لستَ في حاجة لمن يشرح لكَ، ولا أنت في حاجة لتحكّ دماغك كثيرا، او لتُعمل مخيلتك في فك رموز الكتل والمساحات اللونية والتكاوين والتجريدات والرموز، فاللوحة تقول نفسها مباشرة، تفصح لك عما في داخلها، او بالأحرى فإن كل داخلها ظاهر. فهي شفافة الى حد الفضيحة، وواضحة الى حد أنك لا تحتاج الى كشف غطاء او حجاب. هذا هو الواقع الذي يظهر في معرض اسماعيل وتمام شموط الذي يقام، تحت عنوان »فلسطين السيرة والمسيرة«، في القاعة الزجاجية من وزارة السياحة في بيروت لغاية 8 تشرين الأول، وقد جال من قبل على صالات عربية أخرى، وهو يضم 19 لوحة زيتية (10 لاسماعيل شموط و9 لزوجته تمام الأكحل شموط). أعمال المعرض تختصر تجربة الفنانين الزوجين اللذين ترافقا في تجربة امتدت قرابة خمسين عاما، فاسماعيل (مواليد اللد 1930) أقام معرضه الأول في غزة العام 1953، وتمام (مواليد حيفا 1935) أقامت معرضها الأول في بيروت في العام نفسه. وهما يترافقان في عدد كبير من المعارض، علما بأن اسماعيل شموط يُعتبر من مؤسسي الفن التشكيلي بين الفنانين الفلسطينيين. قاد مسيرة اتحاد الفنانين التشكيليين الفلسطينيين منذ تأسيسه العام 1969، وقام، الى جانب عمله الفني، بمهام نضالية، حتى أن أعماله أتت متماهية مع تلك المهام، وحاملة للهم الفلسطيني ومعاناة شعب لاقى ما لاقاه من ظلم وقهر وقتل وتشريد. الذاكرة الفلسطينية يختصر اسماعيل وتمام شموط وجدانيهما ووعييهما وحسيهما وإبداعيهما بالتعبير عن القضية الفلسطينية الانسانية، وهما، على الأقل في هذا المعرض، يحصران تجربتيهما بالموضوع الفلسطيني العام، بتاريخ المعاناة والعذابات الفلسطينية، منذ تدفق الصهاينة عبر السفن الى السواحل الفلسطينية، الى حملات التهجير الجماعي، ثم قسوة الاقامة في مخيمات الشتات، وملامح الثورة والانتفاضة في الحشود الشعبية، والبحث عن أبطال ينبرون ببنادقهم وصراخهم ونبراتهم القوية من بين الحشود الفلسطينية في كل مكان. اسماعيل شموط يؤرخ أكثر للجانب الثوري والمعاناة الفلسطينية اليومية بحس سياسي، في حين تبتعد تمام الأكحل شموط قليلا في اتجاه التأريخ لذاكرة الأمكنة ورموز التراث الفلسطيني، فتنحاز الى مدينتها يافا وساحلها وبرتقالها، حتى أنها تنشر ألوان البرتقال اليافاوي على الصخور والجبال والأمكنة برمزية واضحة. كل لوحة في المعرض مهمتها أن تروي سيرة من سير فلسطين، حتى تحوّل العمل الفني هنا الى نوع من السرد الأدبي الذي ترتفع حرارته أحيانا وتتصعد أدواته فيتحول الى ما يشبه العمل الملحمي. تتصعد، بالفعل، اللغة اللونية في اللوحات وكذلك اللغة التعبيرية، حتى لكأننا نشعر أحيانا بأننا أمام مشهد سينمائي، وأمام شاشة تنقل مشهد ساحات المعارك، وساحات التشرد، ولحظات الاقتلاع، وأمام لغة توثيقية، تهدف الى تنشيط الذاكرة وتحريض المشاهد والتأثير فيه. على أن اللوحة هنا عمل نضالي وذات مهمة سياسية، بل هي اضافة وعي، كما يبدو من خلال تدعيم اللوحة المعلقة بتعليق نص مختصر الى جانبها، يوضح حيثيات اللوحة ويقدم معلومات من المفكرة الفلسطينية. لا تحتاج اللوحة الى تحليل واسع، فإذا أردنا أن نكتب نصا عن مضمونها، فلا يختلف اثنان في بنود النص وفي أقسامه، فاللوحة واضحة في معانيها وموضوعاتها، فهي قد لا تكون ذات موضوع واحد، وإنما تحتشد فيها موضوعات متعددة، تجمعها المعاناة، وعلامات الوجوه والزي، ودائما يكون الحزن قاسماً مشتركا، والعيون ساهمة في مصير مجهول، والأيدي ضارعة بالدعاء، او معمّرة بالسلاح، وفلسطين شهيدة مرفوعة على الأيدي. واقعي مباشر يشتغل الفنانان بأسلوب تشخيصي واقعي مباشر، ينحو في اتجاه التعبير حينا، وفي اتجاه الترميز حينا آخر، من دون أن يغرق في الفوتوغرافية، ومن دون ان يتجنب مساحات التجريد تعسفا. بل يسعى اسماعيل أكثر من تمام الى وضع ضربات تجريدية، تساهم في إشعال الحركة في المساحة اللونية، وعموما على الوجوه، مثلما يسعى الى تكثيف حركة التداخل بين الضوء والظل في الوجوه والأشكال عموما، مما يساهم في تقديم لوحة مشغولة بتدقيق تقني وعناية فنية، تُبرز قدرات الفنان ومهاراته العالية، وتجعله، بالتالي، ناجحا في تقديم موتيفات جميلة ومربعات لونية ممتعة، تضيع في طموحه الدائم الى العمل الملحمي، وانخراط التفاصيل الوجدانية الذاتية في المهمة السياسية الضاغطة. في كاتالوغ المعرض، رأينا كيف أن الفنانين يقتطعان، بالصورة، بعض الموتيفات من اللوحات فتبدو قوتها التفصيلية التعبيرية وتظهر تلك الفتنة التي تضيع في همروجة الخطاب السياسي الذي يصر عليه الفنانان، والذي يدعمه ذلك الهاجس الدائم الذي يقودهما الى لوحة جدارية أكثر سلطة وسعة وتأثيرا وقدرة على استيعاب الملحمية الطاغية. صحيح أن العامة يُفتنون بمثل هذه اللوحات، ويشهقون لدى رؤيتها، إلا أن على الفنان أن يقود الناس الى متعة أكثر رقيا وغنى، وربما صعوبة أحيانا ومشاركة. ما الفائدة من أن يقدم لنا الفنان التشكيلي لوحة قد نشاهد ما يشبهها في التلفزيون بحرارة تصوير الكاميرا ودهائها وألعاب المختبرات التلفزيونية؟ هذا السؤال لا ينتقص من قدرات الزوجين شموط، ولا من قيمتهما الفنية، ولا من مستواهما الريادي في الحركة التشكيلية الفلسطينية، إنما هو كلام خلافي على كيفية خدمة القضية الفلسطينية فناً، او خدمة الفن الفلسطيني، او خدمة الفن الانساني، واحترام ذات الفنان ووجدانه ووجوده الى جانب القضية، إذ إن الخطابات المباشرة لا تدوم عموما، وهي تؤدي غرضا تحريضيا آنيا، في الوقت الذي نحن فيه في حاجة الى أن يكون الخطاب الثوري المنتفض بعيدا عن إثارة الغرائز، وقريبا من التغلغل الهادئ المؤثر الذي يدوم ويؤسس لمستقبل نطمح إليه. ليستعجل السياسيون ويتعاملوا مع القضية على أنها يجب أن تُحل غدا، في حين أن الفن او الابداع يتحرك في مدى أوسع وأكثر تركيزا، وأكثر مخاطبة للحس منه للوعي المباشر، وهو تربية لا دعوة مباشرة الى الثورة.