا عاما للسِّلْم رآه كثيرون، وتوافقوا لدفع خطره بعمل مشترك بينهم، وهذه الإرادة الدولية الواسعة لها مشروعية كافية ومقنعة. وفي الوقت الذي بدأ فيه مفتشو الأمم المتحدة يتوجهون إلى بغداد (27 نوفمبر 2002) لأول مرة بعد غياب أربع سنوات رفعت الولايات المتحدة وتيرة استفزازها إلى سقف جديد أعلى! كان »هانز بليكس« (طبقا لأقواله) قد رجا السكرتير العام للأمم المتحدة أن يبذل نفوذه لدى الإدارة الأميركية حتى توقف الغارات على مناطق الحظر الجوي في العراق أثناء عمل فِرَق التفتيش هناك، وحجته »الحرص على سلامة المفتشين بالدرجة الأولى، إذا كان مطلوبا منهم أن يدخلوا فجأة من دون إخطار، إلى أي موقع على طول العراق وعرضه، في أي وقت من الليل والنهار« . ومع أن »كوفي عنان« وعده، فإن »بليكس« رأى أن يتوجه بنفسه إلى واشنطن، بعد أن تلقى دعوة لمقابلة مستشارة الأمن القومي للرئيس »كونداليزا رايس«. وفي البيت الأبيض وجد »بليكس« أن الأجواء »محمومة ونافدة الصبر«، وحاول التهدئة بكل جهده ولم ينجح، بل إنهم أبلغوه أن كثافة الغارات سوف تزيد، وتلك خدمة لمهام التفتيش تساعد في الضغط على النظام في »بغداد«. وأما في ما يتعلق بسلامة المفتشين، فقد تلقى »بليكس« تأكيدا بأنه سوف يكون هناك تنسيق من »مستوى خاص« بين فريقه و»القيادة المتقدمة في الكويت«، بحيث يمكن المحافظة على سلامة المفتشين في أي مكان يتوجهون إليه، وفي أي وقت! وانتهز »بليكس« الفرصة (حسب روايته) فطلب من مستشارة الأمن القومي مساعدة الولايات المتحدة لفريقه »بما تستطيع تزويدهم به من معلومات«، (وكرر الطلب مع »كولن باول« (وزير الخارجية))، وطبقا لبليكس فإنه تلقى وعدا أكيدا بأن الولايات المتحدة الأميركية سوف تضع تحت تصرفه معلومات كافية تقود الفريق الدولي إلى مخابئ أسلحة الدمار الشامل. وقالت »كونداليزا رايس« لبليكس صراحة: »لك أن تثق بأن لديهم أسلحة دمار شامل، وأنهم تمكنوا من تحويل ما لديهم من مواد كيماوية وبيولوُية إلى أسلحة جاهزة (Weaponized)، بل إننا نعرف ونملك الدليل على أن لديهم برنامجا لتطوير سلاح نووي«. ثم قامت مستشارة الأمن القومي بتسليم كبير المفتشين تقريرا سريا وضعته إدارة مخابرات وزارة الدفاع A.I.D، عنوانه »المنشآت الهامة لمواقع الأسلحة العراقية!« وفي نهاية لقائها مع »هانز بليكس« طرحت »كونداليزا رايس« أهمية أن يقوم فريقه (على نحو عاجل) بحصر العلماء العراقيين واستجوابهم خارج العراق، مع استعداد الولايات المتحدة لقبولهم وعائلاتهم في الولايات المتحدة، ومنحهم الجنسية الأميركية، إذا هم »اعترفوا« بما لديهم من أسرار. وكان »بليكس« مستعدا للتجاوب وإن رأى الاقتراح »مستفزا« للنظام العراقي في اللحظة الراهنة، وفضّل أن يُرجئ طرحه علنا إلى مرحلة لاحقة حتى لا تتعقّد الأمور مبكرا جدا!«. وحدث (يوم 12 ديسمبر 2002) أن النظام العراقي رغم محدودية الفترة المتاحة له، وانصياعا لطلب أمريكي أضيف إلى قرار مجلس الأمن 1441 سارع بتقديم تقرير تفصيلي عن كل ما كان لديه من أسلحة الدمار الشامل، وكان التقرير من أحد عشر ألف صفحة بينها مئات من صور الوثائق والمستندات وفيها قوائم وحسابات فواتير الشركات الدولية التي باعت للعراق ما حصل عليه من المواد والمعدات. وحمل الوفد العراقي الدائم لدى مجلس الأمن ثلاث نسخ من التقرير الضخم إلى مبنى الأمم المتحدة، وجرى تسليمها إلى رئيس مجلس الأمن لذلك الشهر، لكنه لم تكد تنقضي دقائق حتى جرى اقتحام مكتب رئيس مجلس الأمن بواسطة مجموعة من وكالة المخابرات المركزية الأمريكية، يصحبها ضابط اتصال من وزارة الخارجية الأمريكية، وطلبهم بإصرار أن تُسَلَّم إليهم النسخ الثلاث التي قدمها الوفد العراقي من »تقرير الأسلحة الذى ورد »الآن« من بغداد«، وحاول رئيس مجلس الأمن أن يناقش، لكنه أبلغ بأن الموضوع لا يحتمل حلا وسطا، وأن عليه تسليم النسخ الثلاث، وحاول رئيس المجلس أن يتصل بالأمين العام للأمم المتحدة (وليس معروفا إذا كان تمكن من ذلك أو أنه تعذر عليه الوصول إلى »كوفي عنان«) وفي كل الأحوال فقد خرجت مجموعة »الإغارة« على مجلس الأمن من مبنى الأمم المتحدة، ومعها النسخ الثلاث من تقرير »بغداد«. وكانت تلك صدمة لكل الوفود (خصوصا وفود فرنسا وألمانيا وروسيا والصين)، وحين اتصل سفراء هذه الدول بمكتب المندوب الأمريكي الدائم السفير »نجروبونتي«، كان رده: »أن »ما وقع« كان إجراءً مؤقتا وضروريا للمراجعة، وما هى إلا ساعات قليلة حتى تصل إليهم نسخ من التقرير كافية لكل أعضاء مجلس الأمن، وهم خمسة عشر، لأن العراقيين لم يقدموا غير ثلاث«. (ولم تكن هناك جدوى من الرد بأن طبع نسخ كافية من التقرير يمكن أن يتم بواسطة جهاز الأمانة العامة، وهو المختص لأن الجميع أدركوا أن هناك سببا خفيا وراء هذه التصرفات »المستفزة« لمجلس الأمن نفسه!). على أن الوفود تلقت صباح اليوم التالي »نسخا من التقرير ملعوبا فيها« فقد خضعت لرقابة حذفت أجزاء كبيرة منها، وكان التفسير الذى قدمه الوفد الأمريكي أن »النظام العراقي في إحساسه »بالحقد والغِل« إزاء ما فرضه عليه مجلس الأمن، قصد إلى تضمين »تقريره« تفاصيل دقيقة عن الوسائل التي جرى بها تصنيع أسلحته الكيماوية والبيولوُية (وكذلك عن محاولاته النووية في مرحلة سابقة) وكان النظام العراقي (طبقا للتفسير الأمريكي) خبيثا في مقاصده بكثرة ما أورده من التفاصيل، فقد أراد في الظاهر أن يثبت صدق استجابته، لكنه في الباطن يضمر نية أخرى هي العمل على توزيع ونشر تكنولوُيا تصنيع »أسلحة الدمار الشامل«، بحيث تستفيد منها »دول مارقة غيره« أو »جماعات إرهابية«، تجد الأسرار كلها مكشوفة أمامها وتحت تصرفها، وذلك كان ينبغي الحيلولة دونه (بأي ثمن)! ولكن الملحقين العسكريين لهذه الوفود في واشنطن ما لبثوا أن أخطروا سفراء بلادهم لدى مجلس الأمن بأن ذلك لم يكن القصد الحقيقي من »التلاعب بالتقرير« العراقي، وإنما كان القصد إخفاء دور الشركات الأمريكية (وأهمها خمسة وعشرون شركة عملاقة) هي التي باعت للعراق ما ساعده على بناء إمكانياته العسكرية، وضمنها »أسلحة الدمار الشامل« (أيام حربه على إيران)، والغريب أن عددا من مجالس إدارات هذه الشركات ضم رجالا من صُنَّاع السياسات الراهنة (أمثال »ريتشارد تشيني«، و»دونالد رامسفيلد«، و»ُيمس بيكر«، و»ريتشارد بيرل« وعشرات من أعضاء مجلس سياسات الدفاع وغيرهم!). وكان هدف الرقابة الأمريكية على التقرير طمس هذه الحقيقة وإلا أضعفت موقف »الإدارة« في مجلس الأمن، إذ يسهل على وفود الدول حينئذ أن تقف في وجه الوفد الأمريكي، وتذكره بأن ما لدى النظام العراقي جاءه بالدرجة الأولى من شركات أمريكية، وهذه الشركات هي التي قامت على توريد المواد والمعدات وعلى تركيبها وتجهيزها، وبالتالي فإن واشنطن لابد أن تعرف كل الحقائق والتفاصيل بما في ذلك: مواقع السلاح العراقي ومخابئه، وتستطيع أن تدل عليها فريق المفتشين دون عناء وبغير انتظار. وبالفعل فإن أجواء الشك في مجلس الأمن تكاثفت. ومن منظور رئاسة هيئة الأركان المشتركة للقوات الأمريكية فإن ذلك من أوله إلى آخره لم يكن تمهيدا كفؤا يساعد على إقامة تحالف دولي واسع يخوض الحرب على العراق. وزادت الهواجس عندما تلقت رئاسة الأركان المشتركة توجيها بتوقيع الرئيس »بوش« (يوم 21 ديسمبر) »يطلب فيه تمركز خمسين ألف جندي أمريكي في منطقة الخليج الفارسى«. وتلا ذلك (يوم 2 يناير 2003) قرار من وزير الدفاع »دونالد رامسفيلد« بالبدء في تحريك مجموعات من هذه القوات (35 ألف جندي) فعلا إلى مناطق الحشد في الكويت (وفي الوقت نفسه أعلنت الحكومة البريطانية رسميا »استدعاء 1500 جندي من الاحتياط إلى الخدمة، وتحريك مجموعة عمل عسكرية تقودها حاملة الطائرات »أرك رويال«، تصحبها المجموعة التابعة لها والمكونة من سبع عشرة قطعة بحرية وأن تتوجه القوة برية وبحرية إلى منطقة الخليج حاملة ثلاثة آلاف من جنود البحرية«. وفي اليوم ذاته وقف »هانز بليكس« ومعه »محمد البرادعي« (رئيس هيئة الطاقة النووية) يقدمان تقريرهما إلى مجلس الأمن، وكان ختام ما قاله كبير المفتشين: »لقد مضت علينا الآن في العراق عدة أسابيع، وقد مسحنا مناطق شاسعة في ذلك البلد، لكننا حتى هذه اللحظة لم نعثر على سلاح الجريمة "Smoking Gun" وتقديرنا أن فرق التفتيش تحتاج إلى وقت إضافي لإنجاز مهمتها«، ثم قام الدكتور »البرادعي« بعد »بليكس« يقول: »إننا نحتاج إلى ستة شهور حتى نتأكد من الحقائق في شأن المهمة التي كلفنا بها بعين الأمر«. وفي تلك اللحظة دخل على الخط في واشنطن طرف آخر لا يُستهان بنفوذه، لأنه من عناصر أجهزة المخابرات (وكالة المخابرات المركزية ووكالة الأمن القومي) وراحت هذه العناصر تهمس في لجان الكونغرس، وفي بعض مؤسسات الإعلام بما مؤداه »أن وزير الدفاع يتلاعب في المعلومات التي تقدمها له الأجهزة المعنية، وهدفه إيجاد مبررات الحرب على العراق«. ومرة أخرى فإن هذه العناصر من أجهزة المخابرات لم تكن معنية بأمر العراق أو شعبه، وإنما كانت خشيتها على سمعتها المهنية، وهى ترى التشويه يتعمد تزييف تقاريرها بما يسيء إليها إذا انكشفت الحقائق، وهو ما كانت هذه العناصر تراه قادما دون أدنى شك بسبب »هشاشة« التفكير والتدبير، (ولعل هذه العناصر كانت مهمومة كذلك بما تراه من تجاهل دورها في القرار الأمريكي الجاري، وتحسبه خطرا على مستقبل منطقة حساسة كانت من قبل حكرا على أجهزة العمل السري، ثم استولى عليها وزير الدفاع وضمها إلى اختصاصه!)«. ووصل الأمر إلى حد أن واحدا من رؤساء أجهزة المخابرات قال للصحفي البارز »نيكولاس كريستوف« الذي نقل عنه (في نيويورك تيمس) »أن وزير الدفاع تحول إلى غوريلا متوحشة تخيف المؤسسات المؤهلة لجمع المعلومات وتدقيقها سياسيا وعسكريا، وأن تفاقم نفوذ مكتب الوزير (رامسفيلد) زاد عن اللازم حتى أصبح خطرا على عملية صنع القرار الأمريكي بأسرها«. ومن الظاهر أن عددا من أجهزة المخابرات ضاق صدرها بالسيادة التي وضعها وزير الدفاع على مجال المعلومات كبساط مفروش من الحائط للحائط! وذلك (في تقديرها) وضع خطير. والمُلاحظ أن عددا من عناصر هذه الأجهزة راحت تلوم »ُورُ تنيت« (مدير وكالة المخابرات المركزية)، وتصفه بأنه »رجل باع روحه للإدارة حتى يحتفظ بمنصبه«، مع أنه كان يملك فرصة استعادة نفوذه كاملا بعد صدمة 11 سبتمبر (2001)، التي كشفت غفلة وكالته. ثم يشير هؤلاء اللائمون إلى توصيات قدمتها لجنة خاصة رأسها »برنت سكوكروفت« (مستشار الأمن القومي في إدارة »ُورُ بوش« الأب)، وهذه اللجنة كُلِّفَت بالبحث في ضرورات التنسيق بين هيئات المخابرات المختلفة، وجاءت توصياتها مشددة على أهمية »تركيز وتسييل« تدفق المعلومات عن طريق وكالة المخابرات المركزية الأمريكية، وكان ذلك منطقيا، وكذلك كان في صالح »ُورُ تنيت« شخصيا، لكن الرجل لم يبذل أي جهد في إقناع أحد باعتماد توصيات لجنة »سكوكروفت«، وبدلا من ذلك فإنه »ألقى نفسه عاريا في أحضان »دونالد رامسفيلد««! وكان شاهد ارتماء »تنيت« في أحضان »رامسفيلد« ملابسات تحقيق له حساسية خاصة قام به السفير »ُوزيف ويلسون« بطلب من وكالة المخابرات المركزية الأمريكية، وكانت وراء التحقيق قصة مثيرة، فقد حدث مبكرا (سنة 2001) أن معلومات وردت من مصادر متعددة (بريطانية إيطالية عربية إسرائيلية!!) عن مسعى يقوم به العراق في جمهورية النيجر الأفريقية لشراء صفقة (ثلاثمائة طن) من اليورانيوم 235، وهو »الكعكة الصفراء« "Yellow Cake" التي تُصنع منها الأسلحة النووية، وزاد أن بعضهم أبرز صورة خطاب رسمي من أحد وزراء حكومة النيجر يتحدث عن صفقة اليورانيوم بغير لَبْس، واهتمت الإدارة الأمريكية بالمعلومات، واختار »ُورُ تنيت« واحدا من أكثر خبرائه اتصالا بالشؤون الأفريقية (وسبق له العمل سفيرا في عدد من بلدانها)، وأمره أن يذهب بنفسه إلى »النيجر« (2002) ويعود بالخبر اليقين. كان الرجل المكلف بالمهمة هو »ُوزيف ويلسون« الذي شغل إلى وقت قريب منصب السفير الأمريكي في الجابون، وبالفعل فإن »ويلسون« ذهب إلى النيجر وراح يتقصى ويبحث وخرج بعد شهرين بأن القصة كلها ملفقة، وأن الخطاب المُشار إليه بتوقيع أحد الوزراء مزور، بل إن ذلك الوزير المنسوب إليه توقيع الخطاب الرسمي لم يكن يشغل أي منصب في التاريخ الذى ورد أعلى الخطاب! * * * وفي الغالب فإن الخطاب كان من صُنْع عصابات »من الهواة« احترفوا تزييف الوثائق بطرق بدائية في بعض الأحيان، وهم يجدون زبائن مستعدين لدفع الثمن، وبعضهم يجهل وبعضهم يعلم! أن ما يشتريه »مطبوخ«!. * * * وقد كشف السفير »ويلسون« هذا الخطاب من أول أسبوع قضاه في »نيامي« (عاصمة النيجر)، ولكنه مع ذلك مضى يستوثق ويستوفي، وأكثر من ذلك فإنه عندما كتب إلى رئيس المخابرات المركزية عن نتائج مهمته، أضاف: »إنه بحث »المسألة« مع سفيرة الولايات المتحدة الحالية في »نيامي«، وأنها قالت له (بنص ما نقل عنها) »إننا سمعنا كلاما كثيرا عن مساعٍ بذلها العراق للحصول على يورانيوم 235، وقد تابع خبراء السفارة هذا الموضوع، وهم يتابعونه بتكليف دائم لأن اليورانيوم في النيجر ليس مسألة هينة، لكنهم جميعا لم يعثروا على أي دليل، بل إن ما عثروا عليه ينفي نفيا قاطعا محاولة العراق من الأصل شراء يورانيوم من هنا«. وقالت السفيرة أيضا وفق ما نقل عنها المبعوث الخاص للمخابرات المركزية، »إن هذه السفارة كتبت إلى واشنطن عشرات المرات عن هذا الموضوع، لكنه يبدو أنهم في واشنطن لا يصدقون إلا ما يريدون تصديقه وهذا أمر غريب!«. وبرغم ذلك فإن حكاية »يورانيوم النيجر« ظلت حجة مستعملة في واشنطن إلى درجة أن الرئيس »بوش« خصص لها فقرة خاصة ومستقلة في خطابه عن حالة الاتحاد الذى ألقاه أمام الكونجرس في أواخر شهر يناير 2003، وفي اليوم التالي لإلقاء هذا الخطاب أصيب السفير »ُوزيف ويلسون« بنوع من »الصدمة« (وفق تعبيره)، واتصل بُورُ تنيت مدير المخابرات المركزية يلفت نظره إلى »أنه لا يليق أن تظهر في خطاب حالة الاتحاد وعلى لسان الرئيس وأمام الكونجرس وعلى مسمع من الشعب الأمريكي والعالم معلومات أثبت خبراء الولايات المتحدة نفسها أنها غير صحيحة«. وكان رد »تنيت« عليه »بأن لا يشغل نفسه لأن الإدارة تعرف ما تفعل!«. ولم يكن صحيحا أن الإدارة تعرف ما تفعل، وإذا كانت تعرفه فإنها أخطأت في تقديراتها، فقد حدث في هذه الفترة أن وكالة الطاقة النووية الدولية سمعت عن حكاية »يورانيوم النيجر«، وظنت الوكالة أن »الحكاية« تدخل في اختصاصها، وقد يكون وراءها تلميح مقصود إلى تقصير وقعت فيه وهى المسؤولة عن »الانتشار النووي«، وهكذا استطاعت الحصول على صورة من خطاب وزير »النيجر« الذي يشير إلى »الكعكة الصفراء« المرعبة ومحاولة »العراق« شراءها، ولم يمض أسبوع واحد حتى كان الدكتور »محمد البرادعي« يكتب إلى السكرتير العام للأمم المتحدة يبلغه »أن ذلك الخطاب على وجه التأكيد مزور«، ثم يرص قائمة الأسباب في بيان التزوير. ومع ذلك فإن الإدارة الأمريكية (»دونالد رامسفيلد« مؤيدا بنائب الرئيس »ديك تشيني«) صممت على أن الخطاب مازال يمكن اعتباره دليلا دامغا يبرر غزو العراق، لأن الحكومة البريطانية أبلغتها أن لديها ما يعززه! والأغرب من ذلك أن مكتب »ريتشارد تشيني« تلقى من مكتب مدير المخابرات المركزية الأمريكية »ُورُ تنيت« نسخة من نتائج مهمة »ويلسون«، وهي قاطعة على أن الموضوع من أوله إلى آخره ملفَّق، ومع ذلك فإن »تشيني« أصر على اعتماد الخطاب، بل وأصر أكثر على أن تقبل المخابرات المركزية بعدم مناقضة استعماله علنا، خصوصا »عندما يستعمله الرئيس في أي من أحاديثه العامة«. ومارس »تشيني« في ذلك ضغطا على وكالة المخابرات المركزية إلى درجة أنه قام بزيارة مقرها في »لانجلي« (ضاحية واشنطن) لبحث الموضوع مع مديرها ثلاث مرات في ظرف عشرة أيام. وفيما بعد وحين انكشف الموضوع بكافة تفاصيله، واضطرت الإدارة الأمريكية إلى الاعتراف بالخطأ فإن الرئيس »بوش« لم يجد مهربا غير أن يعلن »أن رئيس المخابرات المركزية اطلع على نص خطابه عن حالة الاتحاد وفيه الفقرة الخاصة بالكعكة الصفراء وأقره«. ورضي »ُورُ تنيت« أن يقوم بدور كبش الفداء بعدما أخطره »تشيني« أن أركان الإدارة ارتأوا حفاظا على مصداقية الرئيس »أن يضعوا المسؤولية عليه (»تنيت«)، وقَبِلَ الرجل على نفسه وعلى وكالته أن يصبح كبش فداء للبيت الأبيض، ناسيا أن القضية أكبر من ذلك لأنها قضية ثقة ومصداقية (ووقع تجديد مدة خدمته رغم أنه من بقايا تعيينات إدارة »كلينتون«). * * * وكانت رئاسة أركان الحرب المشتركة تتابع ذلك، وقد تحولت هواجسها إلى مخاوف لها دواعيها! * * * وفيما بعد وحينما صدرت عن البيت الأبيض اعتذارات تعددت مستوياتها عن استعمال معلومات »غير مؤكدة« في خطاب الرئيس عن حالة الاتحاد، فإن ذلك لم يكن مطمئنا، لأن من يعتذر مرة يستطيع أن يعتذر مرة ثانية، لكنه حين يُقْتَل جندي أو ضابط، فإن حياته لن تعود مرة أخرى بكلمة أو كلمات!. رابعا: قطار وقضبان ومحطة! بعد أن ألقى الرئيس »ُورُ بوش« خطابه عن حالة الاتحاد (29 يناير 2003) لم يبق لأحد في رئاسة أركان الحرب المشتركة سببا يدعوه للشك في أن الحرب على »العراق« قادمة دون تأخير، فقد كان الخطاب في صُلبه درجة من الأمر الإنذاري إلى القوات المسلحة الأمريكية بأنه الضوء البرتقالى، وأنه سوف يتغير إلى الأحمر في أي لحظة أمرا فوريا ببدء التنفيذ! وكان ملفتا أن الرئيس في خطابه قرر أن المعلومات المتاحة لدى الأجهزة المختصة في الولايات المتحدة تبين أن أسلحة الدمار الشامل العراقية على اختلاف أنواعها »جاهزة للتشغيل في ظرف 45 دقيقة بأمر يصدر من »صدام حسين«، الذى هو »أخطر رجل في العالم« لأنه يهدد الجميع، وبالتالي فإن مثول الخطر على هذا النحو يعطي الآخرين حق المبادرة دفاعا عن النفس بالردع قبل أن يداهمهم عدوهم!«. ومع أن الرئيس (فيما يظهر) حاول توقي اعتراض من يعرفون الحقيقة، ونسب المعلومات إلى الحكومة البريطانية فإن تلك لم تكن رغبة في التزام الصدق وإنما في التشويش عليه. وترافق مع ذلك شعور من التبرم والشكوى من أن هناك تلاعبا في معلومات المخابرات، بمعنى أن »معلومات المخابرات« عندما يجري تداولها بين أجهزة صنع القرار، أو إعلانها رسميا كليا أو جزئيا يتحتم أن تكون صادقة، بصرف النظر عن طريقة استغلالها السياسي أو العسكري، لكن الذى يحدث الآن هو أن التقارير نفسها يجري التلاعب بها وتغيير طبيعتها، وهو الأمر الذي لا يجوز السماح به. وكان جوهر المشكلة أن رئاسة الأركان المشتركة حتى هذه الساعة لم تكن مقتنعة بالهدف المطلوب منها تحقيقه، وحدث في ذلك الوقت أن وزير الدفاع »رامسفيلد« قال في برنامج إخباري ظهر فيه على شاشة وكالة الأخبار الأهلية "N.B.C" إن قطار الحرب بدأ رحلته على القضبان فعلا ولم يعد ممكنا إيقافه«، وسأله الصحفي الذي يحاوره وهو »تيم راذرز« »ولكن هل نحن واثقون أن ذلك القطار الذي يمشي على القضبان هو بالضبط ذلك القطار الذى يصل بنا إلى المحطة التي نريد الوصول إليها؟«. ورد »رامسفيلد« باقتضاب: »أظن ذلك!«. والشاهد أن رئاسة الأركان المشتركة (وكذلك قيادة المنطقة المركزية المكلفة بالعمليات المقبلة في العراق) ساورها قلق شديد تعددت أسبابه: بينها مظاهر الفوضى السائدة في مجلس الأمن، والتى تبدى من خلالها أن حلف الأطلنطى نفسه لم يعد توافقا سياسيا بين أطرافه، وإنما أصبح فجأة خلافا علنيا أمام العالم صورة وصوتا. وكان افتراق الطرق في مجلس الأمن أن غالبية أعضائه رأت إفساح مدة أو مدد إضافية لفريق التفتيش ليؤدي مهمته في العراق لكن الولايات المتحدة قطعت بالرفض، وفي حين أن غالبية من المجلس أبدت اقتناعها بضرورة أن لا تتحرك القوة المسلحة قبل قرار من المجلس يعطيها إشارة الحرب إلا أن الرئيس »بوش« بنفسه »بادر وأعلن أن الولايات المتحدة لن تنتظر ولن تقيد نفسها بقرار جديد من المجلس يبيح لها حرية العمل العسكري«. وكان أن حكومة المستشار »جيرهارد شرودر« أعلنت رسميا »أنه حتى إذا صدر من مجلس الأمن قرار يبيح للولايات المتحدة حرية استخدام السلاح، فإن »ألمانيا« لن تشارك في أي عمل عسكري في العراق«. وبينها أسباب القلق أن المظاهرات الشعبية التي جرت في واشنطن ونيويورك وعواصم غربية عديدة اشتدت إلى درجة دعت الُنرال »ريتشارد مايرز« إلى القول في اجتماع رسمي في »البنتاجون« »إن رسم الحرف »V« يتراءى له في الظلام عندما يغمض عينيه، و»V« هو الحرف الأول من »÷يتنام«! وبينها أن كل ما يدور في مجالس الحرب لا يدل بوضوح على وجود خطوط إستراتيُية عُليا، وإنما يدل على »أحوال طوارئ تتحول إلى خطط حرب لها بداية ولا يظهر لها سياق يؤدي خطوة بعد خطوة إلى نتائج واضحة تمثل مطلبا متكاملا للقوة الأمريكية!«. وبينها أن اجتماعات مجلس سياسات الدفاع راحت تسمع أقوالا مرسلة يصعب اعتبارها إستراتيُية عُليا، ومن ذلك ما ذكره »فرانك كارلوتشي« وهو من أبرز أعضاء المجلس ومن المقربين بشدة إلى وزير الدفاع »رامسفيلد« »أن الذين يسألون عما إذا كانت لدينا إستراتيُية عُليا يصح لهم أن يعرفوا أن لدينا إستراتيُية عُليا، وأن هذه الحرب القادمة خطوة على طريقها«. ثم يستطرد »كارلوتشي« (وفقا لتقرير صدر فيما بعد عن مجلس العلاقات الخارجية في نيويورك) »لدينا إستراتيُية عُليا غاية في البساطة، نحن نريد في المنطقة نظما موالية لنا، لا تقاوم إرادتنا، ثم إننا نريد ثروات هذه المنطقة بغير منازع، ونريد ضمانا نهائيا لأمن إسرائيل لأنها الصديق الوحيد الذي يمكننا الاعتماد عليه في هذه المنطقة!«. ثم يستطرد »كارلوتشي« قائلا: »لابد من تغيير النظام في العراق بالسلاح، وبعده في »إيران«، و»سوريا« وبعدهما في »السعودية« و»مصر«، وفي الغالب فإن ذلك ممكن بغير استعمال السلاح، والواقع أن هذه كلها نظم محسوبة علينا وهي تحملنا أعباء مكلفة بغير فائدة!«. ولم يكن في ذلك كله ما يمكن وصفه بأنه إستراتيُية عُليا لا لأمريكا ولا لعالم يهتم ويتابع مفزوعا بما يرى! وأخيرا وصلت رئاسة الأركان المشتركة راضية أو غير راضية إلى أن: الحرب قادمة بلا محالة في العراق. وهي حرب سوف تخوضها الولايات المتحدة وحدها. ثم إن القوات المرصودة للعمليات غير كافية (وهذا موضوع يعنيها أكثر من غيرها، وليست فيه تلك السيادة المطلقة للقرار السياسي بحكم الدستور!). وفي تلك اللحظات المضطربة راج في »واشنطن« على غير انتظار اقتراح بدا نغمة شاذة وسط دقات طبول الحرب العالية (ولعل مقصده الحقيقي كان الرغبة في طمأنة القيادات العسكرية) وقد ورد ذكر الاقتراح لأول مرة (يوم 19 يناير 2003) على لسان »دونالد رامسفيلد« حين قال بالنص: »إن الولايات المتحدة على استعداد لأن تمنح الرئيس »صدام حسين« حصانة من أي مساءلة سياسية أو قانونية، إذا قرر الخروج مع أسرته ومن يريد من أعوانه وأسرهم إلى خارج »العراق«، وفي هذه الحالة فإن الولايات المتحدة على استعداد لأن توفر لهم ملجأً كريمًا، وحياة سخية، وراحة موفورة!«. وأضاف »رامسفيلد« »إننا من أجل تجنب مآسي الحرب، رأينا أن نتقدم بهذا الاقتراح ونأمل أن يقبله »صدام«، ويجنب بلاده والعالم خطر عمليات عسكرية لسنا متحمسين لها إلا بمقدار ضرورتها للدفاع عن أنفسنا وعن العالم الحر«. وبدا الاقتراح مثيرا للدهشة وسط إلحاح الإدارة الأمريكية على امتلاك العراق أسلحة دمار شامل (فيها أسلحة نووية) واستعداد النظام الحاكم في »بغداد« لاستعمالها في ظرف خمس وأربعين دقيقة وبأمر من رئيس يوصف بأنه أخطر رجل في العالم، وأفدح تهديد يواجه أمريكا نفسها وكذلك أوروبا (فضلا عن المنطقة التي يعيش فيها). * * * والمتوافر من المعلومات كما هو محقق منها (حتى هذه اللحظة) أن ذلك الاقتراح لم يكن مجرد بالون اختبار، وإنما كان إشارة على الأفق وراءها شيء وكان هناك بالفعل شيء يجري في العاصمة التركية في وقت ما من أواخر شهر يناير 2003. كانت »أنقرة« في مرات كثيرة وعلى نحو يكاد أن يكون منظما ملتقى اتصالات سرية بين أجهزة الإدارة الأمريكية وبين أجهزة النظام في »بغداد«، عندما يكون لدى أحد من الطرفين برغم كل شيء رسالة يرغب في تمريرها بطريقة »موثوقة« إلى الطرف الآخر. وفي الواقع فإن هذه الاتصالات لم تنقطع قط، وإن تغير مكانها مرات: كانت بداية هذا النوع من الاتصالات في القاهرة (لكن الطرفان كلاهما اتفق رأيهما على أن القاهرة لا تكتم السر ولذا يستحسن تجنبها وقد كان!). وفي مرحلة ثانية جرى هذا النوع من الاتصالات في »لندن« لكن »لندن« كانت مزدحمة بفصائل المعارضة العراقية، (والطرفان لا يريدان عيونا وأرصادا وبالفعل تحولوا). وأخيرا وقع اختيار الطرفين على العاصمة التركية، وبدت أحوال »تركيا« أكفأ في حفظ السر من القاهرة، وأنجح في توفير فرص الخفاء من »لندن«. وفي شهر يناير وصلت »رسالة« من واشنطن باقتراح لقاء في »أنقرة« أواخر يناير (2003). وكانت الرسالة في الواقع نص ذلك الخطاب الذى ألقاه الرئيس »بوش« عن حالة الاتحاد، وفيه التصميم على غزو العراق، وكان الجديد الذى زاد، تعليق على نص الخطاب يلفت نظر القيادة العراقية »إلى أنها لا تملك حقا في الشك أو فرصة له لأن ذلك بالفعل هو »عزم الرئيس«، والولايات المتحدة تملك »الوسائل القادرة عليه«. وتلى ذلك عرض اقتراح »خروج الرئيس صدام حسين« وعائلته وأعوانه إلى ملجأ آمن تتوافر لهم فيه كل ضمانات القانون ووسائل الحياة كريمة وموفورة. وكان المندوب الأمريكي في هذا الاجتماع مسؤولا بارزا في وكالة المخابرات المركزية، وقد صحبه هذه المرة »رجل ثان« من الأمن القومي للبيت الأبيض، ومن الواضح أن الأتراك كانوا يعرفونه جيدا، وقد أوصوا بحسن الاستماع إليه والاهتمام بما يقول جديا إلى أبعد مدى (ولم يكن الأتراك بعيدين، ففي لقاءات من هذا النوع يكون مرغوبا فيه باستمرار أن تكون »أجهزة« البلد المضيف على علم وربما على مقربة ولو من باب تجنب أن تتعقد الأمور بحرص أجهزة المضيف على معرفة ما يقوله ضيوفها داخل بيتها). وفي ذلك الاجتماع ختم المندوب الأمريكي عرضه للافتتاح (وكان قاطعا) بما معناه »أنه يتفهم حاجة »الطرف الآخر« إلى مهلة يعود فيها إلى »بغداد« ويعود برد »عاقل ومعقول« . وعندما عاد المندوب العراقي فإن الرد الذي حمله معه كان فيه ما يستوقف النظر، فقد ورد فيه »أنه مع الاحتفاظ بكافة الحقوق القانونية والشرعية معززة بالأمر الواقع في »بغداد« الآن« فإن لدى »الطرف العراقي« سؤال مؤداه: »هل هم مستعدون للتعامل مع »قصي صدام حسين« إذا تنازل له والده عن الرئاسة؟، وهل تعترف »واشنطن« به في هذه الحالة وتتعامل معه على أساس جديد في علاقات البلدين«. »وطبقا لمصدر تركي (لا مجال للشك في حسن اطلاعه) فإن المندوب الأمريكي أبدى »استعداده لنقل الاقتراح »إليهم« في واشنطن، وإن لم يكن واثقا من جوابهم«، وفيما بعد وفي مناقشة بين الأمريكيين والأتراك جرى بحث بالعمق في مدلول الرسالة التي نقلها المندوب العراقي من »بغداد«، وهل تعني ضمنا بل وصراحة أن مبدأ خروج »صدام حسين« من السلطة (ولو لصالح ابنه قصى) مقبول الآن من جانبه، بعد أن رأى الخطر المحدق ولم يعد لديه شك في أنها النهاية؟!«. * * * ولابد من إشارة هنا إلى أن هذه الاتصالات تسرب شيء عنها إلى دوائر »الحزب« و»الحكم« في بغداد، وفيما يظهر فقد كان لها أثرها على عدد من ساسة النظام الكبار، وكان بين هؤلاء من أحسوا بضغط الأزمة وقدروا عواقبها الوخيمة. ولعل بينهم من رأى النهاية تقترب كما أن بعضهم راح يعاني من أزمات ضمائر حائرة وولاءات متضاربة بين النظام والوطن وبين العام والخاص (العائلي أيضا). * * * وفيما بعد وحين كانت التقارير ترد ساعات سقوط »بغداد« عن صفقات وخيانات وعمليات حرب فقد كان باديا أن ذلك كله يحتاج إلى »غربال«، وأن المحنة أشد تعقيدا من الصفقات والخيانات، والشاهد أن بعض الذين تناولتهم شائعات الصفقات والخيانات موجودون الآن في سجون الاحتلال الأمريكي تحت ظروف بالغة القسوة والإهانة ومع ذلك فإنه من الصعب واقعيا استبعاد وقوع اتصالات بين بعض المسؤولين في الحكم والجيش (والحرس الجمهوري) مع عناصر خارج العراق، خصوصا بصلات قرب (عائلية وعشائرية) مع ساسة وضباط عراقيين في المنفى. * * * والمهم في السياق الأصلي أنه لم تكد تمضي أيام حتى تحركت الحكومة التركية ورئيسها في ذلك الوقت »عبد الله جول« تعرض على دول الجوار العراقي: الأردن والسعودية وسوريا وإيران ومعها مصر باعتبارها مقر جامعة الدول العربية اقتراحا بعقد مؤتمر في »إستانبول« لبحث أمر يتصل بأمن المنطقة وينقذها من شر مستطير. وكان جدول الأعمال التركي المعروض هو نفسه اقتراح »رامسفيلد«، أي »ترتيب خروج »صدام حسين« من العراق ومعه عائلته وكبار معاونيه وعائلاتهم ومعهم حصانة قانونية وسياسية وإمكانيات مادية تكفل لهم رغد العيش والأمن مدى الحياة«. ولم يقدر للمسعى التركي أن يبلغ غايته لأن عددا من الدول العربية بينها مصر تصورت »أنه إذا كان الأمر كذلك، فالأولى أن تتم إجراءاته عربيا، لأن عروبته قد تمنحه فرصة قبول أكبر من جانب الرئيس العراقي، والشعب العراقي أيضا. وكان ذلك أساس العرض الذى تقدمت به دولة الإمارات العربية المتحدة أثناء مؤتمر على مستوى القمة في شرم الشيخ (أول مارس 2003). * * * وكان العرب طوال تصاعد أزمة غزو العراق بدون سياسة لها شكل أو لها مضمون، وربما أن شهادة »مارتن إنديك« (رئيس قسم الشرق الأوسط في وزارة الخارجية الأمريكية، وسفير الولايات المتحدة بعد ذلك في إسرائيل) تكشف »حال« السياسة العربية، فقد قال »مارتن إنديك« وكتب أنه أثناء ضربات الصواريخ التي جرى توجيهها على العراق بمقتضى حملة »ثعلب الصحراء« بإذن من الرئيس »كلينتون« (سنة 1998) أنه حضر اجتماعا لبحث ضربات الصواريخ على العراق: وهل تستمر أكثر أو تتوقف الآن وفجأة قال »كلينتون«: »إنني حائر في شأن هؤلاء العرب!«. إذا ضربنا العراق غضب الرأي العام العربي، وصاح في وجوهنا لماذا تضربون شعب العراق؟! وإذا أوقفنا الضرب غضب الحكام العرب، وهمسوا في آذاننا لماذا إنكم بذلك تقوون مركز »صدام«! ولعل الأمور لم تكن مختلفة سنة 2003، عما كانت عليه قبل خمس سنوات (1998 أيام »كلينتون«) وربما أن اقتراح خروج »صدام حسين« ومن معه من »بغداد« جاء إنقاذا للحد الأدنى من وجود مجرد وجود سياسة عربية، فإذا خرج »صدام حسين« من العراق فالنتيجة مرضية للساسة العرب وغير العرب، وإذا لم يخرج فهو المسؤول والساسة العرب بُرَّاء من دمه!. * * * ويستحق النظر أن اقتراح الإمارات الذي قدم إلى مؤتمر القمة العربية جرت صياغته في »أنقرة«، وشارك في الصياغة »خليل زالماي«، وهو مندوب وزارة الدفاع الأمريكية لدى المعارضة العراقية (وقبلها لدى الحكومة الأفغانية قبل وبعد سقوط نظام طالبان) والغريب أن هذا الاقتراح وصل لوفد الإمارات إلى القمة العربية، وهذا الوفد على وشك الصعود إلى الطائرة متجها إلى »شرم الشيخ«. وأثناء الاجتماع الصباحي للقمة جرى توزيع نسخة من ذلك الاقتراح، لكن التباسا نشأ لأن أحدا لم يطلب إدراجه رسميا على جدول الأعمال، وبالتالي تعقدت الإجراءات، وعندما وصلت نسخة من الاقتراح إلى الوفد العراقي (وكان يتزعمه السيد »عزة إبراهيم«) توجه أحد أعضائه إلى حيث يقف مسؤول من الإمارات يبلغه إنذارا »بأنه سوف يجري تقطيعكم إربا إربا« إذا »تجاسرتم« على طلب إدراج هذا الاقتراح على جدول الأعمال، وبُهِتَ الرجل وكان قصارى ما استطاع أن يرد به »أنه لم يَطَّلِع على هذا الاقتراح إلا الآن وفي هذه الجلسة!«. والشاهد أنه كان يمكن لاقتراح دولة الإمارات العربية المتحدة أن يلقى فرصة معقولة لو أنه استكمل نفسه بضمان تعلن فيه الولايات المتحدة الأمريكية أن قواتها لن تدخل العراق مقابل إعلان »صدام حسين« قبوله بالعرض الأمريكي (التركي العربى) »لأنه يريد تجنيب شعب العراق مصائب حرب مدمرة تودي بما بقي من اقتصاده ومرافقه« لكن الذي حدث أن »رامسفيلد« نفسه صَرَّح أثناء انعقاد القمة العربية بأن خروج »صدام حسين« ومن معه لا يعني العدول عن دخول الجيوش الأمريكية إلى العراق واحتلال أراضيه، ولم يبق لاقتراح من هذا النوع »معنى«، لأن مؤداه عمليا: خروج »صدام حسين« ومن معه من العراق، ودخول القوات الأمريكية إليه »بسلام«، ووضعه بالكامل تحت السيطرة دون طلقة واحدة، وذلك بموافقة عربية على مستوى القمة! * * * ومن المفارقات أنه في تلك الظروف تبدى كرم الأغنياء العرب في التلويح بالمبالغ التي يمكن أن يدفعوها لصدام حسين ومن معه إذا خرجوا، لكن أحدا لم يحاول أن يناقش مستقبل العراق وما إذا كان العرب مستعدين لتطوير اقتراح الخروج وتكليف الجامعة العربية بالتعاون مع الأمم المتحدة في مساعدة الشعب العراقي، دون حاجة إلى احتلال أمريكي لواحد من الأوطان العربية المؤسسة للنظام العربي (بصرف النظر عن نوعية الحكم المسيطر عليه في لحظة عابرة من لحظات تاريخ طويل)، مع ملاحظة أن الأوطان المؤسسة للنظام العربي ثلاثة بالتحديد: هي مصر وسوريا والعراق، ومعنى احتلال أمريكا للعراق أن المثلث المؤسس للنظام العربي فَقَدَ أحد أضلاعه الرئيسية وانفك تماسكه، (مع اعتبار أن الأوطان أهم من النظم الحاكمة، فالأوطان (على نحو ما) أشبه ما تكون بحاملات الطائرات العملاقة، وأما النظم فمجرد »حمولات« يتصادف وجودها على السطح لحظة عابرة، وليس مهما أن تُصاب إحدى الطائرات بالعطب، وإنما الكارثة أن تغرق الحاملة!). * * * وعلى أي حال فإن النظام في العراق أعرض عن اقتراح الخروج (ولعله لم يكن جادا في سماعه من الأصل أو أنه غَيَّر رأيه بعد تطورات الظروف) ذلك أنه حين توجه »ييفُيني بريماكوف« رئيس وزراء الاتحاد السوفياتي الأسبق إلى »بغداد« سرا لمقابلة »صدام حسين« وإعادة طرح الاقتراح عليه بتكليف من الرئيس »فلاديمير بوتين« فإن »صدام حسين« (وفق رواية »بريماكوف« نفسه) لم يقض معه غير ربع ساعة، قال له في بدايتها أنه »استقبله كصديق قديم« ثم لم يكد »بريماكوف« يبدأ حتى قاطعه »صدام حسين« إذ هَمَّ واقفا قائلا له: »إنني سمعت منك اقتراحا مماثلا سنة 1991 ورفضته، ومنذ ذلك الوقت حتى الآن مرت اثنتا عشرة سنة وأنا مازلت هنا والآن تعود لي باقتراح مماثل!«. وقبل أن يخرج »بريماكوف« سأله »صدام حسين« »هل لديكم تأكيد بأن الأمريكان لن يحتلوا العراق إذا أنا استمعت إلى كلامك؟« ولم يتوقف »صدام حسين« لكي يسمع الرد!. * * * وفي سياق التطورات فإن هذه المحاولات بدت أمام رئاسة الأركان المشتركة جهودا »مقبولة« تبذلها الإدارة حتى تستجيب لهواجس العسكريين وتُحَسِّبَهُم من استخدام القوات المسلحة الأمريكية في عمليات »سياسة« ليست وراءها ضرورات إستراتيُية عُليا. وكان الملاحظ أن الإدارة مضت خطوات أبعد على طريق طمأنة قواتها المسلحة: منها أنه عندما عاد »هانز بليكس« إلى مجلس الأمن (يوم 28 يناير) يطلب منح فريقه مدة إضافية لاستكمال عمليات التفتيش قائلا »إنه يلقى استجابة في الإجراءات من جانب العراق، وسوف يطلب استجابة أكثر في الموضوع« فإن الإدارة اشترطت لموافقتها على مهلة ثلاثة أسابيع إضافية أن تعلن الحكومة العراقية فتح أجوائها بالكامل أمام طائرات الاستطلاع من طراز »يو 2« لتمسح وتصور وتتابع كل حركة على الأرض، وانصاع النظام العراقي، وكذلك فإنه في اللحظات الحاسمة كان العراق أرضا مفتوحة بالكامل طول الوقت للكاميرات الأمريكية تجوب سماءه دون قيود. وكانت الصور تذهب إلى رئاسة الأركان تؤكد بالزيادة أن أرض المعركة مُباحة، وأن الدخول العسكري للجيوش الأمريكية لا يواجه احتمالا غير محسوب! وعندما توقفت هيئة التفتيش الدولي أمام ما يملكه العراق من صواريخ صمود (2)، واعتبرت أن مداها يتعدى الحد المسموح به بمقتضى اتفاق وقف إطلاق النار (سنة 1991) فإن النظام في العراق اضطر بعد جدل لم يطل إلى البدء في تدمير نظام الصواريخ الوحيد الباقي لديه، وتدخلت الولايات المتحدة الأمريكية لمنع تصوير عملية التدمير (حتى لا ينشأ انطباع لدى الرأي العام الدولي بأن النظام في العراق يستجيب ويتعاون ويتخلص بنفسه مما بقي لديه، حتى لو لم يكن مخالفا للمتفق عليه والمسموح به). ومع ذلك فإن فريق تصوير أمريكيا (تابعا لهيئة المفتشين) تولى المهمة، وفي اليوم التالي كانت الصور تتساقط من منشورات أمريكية موجهة إلى الضباط العراقيين، ضمن حملة حرب أعصاب موجهة إليهم تنبههم إلى أنه يجري تجريدهم من »أهم أسلحتهم« قبل بدء القتال. ويظهر أن »رامسفيلد« كان مغرما باستعمال الصور، ففي أحد اجتماعاته مع هيئة الأركان (وطبقا لرواية الُنرال »تشيمسكي« قائد القوات البرية) أخرج من ملف أمامه صورا لاجتماع عسكري عقده الرئيس »صدام حسين« مع قادة القوات المسلحة العراقية وقادة الحرس الجمهوري (خلال شهر فبراير 2003)، وسأل وهو يشير إلى جلوس نجلي »صدام« (عُدي وقصي) حول المائدة مع القادة العسكريين وسأل »رامسفيلد«: »أريدكم أن تفكروا لحظة فيما يمكن أن يشعر به أي ضابط عراقي يشارك في مثل هذا الاجتماع أو يرى صورته على تلفزيون »بغداد« أو جرائدها! هل يمكن له في أعماقه أن يواصل اعتقاده بأنه يدافع عن وطن أو أنه سوف يفتح عينيه ويكتشف أنه حامٍ لعائلة؟ أضاف »رامسفيلد« »إننا سألنا بعض من نعرف من الضباط العراقيين اللاجئين هنا وفي بريطانيا عن رأيهم في تأثير مثل هذه الصورة على معنويات الضباط؟ وكان رأيهم بغير استثناء أنه »تأثير مدمر«، يفقد القوات إرادة الحرب واستعداد التضحية بالنفس!«. وكان قطار الحرب يجري على القضبان بأقصى سرعة! خامسا: منحنى على الطريق التركي! على غير انتظار، وفي الوقت الذي بدأ فيه قطار الحرب يتحرك على قضبانه، وتزداد معدلات سرعته يوما بعد يوم ظهر منحنى على الطريق فى الشمال التركي. كان المقدر وفق الخطة أن الفرقة الرابعة الميكانيكية سوف تدخل إلى شمال العراق من »تركيا« وكان باديا أن »تركيا« لا تمانع، بل على العكس تحبذ، خصوصا إذا كان هناك مقابل وكان المتصور أن المقابل مساعدات مادية: مالية وعسكرية يسهل الاتفاق عليها مهما اشتدت المساومات لكنه مع تقدم المفاوضات بدأت الريب تداخل بعض الأطراف في أن المقابل المادي الذي يطلبه الأتراك ليس مالا وليس سلاحا، وإنما شيء آخر مضمر فى النوايا أكثر مما هو مُعْلَن على الموائد، وكانت جماعات الأكراد العراقيين هي التي بادرت وألحَّت، ورأيها أن الأتراك يسعون إلى أهداف إقليمية وإستراتيُية، ويرون الفرصة سانحة لتحقيقها: 1 يريد الأتراك تصفية بقايا حزب العمال الكردي (التركي) التي لجأت إلى المناطق الكردية العراقية، على اعتبار أن حركتهم المنادية بنوع من الاستقلال الذاتي لأكراد تركيا وهم ما بين 11 إلى 18 مليون كردي (أي أكبر مجموعة من الأكراد بين جميع بلدان المنطقة) تهديد خطير لوحدة الوطن التركي نفسه تتعهد به المؤسسة العسكرية (وهي الأقرب فى علاقتها مع الأمريكيين)، باعتبارها المسؤولة بنص في الدستور عن وحدة وعلمانية »الأمة التركية« و»الوطن التركى«! 2 وفي سبيل تحقيق هذا العهد فإن السلطة التركية لديها العزم على تصفية الدويلات الكردية التي قامت بالأمر الواقع في شمال العراق بعد حرب سنة 1991، واحدة برئاسة السيد »مسعود البرزاني«، والثانية برئاسة السيد »جلال الطالباني«، ومن وجهة نظر تركية فإن هذه الدويلات »نماذج سيئة« أمام أكراد تركيا وخصوصا أن أكراد العراق يعتبرون أكراد تركيا »عمقا إنسانيا وتاريخيا« لهم بمقدار ما يعتبر أكراد تركيا الشيء نفسه بالنسبة لأكراد العراق، وفي رأي قادة الجيش التركي أن الحرب الآن »فرصة سانحة« لوضع الأمور في نصابها على الجانب الآخر من الحدود التركية. 3 وفي النهاية فإن الأتراك يحلمون بمنطقة »الموصل«، وفي خيالهم أنها جزء من »تركيا« فُصل عنها (بمعاهدة »مونترو« سنة 1923)، وكان الفصل تعسفيا فرضه الإنجليز عندما استقروا في العراق وأنشأوا فيه مملكة هاشمية موالية لهم، ومعنى ذلك أنه إذا دخل الجيش التركي إلى شمال العراق، فإنه لن يخرج سواء بالدعاوى التاريخية القديمة (الباقية من إرث الخلافة العثمانية) أو بعلة حماية الأقليات التركمانية هناك، وهي مرتبطة بالدم مع الوطن التركي. وعندما بدا أن المفاوضات مع تركيا تتلكأ دونما سبب مقنع، قصد »كولين باول« (وزير الخارجية الأمريكية) إلى »أنقرة« يظن أن مسؤولية التأخير تقع على حكومة »طيب رجب أردغان« (ذات التوجه الإسلامي) لكنه فوجئ هناك بأن التأخير الحقيقي موقف ُنرالات »أنقرة« (مجلس الأمن الوطني)، وكان اعتماد الولايات المتحدة دائما عليهم. واكتشف »باول« أيضا أن التأخير لا يرجع إلى خلاف حقيقي حول دواعي غزو العراق أو المساعدات المطلوبة من الأتراك وإنما يرجع لشيء أو أشياء أخرى نوايا وأحلام تراود سادة البوسفور! وفي هذه اللحظة المحفوفة بالشكوك حول النوايا، ألقى زعماء الأكراد العراقيين ورقتهم الأخيرة والحاسمة، ومؤداها ببساطة: »أنه إذا دخل الجيش التركي إلى شمال العراق شريكا في المعركة ضد نظام »صدام حسين« فإن مقاتلي الأكراد من الجماعتين (البرزاني والطالباني) سوف يتصدون بالسلاح للجيش التركي، باعتباره الخطر الداهم وليس الجيش العراقي. فالجيش العراقي بالنسبة لهم »خطر الأمس الذي انتهى« وأما الجيش التركي فهو »خطر اليوم الذي يوشك أن يطلع صبحه«، وبالتالي فإن على الولايات المتحدة أن تختار. وكان الاختيار المتاح للإدارة الأمريكية: مع الأكراد (وهم ملء شمال العراق فعلا حتى ضواحي »كركوك«). أو مع الأتراك واحتمال تصدي الأكراد لهم، وبالتايى فهي معركة إضافية في الشمال العراقى بحرب داخل الحرب (وضد الهدف الأمريكي في كل الأحوال). وفي ذلك الوقت كانت الفرقة الرابعة الميكانيكية الأمريكية قد وصلت بالفعل إلى قرب الموانئ التركية المطلة على شواطئ البحر الأبيض تنتظر إذنا بالنزول إلى البر، والانتقال عبر الأراضي التركية إلى شمال العراق، ودخول »الموصل«. ومع حقيقة أن شمال العراق »جاهز« كرديا لاستقبال قوات أمريكية محمولة جوا إلى أرض مؤمنة وصديقة، ومع الشك في النوايا التركية المضمرة فإن الخيار مع صعوبته فرض نفسه على السياسة الأمريكية. وكذلك وجدت هيئة أركان الحرب المشتركة نفسها في اللحظة الأخيرة أمام توجيه إستراتيُي يغير خطة الغزو على نحو لم يكن منتظرا، بل إنه يثقل عليها بخلل إستراتيُي أساسي! وهنا وقع ما يسميه عدد من الخبراء الأمريكيين (بينهم »أنتوني كوردسمان« نصف تمرد عسكري في أمريكا "Mini Mutiny"). وكان التمرد محصورا، لكنه وفقا لكل الشهادات كان مثيرا. ووفقا لشهادة نائب رئيس الأركان المشتركة الُنرال »كين«، فقد تبودلت بين الأطراف عبارات حادة. قال »رامسفيلد« (موجها كلامه دون تحديد لشخص بالذات): »أنتم مازلتم مصرين على أن تحاربوا المعركة التي »تعرفونها« من قبل، وأنا أريدكم أن تحاربوا المعركة المستجدة الآن على الأرض! وقال الُنرال »ماير« رئيس الأركان: »إن هناك إجابة مطلوبة عن سؤال: هل نخترع علما جديدا للحرب في مناخ معركة أو نحارب بالعلم المستقر مُضافا إليه ما استفدناه من التجربة؟«. ويضيف رئيس الأركان: هذا سؤال لابد من رد واضح عليه. كانت الخطة العسكرية الأمريكية لغزو العراق تعتمد على ما أسماه خبراء »البنتاجون« »الصخرة والثعبان«. »الصخرة«: ضربة تنقض من الشمال، فرقتان من الجيش الأمريكي ومعهما فرقتان من الجيش التركي، إلى جانب مجموعات (ما بين 15 إلى 20 ألفا من قوات »البشمركة« الأكراد، وهذه الصخرة تتدحرج من مرتفعات »كركوك«، ثم تطبق على »بغداد«. »والثعبان«: عملية تزحف من الجنوب، وبدايتها أن تبدأ قوة المهام الخاصة البريطانية (ثلاثة ألوية) بالتقدم في اتجاه البصرة على شكل قوس، يطوق الفرقة العراقية المدرعة (الواحدة والخمسين)، ويزيحها إلى الشرق محصورة بين الحدود الإيرانية ومدينة البصرة. وفي الوقت نفسه تقوم المجموعة الأمريكية رقم 70 (لواءين)، واللواء الخامس المدرع بالزحف على شكل قوس أيضا يعزل قوات »منطقة غرب الفرات« العسكرية العراقية، ونتيجة ذلك ينفتح في ظهر القوسين طريق سالك إلى وسط العراق وقلبه. ولحظتها يتحرك »الثعبان« نفسه وهو ثلاث فرق تتقدمها فرقة المشاة الأمريكية الثالثة وهذه القوة تنطلق من الجنوب (الكويت)، وتمضي مسرعة مباشرة إلى »بغداد«، وهي في زحفها الخاطف نحو العاصمة العراقية تتجنب المدن الرئيسية في جنوب العراق، وتتلوى في طريقها (كالثعبان)، على أن تعود فيما بعد إلى تطهير أية مقاومة تبقى في مدن مثل »البصرة« و»النجف« و»كربلاء« و»الرمادي« و»الحِلة« وغيرها. والتقدير أن انقضاض »الصخرة« على »بغداد« من الشمال ووصول رأس الثعبان من الجنوب إلى نفس الهدف يشل تفكير القيادة العراقية التى تُفاجأ بوصول قوات الغزو إلى مشارف وضواحي العاصمة. وكان أهم تفصيل في المفاجأة التكتيكية للعمليات العسكرية »أنه لن تكون هناك حملة جوية طويلة تمهد لقوات الغزو (وهو ما كانت تتوقعه القيادة العراقية على أساس تجربتها السابقة في حرب تحرير الكويت، حين تواصل الضرب الجوي أكثر من أربعين يوما، وكذلك على أساس ما رأته هذه القيادة (العراقية) فعلا في حرب أفغانستان التي استمر التمهيد الجوي قبل نزول القوات البرية على الأرض مدة مماثلة«. أي أن المفاجأة ضربة صدمة ورعب، وبالتوافق معها اقتحام للأرض العراقية في اندفاعة لا تتوقف حتى وإن تلوت على طريق الجنوب حتى العاصمة العراقية، وكذلك تنقض »الصخرة« ويزحف »الثعبان«. وفي هذه اللحظة المتأخرة النصف الثاني من فبراير وجدت هيئة الأركان المشتركة نفسها أمام تغيير جوهري في بنيان الخطة: »الصخرة« لن تنقض من الشمال على الأقل بالقوة التي كانت مقدرة وأول الأسباب أن »تركيا« ليست هناك! ومعنى ذلك أن »الثعبان« سوف يكون وحده يتلوى في جنوب العراق مكشوفا من أجنابه لمدن كان التقدير تجاوزها لكنها الآن يمكن أن تتحول إلى »أشواك« حادة تجرح على الأقل جسم الثعبان وهو بالطبيعة أملس وناعم! وكان أول ما خطر لهيئة الأركان المشتركة أن ذلك »المنحنى على الطريق التركي« يفرض تأجيل »ساعة الصفر« حتى تصل الفرقة الميكانيكية الرابعة من البحر الأبيض عبر قناة السويس إلى الخليج العربي، وتتخذ مواقعها الهجومية هناك مع بقية القوات أي تغذية »ثعبان الجنوب« لكي يؤدي مهمته باعتبارها »المجهود الرئيسي في الحرب«، مع غيبة »صخرة الشمال« النازلة على »بغداد«. ورفض وزير الدفاع »دونالد رامسفيلد« طلب التأجيل، ووقعت في مكتبه مواجهات حادة انضم إليها من »الدوحة« الُنرال »تومي فرانكس«، الذي ظهر ميله هو الآخر للتأجيل في انتظار وصول الفرقة الرابعة على الأقل أي أن القيادة المركزية على أرض المعركة تضامنت مع هيئة أركان الحرب المشتركة في واشنطن لكن »رامسفيلد« صمم على رأيه عارضا: أن التأجيل لا مبرر له لأنه لا توجد مقاومة حقيقية يُخشى خطرها من جانب الجيش العراقي أو الحرس الجمهوري (فكلاهما في رأيه فقد إرادة القتال!). أن المدن التى يجري تجنبها يمكن تدبير أمرها بالضرب الجوي المكثف عليها. أن أي تأخير الآن يؤدي إلى وهن يصيب معنويات »عناصر« متصلة بالمعارضة العراقية صبرت طويلا وعملت في السر إلى جانب عناصر أخرى »غامرت واتصلت في اللحظة الأخيرة«، والخشية أنها ساعات ويكشف النظام أمرها، وبالتالي يصب عليها نار غضبه وانتقامه! أن أي تأخير سوف يفتح فجوات على جبهة مجلس الأمن والرأي العام العالمي، إلى جانب أن حالة التعبئة النفسية والسياسية قاربت ذروتها، بصرف النظر عن كل أصوات الاحتجاج، فإذا طال انتظار العمليات عن هذا الحد تعرضت الولايات المتحدة »لتطاول على إرادتها« مارسه كثيرون ولا داعي لتشجيعهم أكثر على التزيد فيه! أن بقاء موعد الخطة كما هو (بدون تأجيل) يضيف إلى »المفاجأة التكتيكية«، ذلك أن القيادة العراقية وهي تتابع ما يجري على »المنحنى التركي« سوف تتصور وتتصرف على أساس أن العمليات مؤجلة على الأقل إلى حين وصول الفرقة الرابعة إلى الكويت، فإذا خابت توقعات العراقيين عانوا من خلل نفسي مُضاعَف! وعندما لاحظ »رامسفيلد« أن »القادة« لم يقتنعوا بمنطقه، ثار غضبه (وفق رواية أحد المشاركين) وقال للُنرالات ما مؤداه: »إنني أحاول منذ عُدت إلى البنتاجون أن أطرح عليكم »قضية الحرب في زمن المعلومات« لكنكم لا تفهمون غير القديم الذى تعودتم عليه. إن فكرة »الثعبان« لم تدخل عقولكم، وأنتم تريدون الانتظار حتى يتضخم »الثعبان« ويتحول إلى »تمساح« له أنياب ضخمة لكنه بطىء الحركة إلى درجة تسمح لفريسته أن تهرب من فكه!«. اضطر البيت الأبيض إلى الدخول مباشرة لفض الاشتباك بين وزير الدفاع وهيئة أركان الحرب المشتركة، وكان وسيط الرئيس إلى ساحة »التمرد المحدود« »ريتشارد تشيني«، فهو إلى جانب كونه نائبا للرئيس رجل يعرف المؤسسة العسكرية الأمريكية عن قرب من زمن توليه منصب وزير الدفاع أثناء حرب تحرير الكويت. * * * وليس في مقدور أحد أن يزعم معرفته بالمقترحات التى عرضت لتخفيف حدة التوتر، ولا بالأجواء التى سادت الاجتماعات والمناقشات، بل إن المحاولات جرت لنفي »وقوع التمرد من الأصل«، وإيحاء إلى من تحدثوا عنه بأنهم بالغوا في تقدير حجمه، على أنه كان ظاهرا أن »تشيني« ساعد في طمأنة رؤساء الأركان بزيادة في استخدام قوة النيران بأكثر مما كان مقترحا بمقتضى مشروع الخطة الأصلي (وكانت تلك إضافة ترتبت عليها نتائج فيما بعد). * * * ففي الخطة الأصلية كانت الضربة الأولى »صدمة ورعبا« ليوم واحد، وبعدها تكون العمليات الجوية متوازية مع التحركات لا تزيد عليها، حتى يكون ضررها محصورا على الجيش العراقي والحرس الجمهوري من ناحية، وكذلك على بنية العراق الأساسية من ناحية أخرى. وكانت التقديرات المُصاحِبَة للخطة ترى أن وحدات من الجيش والحرس يمكن تحويل ولائهما بمنطق إنقاذ العراق من دمار لا لزوم له. وكانت التقديرات كذلك أن مرافق العراق لا يصح تدميرها، لأن القوات الأمريكية والإدارة في العراق بعد النصر تحتاج إلى استعمالها وليس معقولا أن تدمرها اليوم ثم تكتشف أنها تحتاجها غدا«! والآن كان »تشيني« لا يمانع في زيادة عيار التدمير، مع تصاعد العمليات، حتى يحصر خطر المقاومة العراقية في أضيق نطاق ممكن (ولم يجر حساب ذلك سياسيا بدقة)! سادسا: ثم ماذا بعد الآن؟ خلال النصف الأول من شهر مارس 2001 زاد تخوف »المجموعة الإمبراطورية الأمريكية« من أن هناك تحولا في الرأي العام العالمي تزيد به معارضة غزو العراق. فقد أظهر استطلاع للرأي العام (أجري يوم 29 فبراير وأذيعت نتائجه كاملة يوم 1 مارس، وقامت عليه جريدة »الواشنطن بوست« بالاشتراك مع قناة أ. بي. سي A.B.C وهي أكبر شركات التليفزيون الأمريكية) »أن 56$ من الرأي العام الأمريكي تحبذ إعطاء فرصة مفتوحة لمفتشي الأمم المتحدة في »العراق«، يكملون مهمتهم في حين أن 39$ فقط يؤيدون الرئيس »بوش« في توجيه ضربة للعراق دون انتظار«. وفي الوقت نفسه كانت استطلاعات الرأي العام في »بريطانيا« تكشف أن 52$ ممن أعطوا أصواتهم في استفتاء جرى على عينة حجمها خمسة آلاف بريطاني من الرجال والنساء (أجرتها مؤسسة »هاريس«)، يعارضون غزو العراق مهما كانت الظروف. وحتى في »أستراليا« كشفت الاستفتاءات أن 64$ من الرأي العام تشترط لدخول الحرب موافقة الأمم المتحدة بقرار لا اعتراض عليه في مجلس الأمن. وأصبحت المجموعة الإمبراطورية في واشنطن أكثر عصبية، بينما قطار الحرب يتحرك على القضبان بطيئا وينتظر زيادة السرعة، وليس استعمال الكوابح إلى حد التوقف! ووقع مشهد له دلالته في مكتب الرئيس »بوش« في البيت الأبيض، فقد كان الموعد المقرر لبدء خطة غزو العراق آخر ضوء من يوم 20 مارس (2003)، ومع ذلك فإن الرئيس »بوش« وَقَّع أمرا رئاسيا بقتل »صدام حسين« بضربة عاجلة، ولو أدى الأمر إلى استباق ساعة الصفر، وذلك على أساس معلومات قيل له: إن مصدرها الآن في موقعه يتابع عن قرب تحركات »صدام حسين« داخل »بغداد«. وقال الرئيس »بوش« وهو يُوَقِّع الأمر الرئاسي بالقتل المسبق: »إن صاروخا واحدا »يقتل« هذا الرجل الآن، كفيل بأن يوفر حربا بأكملها! وعاد يؤكد لنفسه: »أليس صحيحا أن طمأنة جيش كامل تساوي قتل رجل واحد؟!«. وكانت الملاحظة موحية. ولم تمض ساعات حتى كان »تنيت« يتصل على عجل بالبيت الأبيض، فهم يعرفون الآن بالضبط أين يوجد »صدام حسين«. وأعطى »ُورُ بوش« موافقته، وكذلك بدأت ضربة الحرب الافتتاحية قبل موعدها المقرر بأربع وعشرين ساعة، والأمل أن يُقتل »صدام حسين«، بحكمة أن »قتل رجل واحد يطمئن جيشا كاملا«! والحقيقة أن هيئة أركان حرب القوات المسلحة الأمريكية لم تكن لديها شكوك من أي نوع في نتيجة عمل عسكري ضد العراق، فقد كانت الدفاعات العراقية أمامها واهية، وقلب العراق مفتوح، والطريق إلى »بغداد« مهما كان أو يكون سالكا، وأية مقاومة »لحركة الثعبان« محدودة، حتى لو تأخر مجيء الفرقة الرابعة القادمة بحرا من تركيا ولم يكن الجنرال »ريتشارد مايرز« متواضعا حين قال لرامسفيلد: »أنا أعرف أن ما نحن مُقبِلون عليه معركة بين طائرة من طراز ف 15، وطائرة من »الورق« (Kite) التى يلهو بها الأطفال، لكن ذلك ليس من شأنه أن ينسينا أننا سوف ننزل من أعالي الجو إلى تراب الأرض، (وفي الغالب فإن قيادة الأركان المشتركة لم تكن تريد خسائر في أرواح جنودها يمكن توفيرها، علما بأن هناك جماعات غير نظامية (فدائيو صدام) تملك فرصة التعرض لأجناب طابور مندفع إلى أمام لا يلتفت يمينا أو يسارا!). والواقع أن الخشية الحقيقية للقيادة المشتركة كانت أوضاع ما بعد الغزو، لأن الصور والمعلومات والمتابعة تكشف ظاهر ما يجري فوق الأرض، لكنها لا تعرف ما فيه الكفاية عن دخائل النظام وأجنحته ورجاله ثم حقيقة المشاعر في عقول وقلوب أهله، وفي كل الأحوال فإن رئاسة القوات المشتركة تقبلت حقيقة أن قطار الحرب مشى على القضبان، لكن هذه القيادة كانت تريد الوصول إلى »بغداد« ثم تنقل مسؤولية ما بعد ذلك إلى غيرها، وفكرها أنه مادام ذلك ما طلبوه منها، فهي توفره لهم لكنها تترك البقية على عهدتهم!، والمنطق أن قواتها »أداة حرب«، وليست »أداة حفظ نظام« ووسيلة غزو وليست مهمة حفظ أمن. وفي رغبتها الجارفة للحسم العسكري سريعا، فإن قيادة القوات استعملت رخصة كثافة النار بأكثر مما كان مقدرا في الخطة الأصلية، وهكذا فإن ضربة الصدمة والرعب على »بغداد« تكررت وزادت، وفي بعض الليالي كان الضرب الجوي مروعا فوق »بغداد« وحولها، وطبقا لتقرير هيئة عمليات القيادة المشتركة، فقد قامت الطائرات الأمريكية فوق ميادين الضرب ب 41404 طلعة جوية، وأطلقت 19948 قذيفة مُوَجَّهة، إلى جانب 9251 قذيفة غير مُوَجَّهة، تغطي بالنار دوائر واسعة دون هدف بالذات، وكان ذلك مخيفا وفي المحصلة فإن هذه الكثافة في النيران لم تهدأ لتترك الفرصة لمن يريد أن يراجع أو يفكر أو يتصل سواء: من قادة الجيش والحرس الجمهوري، وبالتالي فإن غضب النار المنهمر من السماء لم يترك لأحد من الزعماء والقادة المحليين (كالمرجعيات الدينية والقبائل والعشائر) مجالا لأمل، فهذه النار غضب عدو ويصعب اعتبارها تحية صديق. * * * ومن الواضح الآن أن السياسة العراقية في »بغداد« لم تكن تعرف ما فيه الكفاية عن معنويات قواتها (الجيش والحرس الجمهوري) ولا عن المراجعات التى تزحم الآن مشاعرها وأعصابها وإرادتها، خصوصا وقد تفجرت الحقائق وبانت نتائجها المحتومة وفي الغالب فإن القيادة العسكرية العراقية آثرت أن تتظاهر بتنفيذ ما لديها من أوامر (ولعلها آثرت أن تعفيها التطورات المتسارعة من حرج العِصيان المكشوف في تلك الظروف)، وعلى الناحية الأخرى فإن السياسة في »بغداد« بدت وكأنها لا تريد أن تطل على الحقائق وجها لوجه، والغالب أنه كان نوعا من »القدرية« تأمل في معجزة لن تجيء. ووسط دخان أوهام معزولة عن الواقع فوجئ الجميع بأن القوات الأمريكية في مطار »بغداد« فعلا، وتبددت الأوهام. * * * ثم لمعت شرارة في أجواء »بغداد« (وغيرها من المدن الكبرى) ذلك أن قوات الغزو العسكري المتقدمة، فشلت فشلا ذريعا في إدارة لحظة اللقاء الحرجة بين جيش غريب غازٍ وأصحاب وطن ينتظرونه بحذر على الأقل! وفي العادة فإن لحظة لقاء الغرباء، وبينهم قوي وضعيف، وغالب ومغلوب لحظة شديدة الحساسية، وإذا فلت عيارها فإن الانطباعات والتشوهات التي تُوَلَّد منها تعيش طويلا مهما تنوعت عقاقير علاجها. ولعل القيادة المركزية أحست بأن اللحظة أفلتت، وكذلك كان قول الُنرال »فرانكس«: »إن قواتي كانت تشكيلات محاربة، واجبها البحث عن العدو وقتله، وليس الابتسام في وجهه وأخذه بالأحضان«. وكان الُنرال »فرانكس« محقا، وكانت المسؤولية واقعة بالكامل على نقص الأداء السياسي للخطة حين انتهاء القتال. ومع ذلك فإن »المجموعة الإمبراطورية في واشنطن« ظهر لديها الميل إلى تغطية قصورها في التخطيط السياسي لما بعد الحرب بتوجيه المسؤولية إلى غيرها من الذين لم يستطيعوا التفريق بين مهام القتال ومسؤوليات الاحتلال. ولم تمض أيام على الاحتلال حتى كانت قوات الغزو في موقف يسمح لها برؤية الحقائق كاملة، مكشوفة على الأرض، وأول الحقائق أن جميع الذرائع القانونية والأخلاقية التي دفعت بها »إلى هنا« غير صحيحة، بل إن القائلين بها كانوا أول من يعرف أنها كذلك (غير صحيحة): ليست هناك أسلحة دمار شامل (نووية أو كيماوية أو بيولوجية). ليست للنظام الذي سقط في العراق إمكانية من أي نوع لتهديد الولايات المتحدة (أو أوروبا أو جيرانه) في ظرف 45 دقيقة!. ليست للنظام العراقي صلة بتنظيم القاعدة (وبالتالي بما جرى يوم 11 سبتمبر 2001). وأسوأ من ذلك فإن الشعب العراقي لا يبدو سعيدا بهذه القوات التي جاءت لكي تحرره. وعلى نحو ما فإن القوات المسلحة ورئاسة أركان الحرب المشتركة بدت ضيقة الصدر في تعاملاتها مع كل الأطراف. تشعر من ناحية أن السياسة في »واشنطن« لم توفر لها الغطاء (الأخلاقي والقانوني) الذي يحفظ لها »قيمة وكرامة العلم الوطني«. وتشعر أن المجموعة الإمبراطورية تأخرت في إيجاد بديل يأخذ عن عاتق القوات عبء القيام »بدور بوليس محلي« في العراق، ثم إن هذه المجموعة تخبطت في خياراتها من عسكري سابق مثل الُنرال »ُاي جاردنر« إلى موظف دبلوماسي مثل »بول بريمر« إلى عرض »المهمة« على سياسي عجوز مخضرم مثل »ُيمس بيكر«. وتشعر أن الرأي العام في الولايات المتحدة وفي العالم لم تعد فيه حماسة للمهمة التي قامت بها والتي تزداد تكاليفها ولا تقل بعد أول يوم وذلك يضايق ولعله يجرح! وتشعر أخيرا وهذا هو الأمر المزعج أن الشعب العراقي ليس راضيا وليس حامدا، بل إنه ساخط وناقم على الكل بغير استثناء. وفي هذه الأجواء اتخذت قرارات عصيبة ومتسرعة: جرى حل الجيش العراقي ووزارة الداخلية، والخارجية، والإعلام، مع ظن بأنه من الأفضل إعادة الخلق من جديد. ولم تكن مصفحات القوات الأمريكية تملك ولا كان ذلك واجبا كفاءة مراعاة التضاريس التاريخية والدينية والاجتماعية والنفسية للشعب العراقي، وكذلك وقعت أخطاء مهولة. والغريب أن الإمبراطورية الأمريكية عند ذروة علوها تصرفت بثقافة تجربتها الأولى مع الهنود الحُمر بعد أن تمكنت من قتل »عُدي« و»قصي« نجلي الرئيس العراقي السابق، وتصرفت كما كان يفعل قواد جماعات المهاجرين الزاحفين إلى قلب القارة الأمريكية في القرن الثامن عشر أي أن قوات الإمبراطورية الأمريكية أوائل القرن الحادي والعشرين أرادت أن تثبت للهنود الحُمر على الناحية الأخرى من النهر أن الزعيم الكبير قتل، وها هي جثته على ظهر حصانه تعود إليهم ليروا بأنفسهم ويتحققوا! وتكرر المشهد بعد قرون، لأن الموروث الثقافي لديه فرصة الكمون حتى تستدعيه المستجدات، فإذا هو يعيد نفسه على المثال الذى تشكل به ابتداءً. وعلى نحو ما فقد تبدى حرص شديد في »واشنطن« على احتواء كل الشكوك، وعلى كتمان توترات وتقلصات عاشتها العاصمة الأمريكية بين السياسيين والعسكريين. وظهرت أسئلة لعلها تعثر على إجابات في المستقبل: لماذا ترك قائد القوات البرية الُنرال »تشيمسكي« منصبه ولم يجدد مدة خدمته كما عُرض عليه؟ ولماذا اعتذر قائد القيادة المركزية الُنرال »تومي فرانكس« عن قبول منصب وزير الجيش الذى عرضه عليه »دونالد رامسفيلد« وزير الدفاع (الذي يعاونه ثلاثة من الوزراء: للجيش والبحرية والطيران)؟ ولماذا صمم »فرانكس« على الاعتزال دون أن ينتظر لكي يسبح وسط أضواء النصر بعد غزو العراق؟ ولماذا عهد بالقيادات الميدانية الكبرى إلى ُنرالات ينحدرون من أقليات عرقية هاجرت عائلاتهم أخيرا إلى الولايات المتحدة: مثل الُنرال »ريكاردو سانشيز« الذى عُين قائدا لقوات الاحتلال في العراق (وهو من أسرة مهاجرة من أمريكا اللاتينية) والُنرال »ُون أبو زيد« (وهو من أسرة مهاجرة من لبنان) الذى عُين قائدا للقيادة المركزية الأمريكية بينما المعروف أن عِماد قيادة القوات المشتركة باستمرار يقوم بها العناصر التقليدية ذات الأصول الأوروبية (الواضحة). ولماذا؟ ولماذا؟ ولماذا؟! ومن الواضح في واشنطن أن المستقبل يلزمه من وجهة نظر هيئة الأركان المشتركة كلام كثير وكلام جديد! وكذلك تواجه الإمبراطورية الأمريكية أواخر سنة 2003 لحظة شديدة الحساسية والأهمية، وذلك منطق الأشياء طالما أن القوات المسلحة أصبحت وسيلة المشروع الإمبراطوري وعليها مسؤوليته!

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة