آن الأوان، بعد ثلاث سنوات على الانتفاضة الفلسطينية كي يشرع التفكير النقدي في تقويم المحصلة السياسية لهذا الجهد البشري والعسكري المتضافر. والسؤال البدهي الذي ما انفك يحوم في سماء المحاججة هو: هل تقدمنا خلال هذه السنوات الثلاث عما كنا عليه قبل ذلك أم تراجعنا؟ هل نحن في سبيلنا الى حصاد نتائج التضحيات الهائلة وجني المكاسب السياسية، أم أننا في طريقنا الى تبديد هذه التضحيات الجبارة كلها؟ هل أسهمت الحيوية التي أطلقتها الانتفاضة الفلسطينية في تقدم المجتمع الفلسطيني أم أن هذا المجتمع بات مثله مثل المجتمعات العربية الأخرى راكدا وراقدا جراء صعود أفكار اليمين السلفي والأصولي؟ لم يتقدم أحد، بحسب علمي، لمناقشة الأسئلة الكثيرة والمثيرة التي أطلقتها الانتفاضة منذ اندلاعها في 28/9/2000 حتى الآن. وجلّ ما أمكن رصده في معمعان هذه السجالات كان يدور، في معظمه، على أسئلة محدودة مع أنها مهمة حقاً مثل: ما جدوى السلاح في الانتفاضة؟ هل قدمت العمليات الانتحارية مردودا سياسيا عاليا أم أفقدتنا أرصدتنا السابقة؟ ما الموقف الأخلاقي من العمليات التي تطال المدنيين الإسرائيليين؟ هل تستطيع الانتفاضة دحر الاحتلال الإسرائيلي أم أن هذا الشأن الخطير يحتاج عُدة سياسية وبشرية وعسكرية مختلفة؟ غير أن ثمة أسئلة لجوجة ما برحت تتردد في الغرف المغلقة ولم تخرج الى رحابة النقاش المكشوف حتى الآن، وما زالت الأجوبة عنها مراوغة وغير جسورة. أما الأسئلة فهي: لماذا انحسرت أفكار التقدم والنهضة والمعاصرة والعلمانية والعدالة الاجتماعية في فلسطين بينما تقدمت الأفكار السلفية والأصولية؟ لماذا يكاد اليسار الفلسطيني يندثر بعدما كان حاضرا، بقوة، في الحركة الوطنية المعاصرة؟ هل »يتفسخ« المجتمع الفلسطيني في الشتات وتحت الاحتلال جراء انهيار مشروع التحرر الوطني أم يزداد ترابطا والتحاما؟ لماذا عادت، وبقوة، مظاهر الانقسام الأهلي مثل إعلاء شأن العائلة والعشيرة والمنطقة والطائفة فضلا عن شيوع العياء الاجتماعي لدى النخب الثقافية والسياسية كالوجاهة والمفاخرة وبروز مسلك السمسرة وجمع الثروات في أقصر زمن؟ وأخيراً، لماذا لم تسهم الانتفاضة في تعطيل هذه العناصر الشوهاء الموجودة في أي حال في المجتمعات العربية كلها بما في ذلك المجتمع الفلسطيني بالتأكيد؟ الأجنحة المتكسّرة إن واحدة من علامات الاضطراب في الحياة السياسية الفلسطينية هي، على الأرجح، غياب اليسار. ومع أن هذا الأمر حالة كاسحة في المنطقة العربية، وحتى في إسرائيل أيضا، إلا أنه في فلسطين أدى الى إمالة ميزان الحركة الوطنية، بالضرورة، نحو اليمين. وهذا الغياب ترك خللا كبيرا في الحياة السياسية في فلسطين، وكانت له آثار وخيمة في الفكر السياسي وفي السياسة معا، فاحتسبت القدرة على ابتداع أفكار معاصرة وعلى صوغ مفهومات مستقبلية، وراح الخطاب السياسي ينحدر، بالتدريج، ليصبح مجرد بيانات تعبوية شعبوية لا يصلح، في النهاية، إلا لمخاطبة ذوي المعارف البسيطة من مدمني شاشات التلفزيون أو من رواد المساجد الذين تقتصر ثقافتهم على خطب الشيوخ فقط. إن الحركة الوطنية الفلسطينية الآن عبارة عن جسد ثقيل لطائر يمتلك جناحا أيمن قويا، بينما جناحه الأيسر ضعيف أو منهك أو متهتك الريش. وفي هذه الحال من الصعب أن يتمكّن هذا الجسد من الإقلاع. فالجسد هو التيار الوطني الفلسطيني العريض الذي تمثله حركة فتح أفضل تمثيل، وهو التعبير الأمثل عن الوطنية الفلسطينية التي نشأت بعد هزيمة 1948 فصاعداً. وهذا التيار، بنخبته القيادية، متمرس في السياسة ويفهم موازين القوى جيدا، وما هو الممكن في كل مرحلة وما هو المستحيل، وما هي الدروب التي تفضي الى الانتحار وما هي السبل التي ربما تؤدي الى تحقيق الانتصار. وفضلا عن ذلك، فإن لهذا التيار مشروعا سياسيا واضحا هو التفاوض ثم التفاوض، والقتال في الوقت نفسه بجرعات محسوبة من العمل العسكري. أما الجناح اليميني فهو تيار شعبوي بلا مشروع سياسي، وجل ما يعرضه من السياسة مجرد مواقف وأهداف وغايات تبدو شديدة الإغراء للجمهور الذي لا ثقافة سياسية جدية لديه. فإذا كان التيار الرئيسي في الحركة الوطنية الفلسطيني يسعى، بالخطأ والصواب، الى تحويل التضحيات الكبيرة الى أوراق سياسية رابحة في عملية التفاوض التي هي شكل حاسم من أشكال الصراع، فإن التيار الثاني، بسبب غياب التفكير السياسي لديه وغياب المشروع السياسي والبرنامج السياسي معاً، يبدد، في بعض الحالات، هذه التضحيات ويحوّلها هباء. حيال هذا الواقع تكتسب محاولة إعادة الاعتبار لليسار أهمية قصوى؛ لا لإعادة إنتاج المفهومات القديمة والميتة، بل لإحياء مفهوم مختلف للسياسة العقلانية وللمعارضة النقدية. ويضم إليه فئات جديدة من القوى الفاعلة في المجتمع التي بدأت تنبثق الآن في ثناياه كالمثقفين النقديين العلمانيين وهيئات المجتمع المدني ولا سيما جمعيات الدفاع عن البيئة وحقوق الإنسان والمرأة ولجان الدفاع عن القانون ورصد الفساد والدعوة الى الشفافية في الإدارة والسياسة... إلخ. الملجأ الأيديولوجي بين ظهور الميثاق الأول للحركة الوطنية الفلسطينية في سنة 1919 وبداية الحرب المباشرة التي شنتها قوات الهاغاناه على المجتمع الفلسطيني في سنة 1947، كان لليسار الفلسطيني حضور لافت في الحياة السياسية الفلسطينية. لكن، بين نكبتي 1948 و1967 انحسر هذا اليسار كثيرا وراح يفقد حضوره بالتدريج، وتخلّف عن المساهمة في انبعاث الحركة الوطنية الجديدة التي دشّنت مشروعها الجديد بتأسيس حركة فتح في سنة 1959 وإعلان الكفاح المسلح في 1/1/1965. وكان من أسباب انحسار اليسار، وعزلة اليسار الشيوعي على الخصوص، الموقف من قرار التقسيم في 29/11/1947 أولا، ثم انحلال عقد الشيوعيين وتناثرهم هنا وهناك بعد نكبة 1948. مهما يكن الأمر، فإن اليسار الفلسطيني عاد ليظهر بقوة بعد هزيمة 1967. والمفارقة أن هذا التحول جرى من غير أن يكون للشيوعيين الفلسطينيين أي تأثير في ذلك، بل انبثق في داخل المنظمات القومية نفسها، وبالتحديد في صفوف حركة القوميين العرب، نتيجة للهزة العميقة التي أحدثتها هزيمة 1967 في الفكر القومي. وفي أي حال تبنّى القوميون العرب ماركسية جديدة ومختلفة عن الماركسية التي كانت سائدة لدى الشيوعيين. لكن هذا اليسار لم يظهر نتيجة لخبرة متراكمة في ميدان النضال الاجتماعي، أو لوعي فكري ماركسي مطابق لهذه الخبرة، بل نتيجة لصعود الماركسية الثورية على الصعيد العالمي، ولمعان صورتها على أيدي الفيتكونغ وهوشي منه في فييتنام، والثورة الثقافية وماو تسي تونغ في الصين، والثورة الكوبية وكاسترو وغيفارا في كوبا وبوليفيا، والتوباماروس ومارغويلا في أميركا اللاتينية، واليسار الجديد في أوروبا وغير ذلك من الأمثلة. وكان لبعض اليساريين العرب شأن كبير في إثارة الجدال الماركسي في صفوف المنظمات الفلسطينية المقاتلة أمثال محسن إبراهيم في لبنان، وصادق جلال العظم وياسين الحافظ من سوريا، والعفيف الأخضر من تونس، وقيس السامرائي من العراق. لكن الماركسية في صفوف المقاومة ظلت حالة خارجية ومجرد ملجأ أيديولوجي بعد أن تخلخلت ركائز الفكر الناصري والقومي بهزيمة 1967، مثلما صار الإسلام ملجأ أيديولوجيا للحركات التي أمست عارية بانهيار حركات التحرر الوطني. على أن أحد أسباب هشاشة اليسار العربي اليوم هو صعود العسكر الى السلطة في معظم الدول العربية الجمهورية، والتحاق اليسار، بمقدار أو بآخر، بهذه النظم العسكرية الجديدة التي اختطفت من اليسار شعارات العدالة الاجتماعية والاشتراكية والتحرر الوطني وأضافت إليها لواء القومية العربية. فما إن تهتكت هذه النظم جراء فشلها المريع في الحرب وفي السياسة وفي التنمية، فضلا عن عسفها وجبروتها، حتى كان اليسار أول من يدفع ثمن هذه الكوارث. اليسار الفلسطيني الحديث بدأت الماركسية تتغلغل في وعي الجيل الفلسطيني الجديد الذي ولد في النكبة ثم ظهر على مسرح الأحداث مع ظهور »العاصفة« ليدشن بداية عصر الفدائيين في المنطقة العربية. وظهر التحول الى الماركسية، أول ما ظهر، في صفوف حركة القوميين العرب؛ فتصدّى التيار اليساري في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين بقيادة نايف حواتمة للتعبير عن هذا التحوّل في آب 1968 وقاده ذلك الى اعتناق »فكر الطبقة العاملة« صراحة، والى الانشقاق على الجبهة الشعبية في 22/2/1969. ووقف هذا التيار، منذ البداية، موقفا نقديا من الاتحاد السوفياتي، وأطلق مناخا منعشا من السجال السياسي والفكري أخصب الثقافة العربية بلا ريب، وكان دافعا للجبهة الشعبية كي تخطو فوق خطوه وتتبنّى الماركسية أيضا. والتحق بهذا التيار ماركسيون من مشارب شتى ومجموعات ماركسية متفرقة مثل »المنظمة الشعبية لتحرير فلسطين« و»عصبة اليسار الثوري الفلسطيني«. وسرعان ما سرى تيار الماركسية في جسد الثورة الفلسطينية كما تجري الكهرباء في الأسلاك النحاسية، لتصل حتى الى القوميين التقليديين والى ذوي النزعة الوطنية البسيطة من الذين نشأوا على الصلاة والصوم وارتياد مساجد الأحياء، لكنهم وجدوا أنفسهم كأيتام بابل تتقاذف أدمغتهم السجالات التي لا تنتهي عن الثورة والطبقة والحزب والحرب الشعبية والجماهير والبروليتاريا... إلخ، فاختاروا الماركسية كما اختار الملك الجنون في قصة الملك والنهر والمجانين؛ فإذا لم يشرب الملك الماء ليصبح مثل رعيته لفظته الرعية. وهكذا التزمت »الصاعقة« الاشتراكية العلمية في عهد نور الدين الأتاسي وصلاح جديد؛ واقتربت الجبهة الشعبية القيادة العامة من »فكر الطبقة العاملة«؛ وتألفت في فتح مجموعات ماركسية متباينة كان من رجالها البارزين ماجد أبو شرار ومرعي عبد الرحمن والياس شوفاني وحنا ميخائيل وناجي علوش ومنير شفيق؛ وظهرت الى الوجود في 3/3/1970 »قوات الأنصار« وهي تكوين فدائي للأحزاب الشيوعية في لبنان وسوريا والأردن والعراق؛ وجرت في سنة 1973 محاولة غير ناجحة لتأسيس حزب شيوعي فلسطيني على أيدي زياد كيالي وأحمد أبو شاور وعطية مقداد وعبد الرحمن عوض الله؛ وفي سنة 1974 سمع العالم العربي اسم »المنظمة الشيوعية العربية« التي مارست عمليات النسف والتفجير في دمشق وبيروت وصيدا؛ وفي كانون الأول 1977 أُسس »حزب العمال الشيوعي الفلسطيني« وأصدر في 22/1/1978 نشرة »طريق الانتصار« وكان له شأن بارز في السجال الفكري الفلسطيني لكنه لم يلبث أن اندثر؛ وفي 10/2/1982 أُعلن عن تأسيس الحزب الشيوعي الفلسطيني الذي انضم الى منظمة التحرير الفلسطينية في الدورة الثامنة عشرة للمجلس الوطني الفلسطيني في الجزائر سنة 1987. وهذا الحزب غيّر اسمه لاحقا الى »حزب الشعب«، بعدما كانت مجموعة صغيرة انشقت عليه بقيادة عربي عواد وتيسير شقير وعبد الله النمر واتخذت لنفسها اسم »الحزب الشيوعي الفلسطيني الثوري«. كي لا يكون النفخ في قربة مثقوبة لم يندثر اليسار الفلسطيني تماما لكنه أخلى مكانه حائرا ومنهوكا ومهيض الجناح. ولا يتحمل اليسار مسؤولية هذا الأمر وحده؛ فثمة ما هو أبعد مما يبدو في الظاهر. لنلاحظ كيف أن اليسار الفلسطيني تضعضع في الحقبة نفسها التي تضعضع فيها »اليسار« الإسرائيلي أيضا، وكيف أن صعود اليمين الصهيوني الى مركز القرار في إسرائيل تزامن، بدوره، مع انبعاث اليمين الديني في العالم العربي بما في ذلك فلسطين. والحقيقة أن اليسار الفلسطيني الذي كان مناوئاً ونقدياً بدأ يفقد هذا الامتياز منذ ما بعد حرب تشرين الأول 1973. فلم يلبث أن التحق بتيار الوسط منذ إقرار برنامج النقاط العشر في سنة 1974، ومنذ ذلك الحين وهو لا يمتاز عنه إلا ببعض المواقف المعترضة؛ فكأنه حفر بنفسه حفرة نعشه. حتى »جبهة الرفض« التي نشأت في الأساس للاعتراض على برنامج النقاط العشر دُفنت في سنة 1979 من غير الإعلان عن موتها بعدما اتكأت في معارضتها منظمة التحرير الفلسطينية على نظام عسكري هو نظام صدام حسين وأحمد حسن البكر. مهما يكن الأمر، فإن اليسار الفلسطيني الذي شُغل كثيرا بقضايا التحرر الوطني والتضامن مع الشعوب المضطهدة ركز اهتمامه على »أفكار الطبقة العاملة« من غير أن يكون هناك في الواقع طبقة عاملة فلسطينية، وبالتحديد في الشتات؛ فالفلسطينيون في المنافي كانوا عمالا أو يد عاملة في هيكل الإنتاج السوري أو اللبناني، ولم يتحولوا قط الى طبقة لانعدام الإقليم ونمط الإنتاج المطابق له. ولعل نقطة ضعف هذا اليسار إهماله موضوع الديموقراطية وحقوق الإنسان والحريات، وعدم الالتفات الى العلمانية على سبيل المثال. وحتى لا يضيع هباء الإرث الباهر للحركة الوطنية الفلسطينية منذ موسى كاظم الحسيني حتى ياسر عرفات، فإن اليسار بمعناه المتجدد هو ضرورة تاريخية وحيوية ولا غنى عنه لإقلاع الكفاح الوطني الفلسطيني الديموقراطي والعَلماني معاً.