العنوان استعرناه من أحد كتب الأستاذ محمد حسنين هيكل، ولم نجد أصدق منه في التعبير عن الدور الذي أداه الرجل في خدمة الكتابة التاريخية. فهو لم يتعامل مع هذا النوع من الكتابة بمنطق الصحافي الذي يأخذ قضايا التاريخ من »شواشيها« وبشكل يغلب عليه طابع الريبورتاج أكثر من الدراسة الجادة، ثم إنه من جانب آخر لم يتعامل مع تلك القضايا بالمنطلق التقليدي الذي يغلب على كتابات »المؤرخين الأكاديميين« والذي يصطبغ بدرجة كبيرة من الجفاف، الأمر الذي لا يوفر لقارئ هذا النوع من الكتابة المتعة التي توفرها كتابات الأستاذ هيكل.. ومن ثم انطبق على تلك الكتابات وصفه ووصفنا بأنها »زيارة جديدة للتاريخ«! وبادئ ذي بدء، الأستاذ هيكل ينكر، بل ويلح في الإنكار، أنه مؤرخ او على الأقل »مشتغل بالكتابة التاريخية« ويتواضع فيذكر أنه ليس أكثر من قارئ للتاريخ، الأمر الذي أدى الى انقسام الرأي حول دوره التاريخي، وجعل هذا الدور محل أخذ ورد بين الكثيرين.. او بالأحرى جعلها »قضية خلافية«. ففي ما جاء في مقدمة كتابه »سنوات الغليان« الجزء الأول: »أبعد الأشياء عن مقاصدي أن أجعل من هذا الكتاب محاولة »لكتابة التاريخ« والحقيقة أنه محاولة ل»قراءته« وهذا معنى كررته كثيرا في وصف ما أكتبه، وما زلت متمسكا به. »وليس من باب التواضع أن أقول إن »كتابة التاريخ« ليست صناعتي ولا أنا مدّعيها، وليس من التفاخر أن أقول إن »قراءة التاريخ« حقي لأنها حق كل مهتم بالشؤون العامة. »ولعلي لا أتزيد إذا قلت ان »قراءة التاريخ« كانت أصعب بالنسبة لي لأنني عشت وقائعه، وكان عليّ لكي أقرأ بأمانة أن أخضع للاختبار كثيرا مما كنت أظن أنني أعلمه، وأن أطرح للمراجعة كثيرا مما كنت أتوهم أنني أفهمه. »لقد اتخذت ما كنت أتصوره لدي من علم، او فهم، كمجرد دليل يقودني الى مواقع البحث والتفتيش حتى تكون قراءتي للتاريخ مستوفية ومتوازنة، ولقد وجدت في بعض الأحيان ما أريده حيث قدرت أن أجده، وفي أحيان أخرى اكتشف أن اتجاهي يحتاج الى إعادة تصحيح وإعادة ضبط«. وفي ما جاء في مقدمة كتاب »سقوط نظام«: »وكان في خطة عملي منذ أكثر من سنة أن أعود الى يوم 23 يوليو 1952، قارئا للتاريخ مرة أخرى، وليس كاتبا له، فتلك كما أشرت مرات، مهمة أتركها لغيري ممن هم أقرب اختصاصا او أبعد جرأة وربما أوسع خيالا«. وفي ما جاء أخيرا في مقدمة الكتاب الاول ل»المفاوضات السرية بين العرب وإسرائيل« تحت عنوان »التاريخ يسافر الى المستقبل« أن »هذه محاولة لقراءة التاريخ وليس لكتابته، وهي رحلة سريعة من روايات ووقائع وأحداث ورجال فترة تزيد على قرن من الزمان، ثم هي نظرة بعرض الأفق، تعلمت واستفادت من مصادر ومراجع وسجلات لها فضل السبق. ومن الحق التنبيه الى أن رحلة التاريخ، مثل أي رحلة غيرها، تبدأ من موقف معين وتمشي منه نحو تصور مفترض يصح او يختلف. وتلك هي طبيعة أي مغامرة في طلب المعرفة«. * * * على الجانب الآخر هناك الكثير ممن لا يوافقون الأستاذ هيكل على ما ذهب إليه من كونه مجرد قارئ للتاريخ، ويرون أنه يقول ذلك إما من قبيل التواضع او من فرط الحساسية من أن يتصور المؤرخون الأكاديميون أنه يقتحم عليهم عالمهم. نتفق مع أصحاب هذا الرأي ونستدل على ذلك بمجموعة من الدلالات والشهادات. * ففي مجال الدراسات الاكاديمية في التاريخ الحديث سواء كان على شكل رسائل ماجستير او دكتوراه، او دراسات جامعية يعدها أساتذة الجامعات تتعامل مع موضوع أزمة الشرق الأوسط او الصراع العربي الاسرائيلي، أصبح لزاما على أصحابه الرجوع الى العمل الموسوعي، هذا من ناحية والتوثيقي من ناحية أخرى، الذي قدمه الرجل في كتبه الأربعة عن حرب الثلاثين عاما (1955 1985) والذي سنعرض له في ما بعد. * أما من الشهادات فلدينا ما كتبه الكاتب الكبير الأستاذ أحمد بهاء الدين تعليقا على الجزء الأول من هذا العمل، فقد وصفه بقوله: »أهم كتاب في فن وعلم التاريخ قرأته في اللغات العربية والاجنبية منذ سنوات طويلة إنه الكتاب الذي يلغي سائر الكتب، أي يلغي كل ما كتب قبله عن هذا الموضوع فالمؤلف توافرت له مجموعة عوامل هامة: أنه شخصيا كان في قلب تلك الأحداث وأنه يمتلك مجموعة من الوثائق الأصلية لهذه المرحلة، وأنه مد جهده واطلاعه الى كل ما نشر من مؤلفات وكل من على قيد الحياة من شخصيات، وكل ما يوجد من وثائق بريطانية وأميركية بما فيها مصادر لم يسبقه إليها أحد كالأوراق الخاصة ببعض الرؤساء الاميركيين في مكتباتهم التذكارية.. فهو قد استخدم كمية لا مثيل لها من الوثائق الثابتة على هذا الحدث، فالكتاب الأكثر من تسعمئة صفحة فيه ثلاثمئة صفحة من الوثائق الكاملة مما لا أعرف لها نظيرا. الأمر الثاني: أنه لم يقف عند الحدود التقليدية التي وقفت عندها كل المؤلفات عن »حرب السويس« ولكنه وسع دائرة العدسة بحيث شملت كل جذور الصراعات الدولية والاقليمية التي ما كانت »حرب السويس« إلا نقطة انفجارها المدوي بعد تفاعلات عميقة وكثيفة وبالغة التعقيد، فالكتاب ليس عن حرب السويس ولكنه بدرجة كبيرة، عن تاريخ المنطقة وتاريخ الصراع الدولي في تلك الحقبة من الزمن التي تغيرت فيها موازين قوى العالم كله، غروب قوى وشروق غيرها وصعود غيرها، وخريطة المصالح الكبرى الجديدة التي لعبت الدور الأول في أقدار المنطقة منذ سنة 1952. الامر الثالث: ان محمد حسنين هيكل، وقد حشد كل ما سبق، وكانت لديه ثقافة قارئ التاريخ ودراسته، وجاذبية الكاتب الصحافي في العرض، فرسم هذا الكم الهائل من المعلومات والتحليلات، ورد الأحداث الى أصولها والوقائع إلى أسبابها، رسمه في نسيج جميل أخاذ، كنسيج القطعة النادرة من السجاد العجمي السنتيمتر الواحد منه يساوي مئة عقدة، ولكنها تبدو للعين صورة متكاملة خلابة«. ولا نظن أن كثيرين يمكن ان يجادلوا في قيمة ما كان يكتب الأستاذ أحمد بهاء الدين فقد كان الرجل موضوعيا الى أبعد الحدود. * الشهادة الأخرى عن نفس العمل، فقد تلقى الأستاذ هيكل كتابا من المؤرخ البريطاني السير هنري رانسيمان أستاذ كرسي التاريخ في جامعة كمبردج جاء فيه قوله »هناك قول شائع لعلك تذكره، وهو يقول ان »التاريخ له آذان، ولكن ليس له عيون«، بمعنى أننا نسمع روايات عما جرى من وقائع منقولة لنا بالسماع والتواتر عن هذا او ذاك من الناس، ومعظمها مكتوب بأثر رجعي يخلط الوهم بالحقيقة الى درجة تتركنا مع نوع من الفولكلور الأسطوري يعذبنا كثيرا فرزه.. ولقد كان ما أثار اهتمامي في تجربتك هو أن التاريخ عندك له آذان، وله أيضا عيون، وهذه تجربة أتمنى لو ناقشتها معك إذا خطر لك يوما أن تعود الى أكسفورد«. * * * على أي الأحوال فإنه من خلال قراءة جادة لسبر غور طبيعة كتابات الأستاذ هيكل، ودون أي قدر من المجاملة او الأخذ بالطابع الاحتفائي، فإنه في ما يتصل بعلاقة كتابات الرجل بالتاريخ يمكن تقسيمه الى ثلاث مراحل: هيكل صحافياً وهي المرحلة التي غلبت عليها الصحافة سواء قبل أن يكون رئيسا لتحرير الأهرام (1954 1957) او بعدها. الملاحظ أنه خلال تلك المرحلة كان صحافيا لديه حس تاريخي، وهو الأمر الذي يتوافر في عدد من الصحافيين المثقفين، يأتي في طليعتهم الصحافي الراحل الكبير الأستاذ أحمد بهاء الدين، الأمر الذي بدأ في مقاله الاسبوعي »بصراحة« الذي واظب على كتابته بشكل شبه منتظم في فترة رئاسته لتحرير »الأهرام« وأكسبه شهرة واسعة. والرجل منذ أن كان مخبرا صحافيا قد عكف على وضع تحقيقاته بين دفتي كتاب، لعل أشهرها جملة التحقيقات التي وضعها عن إيران عام 1950 حين احتدم الصراع بين الحركة الوطنية يمثلها محمد مصدق وبين محاولات الهيمنة الاستعمارية التي اتخذت من الشاه محمد رضا بهلوي حصان طروادة الذي اختفت بداخله.. الكتاب اسمه »إيران فوق بركان« وله قصة لا يفتأ الأستاذ هيكل يرددها وهي أنه في أول معرفته بجمال عبد الناصر قبل الثورة طلب منه نسخة من هذا الكتاب لأنه لا يستطيع دفع ثمنه (10 قروش)!. وكان من الطبيعي أن تكتسب كتابات الأستاذ محمد حسنين هيكل سمعة كبيرة بعد أن تولى المسؤولية عن »الأهرام« وأصبح أقرب المقربين للرئيس جمال عبد الناصر، الامر الذي فتح له منافذ المعرفة من أوسع أبوابها. غير أننا نلاحظ أن نشاطه في التأليف قد زاد كثيرا بعد وفاة عبد الناصر ثم تضاعف بعد خروجه من »الأهرام«، ونظن أن انصرافه عن العمل الاداري، مثل إدارة مؤسسة كبيرة كالأهرام، هذا من ناحية، وابتعاده عن دائرة العمل السياسي بعد اختلافه مع الرئيس أنور السادات، من ناحية أخرى، قد ساعده على التفرغ لإصدار المؤلفات التي اكتسبت شهرة واسعة، وكان أكثرها ما كتبه في البداية نابعا من مشاهداته وتجاربه قبل أن يترك العمل في »الأهرام«. * * * بين الصحافة والتاريخ: ومن أهم مؤلفاته التي رصد فيها تلك المشاهد والتجارب: * عبد الناصر والعالم: كان من أول المؤلفات التي استرعت الانتباه، والملاحظ أنه في هذا العمل كان أقرب الى شاهد للتاريخ منه الى المؤرخ، وقد اعتمد فيه على معرفته بأسرار علاقة الرئيس الراحل بزعماء العالم في عصره. ويعترف الأستاذ هيكل بأنه لم يكن في هذا العمل أكثر من شاهد على التاريخ، وهذا حق، وللمعنيين بالكتابة التاريخية فإن هذا النوع من الكتابة قد يكون لازما للتعرف على كثير من الجوانب التي قد تعجز الوثائق التاريخية الجامدة أن تتطرق إليها، ونقصد بها الجوانب الانسانية التي تضفي على الكتابات التاريخية لمستها السحرية. بيد أننا نلاحظ في هذا العمل مولد فكرة المؤرخ في ذهن الصحافي الكبير الأمر الذي عبّر عنه في مقدمة الكتاب بقوله »إني لا أريد كتابة قصة جمال عبد الناصر كاملة.. ليس الآن. ولا أريد كتابة قصة الصراع على الشرق الأوسط.. ليس الآن، ولا أريد كتابة قصة أزمة الشرق الأوسط.. ليس الآن«. بمعنى آخر أنه يرجئ كل ذلك لوقت لاحق. ونرى أن كتابة تاريخ المنطقة وتاريخ عبد الناصر ظلت من الأفكار التي تلح على ذهن الأستاذ هيكل، ولكن تقضي طبائع الأمور ألا يحدث الانتقال فجائيا بين الصحافة والسياسة اللذين ظلا شغله الشاغل منذ أن احترف الكتابة في صدر شبابه الى أن خرج منها مكرها او مختارا عام 1974، ومن ثم يمكن القول إنه خلال العقد الذي تلى هذا الخروج كانت تتنازع الرجل فكرتان: إما أن يبقى على حرفته الأصلية وإما أن يحترف الكتابة التاريخية التي ظل حريصا طوال الوقت على أن يقترب منها بحذر. بدا هذا النزاع في أكثر من عمل من الأعمال التي أصدرها، وكان أظهرها عمله »بين الصحافة والسياسة« الذي أراد من ورائه أن يفند المقولة التي روّج لها خصومه السياسيون بأنه قد استأثر بالكتابة نتيجة لقربه الشديد من عبد الناصر، وهو قد استدل على ذلك بقائمة لأهم الكتاب الذين برزوا على صفحات »الأهرام« خلال فترة رئاسته لها، وبين الكتابة في الشأن التاريخي. من هذه الأعمال السياسية أيضا كتاب »حرب الخليج أوهام القوة والنصر« الصادر عام 1992، والذي تناول قضية غزو العراق للكويت أو ما عرف باسم حرب الخليج الثانية، فلم يكن أمام الرجل سوى أن يخرج من صومعة هيرودوت والعودة الى هوايته الأساسية بالكتابة في السياسة، وهو ما اعترف به في قوله الذي جاء في المقدمة عندما اعترف بأنه يتعامل مع حدث سياسي وإن كان يصعب فهمه ما لم يوضع داخل إطاره »وأرضية السياسة في ظني هي الجغرافيا، وخلفيتها في ما أتصور هي التاريخ، وهكذا توضع الأحداث في زمانها ومكانها«. تبع ذلك الكتابات التي وإن تناولت الأمور الصحافية والسياسية غير أنها على الجانب الآخر كشفت عن »المؤرخ الكامن« في وجدان الرجل، وهو التنازع الذي تكشف عنه أعمال عديدة نختار منها ثلاثة على الأقل: »زيارة جديدة للتاريخ«: وقد حاول أن يفسر في مقدمته سر هذا الاسم وتوقف عند »التاريخ« بقوله إنه طاف حول الشخصيات التي تناولها في الكتاب من قبل واستطرد: »وإذا كان لي أن أضيف شيئا فهو التأكيد على أن التاريخ ليس علم الماضي وحده، وإنما هو عن طريق استقراء قوانينه علم الحاضر والمستقبل أيضا أي إنه علم ما كان وما هو كائن وما سوف يكون«. ولا يصدر هذا القول إلا عن فاهم للدراسات التاريخية والأكاديمية، الأمر الذي كان يكشف عن نوايا خبيئة عند الأستاذ، ألا يقتصر على دوره »كشاهد على التاريخ« وإنما يمتد الى دوره كمؤرخ مهما ادعى أنه ليس سوى قارئ له. »عند مفترق الطرق حرب أكتوبر ماذا حدث فيها وماذا حدث بعدها«: ويذكر في أكثر من موقع من المقدمة أن عينه كانت على التاريخ فيما جاء في قوله مرة »لقد كنت مشدودا الى ما يجري على الساحة حين كانت المنطقة »مسرحا للتاريخ«، وحين تحولت المنطقة الى »مسرح للعرائس«، وفي قوله مرة أخرى »إنني لست من الذين يستشهدون بكارل ماركس ويعتبرون أقواله إنجيلا مصدقا، ومع ذلك فإنني من المعجبين بقول مأثور له مؤداه: »إن التاريخ لا يكرر نفسه، وإذا فعل المرة الأولى تكون دراما مؤثرة، أما المرة الثانية فتصبح ملهاة مضحكة«. ومثل هذا الإعجاب إنما يصدر عن فهم أن التاريخ الذي يعني رصد حركة التطور البشري، غير قابل للرجوع الى الوراء لأن البشرية لا ترجع أبدا الى الوراء، أقصى ما يمكن أن يحدث أن تسير حركة شعب من الشعوب على نحو بطيء لا يلاحق شعوبا أخرى أكثر تقدما. وباستثناء هذا الفهم فإن الكتاب يدخل في سياق فترة »هيكل الصحافي »توطئة لفترة« هيكل المؤرخ«. »آفاق الثمانينات«: اخترنا هذا العمل بالذات لأنه يدل على مفهوم عصري لعملية »التأريخ«.. انه ليس علم الماضي فحسب، بل هو قبل أي شيء وبعده علم التنبؤ بالمستقبل، وهو ما كان واعيا له الأستاذ هيكل في ما جاء في مقدمة الكتاب من قول: »لا أظن أننا نختلف على أن التاريخ سياق متصل ليست فيه فراغات ولا فجوات ومن ثم فإننا نستطيع القول متأكدين ان الثمانينات هي استطراد منطقي للسبعينات، ومن ثم فعلينا أن نلتفت الى بعض ظواهر الحقبة التي مضت قبل أن نتطلع إلى احتفالات الحقبة القادمة«. * * * هيكل مؤرخاً في تقديرنا أن هيكل »المؤرخ« قد أفصح عن نفسه في عملين كبيرين. الثلاثية التي لا تقل أهمية في التاريخ في تقديرنا عن ثلاثية نجيب محفوظ في الرواية، والتي صدرت في ثلاثة أقسام وأربعة أجزاء: الأول تحت عنوان »ملفات السويس حرب الثلاثين سنة« الصادر عن مؤسسة الأهرام عام 1986، والثاني في جزءين: أولهما: »سنوات الغليان« (الأهرام 1988) والآخر »الانفجار 1967« الصادر بعد عامين (1990)، والأخير »أكتوبر 73 السلاح والسياسة« الصادر عن الأهرام أيضا عام 1993. وقد أحدث صدور هذه الثلاثية رد فعل قويا في الأوساط الاكاديمية كما سبق القول. العمل الثاني: »سقوط نظام لماذا كانت ثورة يوليو 1952 لازمة«؟ (دار الشروق القاهرة 2003): وهو في تقديرنا من أهم الأعمال التي كتبت عن تاريخ مصر خلال السنوات العشر السابقة على قيام الثورة وعلى وجه التحديد بدءا من حادث 4 فبراير عام 1942 الى 23 يوليو عام 1952، وهو قد صدر أولا على شكل دراسات منفصلة في مجلة »وجهات نظر« الشهرية، ثم تم تجميعها في هذا المجلد، وإن كان مذاقها في الكتاب مختلفا كثيرا عن مذاقها في المجلة. غير أنه يفصل من ناحية التوقيت بين هذه العملين عملان آخران لا يرقيان إلى حجمهما ولا إلى مرتبتهما من الناحية التاريخية. أولهما: »المفاوضات السرية بين العرب وإسرائيل«، وقد صدر في ثلاثة كتب، الأول: »الأسطورة والامبراطورية والدولة اليهودية«، الثاني: »عواصف الحرب والسلام«، والأخير: »أوسلو ما قبلها وما بعدها« (دار الشروق 1996). الثاني: »العروش والجيوش«: وقد صدر في جزءين، الأول تحت عنوان »كذلك انفجر الصراع في فلسطين قراءة في يوميات الحرب« (دار الشروق 1998) والثاني تحت عنوان: »قراءة متصلة في يوميات الحرب في فلسطين«. والقول بأن هذين العملين لا يرقيان من الناحية التاريخية الى مستوى العملين الآخرين صادر عن أنهما لا يوازيان الأولين في درحة التوثيق، هذا فضلا عن أن كثيرا مما جاء فيهما سبقت معالجته في دراسات أكاديمية ولو أن ذلك لا ينفي أن الأستاذ هيكل كان حريصا فيهما على الالتزام بالموضوعية حتى إنه كان لا يشير إلى دوره في الأحداث بضمير المتكلم وإنما كان يشير بالاسم المجرد من أي لقب. ويقينا فإن من العسير وضع هذه الأعمال موضع النقد التاريخي غير أنه يمكن إبداء مجموعة من الملاحظات الأساسية عليها: * انها أعمال من الوزن الثقيل، فالكتاب الأول من الثلاثية تجاوز تسعمئة صفحة، بينما تجاوز الكتاب الثاني بجزءيه ألفي صفحة والأخير اقترب من تسعمئة صفحة أي إن العمل بمجمل أجزائه قارب أربعة آلاف صفحة، بما حولها إلى أسفار. أما الكتاب الثاني »سقوط نظام« فقد زاد على ستمئة صفحة. ولا نعرف في الدراسات التاريخية أعمالا بهذا الحجم سوى بعض الرسائل العلمية، وإن كان الفارق كبيرا بين اعمال تجريبية مثل رسائل الماجستير والدكتوراه التي يعزى سبب تضخمها لعدم قدرة اصحابها على الانتقاء وبين اعمال الاستاذ هيكل التي يصعب على القارئ ان يتجاوز سطرا منها ليس فقط بحكم الجاذبية التي اشتهر بها اسلوبه ولكن ايضا بحكم التماسك بين سائر الافكار التي يضمها العمل، حتى إنه يصعب ان تقفز من صفحة الى صفحة اخرى دون الانتهاء منها، وكتب الاستاذ هيكل بذلك غير قابلة »للتقليب« رغم ضخامتها! بيد أنه على الجانب الآخر قد يعزى بعض هذه الضخامة الى حرص هيكل المؤرخ على ان يوثق كتاباته على نحو غير مألوف، إذ بينما يحشد الاعمال التوثيقية في المتن، فإنه يفرد أقساما كبيرة كملاحق وثائقية بلغت في كتابه الاول من الثلاثية حوالى ثلاثمئة صفحة اي ثلث الكتاب تقريبا، ونحو اربعمئة صفحة في كتابه الثاني بجزءيه، ونحو مئة وخمسين صفحة في الكتاب الثالث. وذلك من الأمور غير المعتادة في الكتابات التاريخية، فالملاحق في العادة تتضمن »عينات« من الوثائق وليس نصوص غالبيتها.. صحيح ان النشر على هذا النحو المكثف يجعل من الكتاب مرجعا وثائقيا فوق كونه مرجعا تاريخيا، غير انها ليست مسؤولية المؤرخ وبالطبع »قارئ التاريخ« كما يحلو للاستاذ هيكل ان يصف نفسه، إذ يكتفي في العادة في تلك الكتابات بالإحالات التي يبقى على الباحثين التفتيش عنها، ولعل الكاتب أراد من وراء ذلك ان يؤكد على تمكنه من المادة التاريخية، وهو ما لا يماري فيه أحد. ندلل على صحة هذه الفكرة كلما مضى هيكل المؤرخ في كتاباته الموثقة فإن القسم الذي كان يخصصه لنصوص الوثائق كان يتقلص تدريجا حتى إنه لم يزد في كتابه الأخير على بضع صفحات في الفصل الذي عنونه باسم »عصر يتهاوى« لم تزد على عشر صفحات، والفصل الأخير تحت عنوان »ساعة سقوط الملكية« فقد آثر ان يترك الوثائق تتحدث في الموضوعات الأخيرة من هذا الفصل »ساعة سقوط الملكية« التي لم تزد على عشرين صفحة إلا قليلا. ÷ الملاحظة الثانية: ان المؤلف لم يستطع التخلص من »هيكل الصحافي« على الأقل في ما يتصل بالعناوين التي اختارها لموضوعات الكتابين، وهي عناوين ذات جاذبية خاصة اكثر منها عناوين ذات دلالة على المضمون. تدليلا على ذلك نختار بشكل عشوائي بعض عناوين موضوعات الكتاب الأخير: 7 رصاصات وحرب، ملك تحت الحصار، الثورة تدق الباب، الساعة تدق منتصف الليل، ليال طوال! ÷ الملاحظة الثالثة: ان صاحب هذه الاعمال لم يتمكن من الاختفاء تماما، في ما يفعله المؤرخون المحترفون فقد كان يظهر بعض الأحيان بين السطور ويظهر في أحيان اخرى عليها، ومن المثير للدهشة ان ذلك قد حدث منذ وقت مبكر، وهو مخبر صحافي صغير في »الاجبشيان غازيت« عندما ذهب مندوبا برلمانيا للصحيفة في مجلس النواب وقت مناقشة الاستجواب الذي كان قدمه مكرم عبيد لحكومة النحاس حول »الكتاب الأسود« عام 1943. ويعجب القارئ ان تظل ذاكرة الاستاذ واعية لحادثة ضمنها في كتاب صدر بعد ستين عاما (2003) غير انه فسر ذلك في بعض كتاباته كما جاء في قوله: »إنني مدين بالفضل في تقليل الاعتماد على الذاكرة لنصيحة اول رئيس تحرير عملت معه، وهو »هارولد اير« رئيس تحرير جريدة »الاجبشيان غازيت« وكان ملخص نصيحته لي ولثلاثة زملاء مصريين قوله: »أنتم سوف تذهبون إلى مهام متواصلة تغطون فيها مسار الحوادث في وطنكم وأوطان غيره.. فلا تحاولوا ان ترسلوا بمواد إخبارية عاجلة لأن وكالات الانباء تسبقكم، أما ما تستطيعون التفوق به فهو التركيز على خلفية الوقائع والحوادث وحركاتها الداخلية.. عليكم تسجيل ذلك وتثبيته أولا بأول حتى تستطيعوا في ما بعد وعندما تكتبون تقاريركم ان تستعيدوه على نحو دقيق وأمين«. وقد لازمته هذه الخاصية حتى إنه روى أمامي انه مجرد ان كانت تبدأ مكالمة بينه وبين الرئيس عبد الناصر على الخط الساخن حتى كان يمسك القلم ليسجل مضمون المكالمة ان لم يكن نصها، الأمر الذي أتاح له كما هائلا من المعلومات استخدمه بعدئذ في كتاباته التاريخية، وهو ما لا يتوافر لسوء الحظ في المظان الرسمية. ÷ الملاحظة الرابعة: ان الاستاذ هيكل نجح في الحصول على المادة العلمية التي قد لا تتاح لباحث عادي مهما بلغ شأنه، ففضلا عن المصادر التقليدية في دار الوثائق البريطانية او في المكتبة الاهلية الفرنسية او مكتبة الكونغرس فقد أطل الرجل على ميادين قلما تتاح لأحد ويمكن القول إنه كان منذ وقت طويل يعد نفسه لهذا الدور. لعل قصته مع الاستاذ حسن يوسف (باشا) وكيل الديوان الملكي السابق (1942 1952) والذي عينه الاستاذ رئيسا لوحدة التاريخ في مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالجريدة العريقة تدل على ذلك.. صحيح ان الرجل قد أدى خدمة للمركز من خلال الوثائق البريطانية التي كان يذهب بين الحين والآخر لاستجلابها من دار الوثائق العامة في لندن والتي استفدت منها شخصيا في كتابي عن »تاريخ الوزارات المصرية 1876 1953« الصادر عن المركز، وفي العمل الكبير الذي أشرف على إعداده استاذنا الدكتور احمد عزت عبد الكريم وصدر عام 1969 تحت عنوان »50 سنة على ثورة 1919« كل هذا صحيح، لكن الصحيح ايضا ان الاستاذ هيكل قد جعل الرجل يدلي بشهادة مسجلة عن فترة وجوده في قصر عابدين، وأنه قد أشار إليها في اكثر من موقع في كتابه الأخير. في نفس السياق فقد أتيح لهيكل المؤرخ ان يطلع على الوثائق المصرية المودعة في رئاسة مجلس الوزراء واستفاد منها استفادة واسعة في كتاب »سقوط عصر«، وهو لسوء الحظ ما لا يتاح بنفس الدرجة للباحثين الأكاديميين. ÷ الملاحظة الخامسة: نجح الاستاذ هيكل في الفصل بصرامة بين الموضوع والذات، وكان مدركا طوال الوقت ان قربه من الأحداث سواء خلال عهد عبد الناصر او قبله او بعده يمكن ان يشكل قيدا على رؤيته الموضوعية، الامر الذي دفعه الى ان يفرد مساحات قليلة لدوره السياسي كلما سار قدما في كتاباته التاريخية على عكس الحال في كتاباته السابقة على الثلاثية وعلى »سقوط نظام« حين كان موجودا في كل صفحة! وكان واعيا طول الوقت بأهمية الالتزام بالموضوعية مما عبر عنه في مقدمة كتاب »ملفات السويس« بقوله »إنني ركزت في مجرى الكتاب كله على خط الصراع ولم أبتعد عنه إلا عندما كان ذلك ضروريا، والتزمت ان يكون ذلك في أضيق الحدود وهكذا فإن الصراع على الشرق الاوسط وفيه هو القصة الاساسية لهذا الكتاب وليس قضية اي شخص او أية قضية، فالكتاب ليس قصة جمال عبد الناصر، ولا قصة ثورة 23 يوليو، ولا حتى قصة تأميم شركة قناة السويس وإنما الكتاب هو قصة الصراع في تلك الحقبة وحتى بلغ ذروته العالية الاولى في حرب سنة 1956«! ÷ الملاحظة السادسة: ميزة اخرى لكتابات هيكل المؤرخ تضعه موضع التميز عن المؤرخين المحترفين ناهيك عن الهواة وهي قدرته على إضفاء »اللمسة الانسانية« على الحدث التاريخي، ونرى ان ماضيه الصحافي قد مكنه من ذلك، وفي كثير من الاحوال يشعر القارئ كأنه داخل الحدث بحكم اهتمام الكتاب بالتفاصيل الإنسانية الصغيرة، ونرى ان هذا الأسلوب كان من اهم اسباب الإقبال على قراءة أعماله التاريخية على عكس اعمال الكثيرين من المحترفين او الهواة الذين انصرفت كتاباتهم للأحداث الكبيرة وجعلوا من قراءة التاريخ عملا يتسم بالمكابدة والمعاناة! ÷ الملاحظة السابعة: لم يخضع الاستاذ هيكل لبعض الصور الرائجة لعدد من الشخصيات التاريخية فقد كان موضوعيا لأقصى حد في التعامل مع شخصية الملك فاروق، فهو لم يمض في الطريق الذي رسمه الكثيرون لهذه الشخصية بعد ان أطاحت به الثورة.. الملك العربيد المستهتر، فقد رسم من خلال الوثائق صورة جديدة لشخصية فاروق حتى إنه خصص موضوعا في الفصل الذي جاء تحت عنوان »الساعة تدق منتصف الليل« في كتاب »سقوط نظام« لهذه القضية وأسماه »فاروق لم يكن عبيطا«. غير أنه على الجانب الآخر قبل برواية فؤاد سراج الدين عن حريق القاهرة وأنه طالب رجال بلوكات النظام في محافظة الاسماعيلية بالقتال لآخر رجل وآخر طلقة، وهي قصة في حاجة للمراجعة في ضوء الشهادة التي قدمها اللواء محمد رفعت الذي كان يقود القوة المحاصرة (وكان يوزباشيا) من أنه بعد ان سمع سراج الدين تقريرا عن الموقف سأل رفعت: وماذا تنوون ان تفعلوه فأجابه الأخير: القتال لآخر طلقة، فكان كل ما قاله وزير الداخلية: على بركة الله! ÷ الملاحظة الثامنة: متصلة بنجاح المؤلف في استخدام أدوات المؤرخين المحترفين من حيث القدرة على »ضبط النص« فقد كان الرجل حريصا طوال الوقت الى حد المبالغة احيانا في تقديم النص باللغة الانكليزية جنبا الى جنب مع الترجمة العربية، ولقد زاد الاستاذ هيكل من النزوع الى الضبط خاصة في كتابه الأخير »سقوط نظام« فلم يكد يخلو موضوع من هذا الكتاب من السعي لضبط عبارة او كلمة صدرت من هنا او هناك خاصة من المصادر الاميركية والبريطانية فكان يأتي بالترجمة العربية ويضع الى جانبها الأصل الانكليزي. ÷ الملاحظة التاسعة والأخيرة: ثم إن الاستاذ نجح في توثيق بعض الوقائع التاريخية التي ظلت لفترة قصيرة لا تزيد على كونها »إشاعات«، منها قضية انهماك وزير الداخلية وقت ان كانت القاهرة تحترق في صفقة وراء عمارة عريضة الواقعة في شارع قصر النيل، ولا ندري من أين أتى بأوراق توثيق هذه الصفقة، ومنها قضية الرشوة التي دفعها احمد عبود باشا (مليون فرنك سويسري بما يساوي وقتها 1952 مليون جنيه مصري) لقصر عابدين للتخلص من حكومة نجيب الهلالي الاولى، والتي فسرت اهم الاسباب وراء تعاقب الوزارات على هذا النحو المثير خلال الشهور الستة المنقضية بين حريق القاهرة في 26 يناير وقيام ثورة يوليو في 23 من ذلك الشهر. رغم كل هذه الملاحظات بإيجابياتها وسلبياتها فلا نجد مندوحة من إدراج اسم الاستاذ محمد حسنين هيكل على رأس قائمة مؤرخي هذا العصر على الرغم مما يمكن ان يؤدي إليه هذا القول من تذمر بعض المحترفين بل وسخطهم، مما نعتقد انه سوف ينصب على رأس كاتب هذه السطور إن عاجلا او آجلا، ولكنها أمانة الكلمة التي لا نملك في نهاية هذه الدراسة القصيرة سوى ترديد العبارة التي كان قد استخدمها في بعض كتاباته عن الزعيم الراحل جمال عبد الناصر من أنه »لمصر وليس لعبد الناصر« وذلك بالقول »للتاريخ وليس لهيكل«!