كانت بداية معرفتي الغيابية بمحمد حسنين هيكل في منتصف الخمسينات عندما تبوأ منصب رئاسة تحرير صحيفة الأهرام وكنت أنا تلميذا جامعيا أدرس العلوم السياسية في الجامعة الاميركية. ولقد انجذبت اليه منذ البداية وشغفت به كاتبا ومقربا من جمال عبد الناصر. ولعل قربه من عبد الناصر قد أضاف اليه في نظري هالة كبرى من الأهمية السياسية بحكم الدور القيادي الذي كان يلعبه عبد الناصر مما استقطب الكثيرين من أبناء جيلي تلك الأيام. وبغض النظر عن رأي خصوم عبد الناصر فيه فإن جمال عبد الناصر في أبسط الأحوال أيقظ المشاعر الوطنية المكبوتة للجماهير وأطلقها من عقالها وقاد جولة طويلة وعنيفة وناجحة ضد مظاهر الوجود الاجنبي على امتداد الوطن العربي وآسيا وافريقيا ودول العالم الثالث التي تسمى اليوم الدول النامية. وكان لهيكل مقاله الاسبوعي الشهير كل يوم جمعة بعنوان »بصراحة«. ولم أكن اكتفي بقراءة المقال بل كنت انتظر بشغف إذاعته مساء نفس اليوم من إذاعة القاهرة وكأنه وصلة موسيقية. وكان المقال بالنسبة لي اهم من المحاضرات والكتب والنصوص. لأن المقال اضافة الى كونه يعكس تفكير عبد الناصر في قاهرة المعز فقد كان ايضا قطعة فنية من الأدب السياسي. فهيكل إن كتب أبدع وان عالج أفاض وان روى تجلى وان سرد جذب وان حلل أمتع وان انتقد سخر وان وثّق أفحم. فمخزونه هائل وخياله خصب واسلوبه فريد رشيق. وهو عالِم بتواضع، ساخر في معظم الاحيان، وان بدا متعاليا لمن لا يعرفه. وهيكل شغوف بكل جديد حتى لو كانت أحدث آلات طباعة الصحف. وهو متابع ودؤوب في البحث عن الحقيقة. وحب الفضول لديه شديد وله اهتمام خاص بالتفاصيل التي تشكل دوما رتوش كتاباته وملحها. وفي هذا المجال أبلغني رئيس دولة عربية قابلته مؤخرا انه »يتحدى« اذا كان فاته مقال او كتاب لهيكل وأنه منذ وعى على الدنيا وهو يقرأ كل ما يصدر عن هيكل بما في ذلك مقاله الشهري في مجلة »وجهات نظر« الذي يترقبه بانتظام وتشوق. وبمناسبة الحديث عن »وجهات نظر« فان هذه المجلة تنفد من السوق فور صدورها. وهناك إجماع على ان مقال هيكل هو سبب رواجها مع ان بقية المساهمين من الكتاب لهم وزنهم ومكانتهم. والمتابع لمقالات هيكل في »وجهات نظر« خلال العام الاخير وخاصة كتاباته التي استغرقت اعدادا كثيرة حول خلفيات وأسباب قيام ثورة 23 يوليو/ تموز 1952 وسياسات اميركا الخارجية مثل مقاليه الاخيرين حول »صناعة القرار الاميركي« و»ساسة وجنرالات بين واشنطن وبغداد«، يلحظ ما يلي: أولا: المقالات عبارة عن أبحاث موسوعية يبحر فيها هيكل ويجول بدقة الباحث ورؤية السياسي ودراية المؤرخ وكفاءة المحلل. ثانيا: التوثيق الدقيق للمادة التي يكتبها لدرجة انه يتراءى للقارئ انه يكتب للباحثين والمؤسسات الفكرية المتخصصة وليس للقارئ العادي. وهذا جهد نادر وجدي وتنويري يحمد عليه لأنه يتطلب جلدا وصبرا ومثابرة في وقت تطغى فيه الكتابات الهابطة والسطحية والموجهة وفي زمن عجزت فيه الأمة عن القيام من كبوتها التي تحولت الى غيبوبة. وللتدليل على الأهمية التي يوليها هيكل للتوثيق والتاريخ فانه يقول: »الاهتمام بالسياسة فكرا او عملا يقتضي قراءة التاريخ اولا لأن الذين لا يعرفون ما حدث قبل ان يولدوا محكوم عليهم ان يظلوا أطفالا طول عمرهم«. والذي يعايش هيكل سواء من خلال كتاباته او على صعيد العلاقة الشخصية فانه يلمس فيه اهتماما غير عادي بأميركا: سياساتها، قوتها، ثقافتها، مؤسساتها، أدبها، فنونها وكل توجهاتها لدرجة انه يمكن اعتباره اختصاصيا بالشأن الاميركي ولكن بدون انبهار. فهو يدرك تفرد ووحدانية الدور الاميركي في منطقتنا وخطورة الصلف الاميركي وغرور وغطرسة القوة الاميركية وجهل بعض القائمين على الحكم هناك. وبسبب ذلك ولأنه مسكون بهاجس الشك في نوايا الغرب وأميركا تحديدا فانه يتابع بدقة تفصيلية قد تصل احيانا الى الملل لدى البعض دور البنتاغون في منطقتنا والعلاقة بين البنتاغون والبيت الابيض وتفاصيل العلاقة بين جنرالات البنتاغون والعلاقة مثلا بين دونالد رامسفيلد وكولن باول... الخ. ولعل كلماته التالية تكشف عمق شكوكه نحو الغرب: »على اي خريطة للعالم العربي يلمح أي باحث مهم ان هناك سياسة غربية ثابتة تستهدف عزل »الساحل« عن »الداخل«. هكذا في البحر الابيض، وفي الخليج، وفي المحيط. و»الساحل« في اكثر الاحيان للغالبين او معهم. و»الداخل« متروك لتناقضات أهله وخلافاتهم«. واذا ما انتقلنا الى الشأن الفلسطيني نجد ان هيكل عايش القضية الفلسطينية ولا يزال منذ بداية نشأته الصحافية حين كان مراسلا لجريدة »اخبار اليوم«. واستمرت علاقته الوثيقة بفلسطين قضية وقادة حتى يومنا هذا. وهو اول من حصل على جواز سفر دبلوماسي فلسطيني صادر من غزة وممهور بتوقيع ياسر عرفات. وهيكل هو الذي قدم ياسر عرفات الى عبد الناصر بعد نكسة 1967 حيث قال الأخير لعرفات: »اريد رصاصة فلسطينية واحدة كل يوم يدوّي صوتها في الارض المحتلة«. وفي أغسطس/ آب 1968 اقترح هيكل على عبد الناصر ان يأخذ ياسر عرفات معه الى موسكو في رحلة مقررة وذلك لتقديمه الى القادة السوفيات. ويقول هيكل ان القادة السوفيات تحفظوا في البداية خشية ان يكون عرفات من النوع المغامر وخاصة أنهم رصدوا نشاطا لجماعته في سوريا يوحي بأنهم جماعة غير مسؤولين. ومع ذلك فقد أحالوه على »الرفيق« مازاروف المسؤول عن حركات التحرر الوطني في العالم الذي أحاله بدوره الى نائبه باناماريوف الذي استجوبه لأكثر من ساعتين. وقد نتج عن هذه الزيارة ان حصل عرفات على بعض الاسلحة ومنها مدافع مضادة للطائرات. والحديث عن القادة السوفيات يذكرني بواقعة رواها لي الأخ ياسر عرفات حيث أسّر لي انه ظل لفترة طويلة يزور موسكو من دون ان يقابل القادة الكبار واقتصرت اللقاءات على أعضاء المكتب السياسي. وعندما قابل بريجينيف لأول مرة استهل المسؤول السوفياتي اللقاء بتوجيه السؤال التالي الى أبي عمار: متى تعترفون باسرائيل؟ وقد أذهل السؤال أبا عمار لأنه جاء حتى قبل زيارة السادات لاسرائيل. لقد عرفت هيكل منذ أكثر من ثلاثين عاما. ومنذ ان عرفته وهو ثابت على موقفه من ان لا سلام مع اسرائيل بسبب اختلال موازين القوى لصالحها، وأنه اذا قام سلام معها فسيكون سلاما اسرائيليا تملي اسرائيل شروطه. وهو لا يرفض فقط فكرة السلام مع اسرائيل ولكنه يعتقد اعتقادا راسخا انه لن يتم أي سلام مع اسرائيل وان كل المفاوضات التي تجري عبثية ومضيعة للوقت. وفي صيف عام 2002 تناولنا طعام الغداء في لندن في ظروف تراجعت فيها اوضاع الأمة الى حد اليأس والاحباط فسمعته يقول لي بعد ان أجرينا جولة افق في الاوضاع العربية: »ليس أمامكم أنتم الشعب الفلسطيني سوى ان تضعوا حقوقكم الوطنية الثابتة غير القابلة للتصرف في قوالب مخصصة للحفظ والتخزين. قولبوها وحافظوا عليها حتى يتغير الظرف فالمعركة طويلة طويلة«. ثم زرته بعد غزو العراق في منزله بالقاهرة في مطلع شهر تموز/ يوليو 2003 وصرفنا أربع ساعات نتأمل اوضاعنا. وشعرت بأن قلقه قد زاد واحباطه ارتفع. وحيث انه يطرب للهجة الفلسطينية فقد قال لي اثناء اللقاء بلهجة فلسطينية »مفركشة«: »انتو الفلسطينيين جماعة صعبين. ما تسيبوا ابو مازن يحاول انقاذ ما يمكن انقاذه إن أمكن«. وهذا الكلام قياسا على كلامه في السابق يشير الى تدني المعنويات الى مستوى انقاذ ما يمكن انقاذه إن أمكن. إنها في رأيي حالة معنوية ناتجة عن احتلال العراق واستمرار عربدة شارون وغياب حد ادنى من ارادة عربية مشتركة وعجز الجامعة العربية عن لملمة الموقف العربي المتناثر واستفحال غياب الديموقراطية عن بلادنا وانصياع الانظمة العربية كلها بلا استثناء للارادة الاميركية وترك الشعب الفلسطيني وحيدا في مواجهة الآلة العسكرية الاسرائيلية وتحالف اليمين الاميركي والصهيونية وذلك بلا دعم حقيقي او سند. فمن يستطيع في ظل هذه الظروف ان يتفوق على نفسه ويتفاءل ويبني قصورا في الهواء؟ ولا بأس ان يستأثر موضوع هيكل والتسوية بجزء من اهتمامنا لان التسوية كانت وستظل قضية محورية. ففي اعقاب توقيع اتفاق المبادئ الفلسطيني الاسرائيلي (حصيلة اوسلو) في سبتمبر 1993 في حديقة البيت الابيض بواشنطن وصل هيكل الى لندن واتصل بي فور وصوله. وعندما التقينا شعرت بأن لديه لهفة شديدة لمعرفة ما حدث في اوسلو. لم يكن يعتقد اننا اصبحنا على ابواب التسوية ولكنه ادرك بحاسة الصحافي ان حدثا كبيرا فاته ولا بد في رأيه من الالمام بالخلفيات والاسباب والاسماء والتفاصيل. وقد ابلغني الصديق العزيز الشاعر محمود درويش انه فعل معه نفس الشيء. وعلى مدى عدة ايام كل يوم منها عدة ساعات اخضعني هيكل لتحقيق سياسي امطرني خلاله بوابل من مختلف الاسئلة والتساؤلات وكأنني كنت أنا صانع اتفاق اوسلو. كان يجلس امامي ممسكا بدفتر وقلم »كجورنالجي« كما يحلو له ان يسمي نفسه ويقول لي: انت تتكلم وأنا اكتب. ولا بد من ان اقرر واعترف في هذا المجال بأن طاقته فاقت طاقتي برغم فارق السن بيننا... كان يريد ان يعرف تفاصيل ما جرى برغم قناعته الراسخة بأن اتفاقية اوسلو لن تؤدي الى السلام. وبذلت جهدا كبيرا لاجيب عن اسئلة مجتهدا تارة ومؤكدا تارة اخرى وذلك ضمن معلوماتي المستمدة من علاقتي بالقضية والقيادة. وفي النهاية اصدر كتابا ضخما نفيسا من ثلاثة مجلدات يحمل عنوان: »المفاوضات السرية بين العرب واسرائيل«. وقد خصص المجلد الثاني لاتفاق اوسلو واسماه: »سلام الاوهام: اوسلو ما قبلها وما بعدها«. لقد مر على اوسلو حوالى عشر سنوات وهو قال رأيه في الاتفاقية مباشرة بعد توقيعها ولم يؤخره عن ذلك سوى فترة كتابة الكتاب وطبعه ونشره. وفي كتابه عن اتفاقية اوسلو يورد هيكل عدة اسباب دفعت اسحق رابين في رأيه الى الموافقة على اتفاقية اوسلو. ويمكن تلخيص تلك الاسباب على النحو التالي: اولا: بعثرة انتفاضة الحجارة بعد ان استحال كسر عظامها. ثانيا: احتواء النمو المتزايد لخطر التيارات الاسلامية وعملياتها الفدائية. ثالثا: خفض التكاليف المادية والمعنوية العالية الناتجة عن استمرار الانتفاضة. ويضيف هيكل ان رابين قال في آخر زيارة له للقاهرة: »كيف يستطيع جيش الدفاع الاسرائيلي ان يخطط علميا ضد اناس يتسابقون بجنون الى الموت؟«. ما اشبه الليلة بالبارحة. أما بالنسبة للحجة التي تقول بأن الدنيا تغيرت وانه كان لا بد من اوسلو وصولا الى السلام مع اسرائيل فيقول هيكل ان موانع التحريم سقطت وزالت معها دواعي القداسة على الجانب العربي. اما الجانب الاسرائيلي فيقول هيكل: »بقي ثابتا على مقدساته وعلى محرماته. فهي بعد ادعاء بغياب ألفي سنة ما زالت: »ارض اسرائيل« و»شعب الله المختار«، و»مملكة داود«، و»التلمود« و»اورشليم«، و»يهودا«، و»السامرة«، »وحائط المبكى« و»التيه« و»الهولوكوست« وهاجس الأمن الذي لا سبيل الى طمأنته. والشيء الوحيد الذي جدّ بمتغيرات الزمن والظروف هو مئتا قنبلة نووية«. وللاستفادة من رأي هيكل والصديق العزيز الراحل احمد بهاء الدين رتبنا، حسيب صباغ (اسبغ الله عليه ثوب العافية وابلاه من وعكته الصحية) وكاتب هذه السطور دعوة لهما لزيارة تونس للتشاور مع القيادة الفلسطينية. وقد تمت الزيارة في أواخر شهر سبتمبر 1988 حيث التقينا في جنيف وتشاورنا لمدة يومين ثم انتقلنا الى تونس بطائرة حسيب صباغ الخاصة. وسافر معنا على الطائرة الاخوة الاصدقاء: عبد المجيد شومان، سعيد خوري، عبد المحسن القطان وزين مياسي. وقد حضر ادوارد سعيد اجتماعات جنيف وتخلف عن رحلة تونس. وهناك عقدنا اجتماعات موسعة حضرها ابو عمار وابو اياد وابو مازن وابو جهاد وابو اللطف والدكتور جورج حبش. وكان الجو يومئذ ملبدا بغيوم الحيرة بسبب الضغوط التي كانت تمارس على منظمة التحرير لحملها على الاعتراف باسرائيل. وقد عبّر ابو عمار عن تلك الحيرة في مداخلة طويلة استغرقت جلسة كاملة. وكان رأي هيكل ان على منظمة التحرير ان تغيّر اسلوب تفكيرها وحركتها بما في ذلك الاداء والتعبير والخطاب السياسي. واقترح ان يأتي اعتراف المنظمة باسرائيل من خلال القبول بقرار التقسيم رقم 191 والخاص باقامة دولتين في فلسطين. اما القرار 242 فقد اصر هيكل على ان لا علاقة للمنظمة به لانه صدر لازالة آثار العدوان على مصر وسوريا والاردن. واذكر انه كان قاسيا شديد اللهجة في نصيحته بأن لا تقبل المنظمة ذلك القرار. هكذا كانت آمال هيكل في قدرات امته العربية على الصمود عام 1988 عام الانتفاضة الاولى. وعروبة هيكل متأصلة فيه حتى النخاع. وقد حمل على اكتافه الهم العربي طيلة حياته الصحافية. ولسنا نغالي اذا قلنا انه اكثر الكتّاب المصريين على الاطلاق تعاطيا والتصاقا بالشأن العربي. وهو الذي ظل يردد مقولة مشهورة له مفادها انه اذا كانت حقائق التاريخ والجغرافيا واللغة والدين لم تنجح في جمع الامة العربية فلتجمعها على الاقل المصلحة المشتركة بينها. وكان هيكل قد اتفق قبل اكثر من عشرة اعوام مع دار نشر بريطانية على كتابة كتاب بعنوان: »القومية العربية: صعودها وتراجعها«. وابلغني حينها انه اختار ان يكون رؤوفا بالقومية العربية فتجنب استعمال التعبير الملازم عادة للصعود وهو »السقوط«. وتعثر المشروع بسبب تسارع الاحداث في منطقتنا بدءا بإقدام العراق على احتلال الكويت واثر ذلك على مفهوم القومية العربية والمصير العربي والانتماء العربي. ترى لو قيّض لمشروع الكتاب ان يبعث من جديد هل سيبقي هيكل على اسم الكتاب كما هو ام انه سيختار كلمة »سقوط« بدلا من »تراجع«؟! وقبل ان اتوسع فأسترسل ويتيه مني القلم اود ان اقول في النهاية ان هيكل انسان مواكب متطور. وقد ينتمي الى جيل آخر بحكم سنه ولكنه حتما من رواد هذا الجيل من العرب عقلا وتفكيرا وتوجها. وهو معاصر لكل ما يجري وله في كل عرس قرص وفي كل قضية رأي. وهو يملك ثقافة واسعة شرقية غربية تلم بشؤون الدين والدنيا. ويجمع في ثقافته هذه بين: ابن خلدون وافلاطون، وكمال اتاتورك وفرنكلين روزفلت، ومحمود درويش واللورد بايرون، ومحمد مصدق ومصطفى خليل، وأبي الفرج الاصبهاني وتينيسي ويليامز، ورياض الصلح ومكرم عبيد، ونجيب محفوظ وجون شتاينباك، وبطرس غالي وتريجفلي، ولويس باسترناك واحمد زويل. واذا اتيت على »المستطرف في كل فن مستظرف« للابشيهي سبقك في الحديث عنه واذا ذكرت »زهر الآداب وثمر الألباب« للقيرواني لا يدع لك فرصة وهو يتغنى بمحتوياته. واذا قلت بيتا من الشعر اكمل قبلك شطره الآخر. واذا حدثته عن صدور كتاب في الغرب يكون قد اقتناه قبلك او يصادره منك اذا لم يكن قد اقتناه...! وفي النهاية، اود ان اذكر بعض الامور الشخصية عن هيكل التي قد تهم القارئ: ÷ إن هيكل يميل الى النكتة ويرويها بخفة الظل المصرية المعهودة. وقد دعوته مرة الى الغداء في منزلي مع مجموعة من الكتّاب والصحافيين. وكانت أكلة »المقلوبة« تتصدر المعروض من الاكل. ولاحظته منكبا عليها يأكل منها بشهية ورائحة الهال تنبعث منها. ولما عاد الى منزله اتصل بي هاتفيا وسأل: »الاكلة اللي فيها باذنجان ولحمة وارز كانت خرافية وطعمة اوي. هي اسمها ايه؟«. فقلت: »انها اكلة فلسطينية تدعى مقلوبة«. فأجاب: »دي مقلوبة وطعمه كده. امال لو كانت معدولة يبقى الوضع إزاي؟«. ÷ تستوقفني احاديثه التي توقفت حاليا في محطة دريم التلفزيونية حيث ينطلق متحدثا لمدة ساعة من دون ورقة ومن دون سائل ومن غير ان يتلعثم مرة. وتأتي افكاره مرتبة متدفقة وكأنه يقرأ من شاشة امامه. ÷ يتمتع هيكل بلياقة بدنية وهو يمارس رياضة الغولف والجيمنيزيوم. ÷ وجبته الرئيسية هي وجبة الغداء يظل بعدها مدة اربع وعشرين ساعة بلا اكل. اي ان وجبة العشاء ملغاة من برنامجه. ÷ لا يلبس هيكل الا ربطات عنق داكنة وخاصة الازرق الغامق منها. ÷ يحرص هيكل منذ وفاة جمال عبد الناصر على ان يكون في القاهرة يوم ذكرى وفاته في 28 سبتمبر/ ايلول من كل عام. وبرغم علاقته الحميمة مع الرئيس الراحل فانه نادرا ما يتحدث عن تلك العلاقة في جلساته. ÷ حتى في احزانه خرج هيكل عن المألوف ولم ينشر نعيا للسيدة المرحومة والدته كما جرت العادة في بلادنا. واكتفى بنشر شكر باسم الأسرة في مكان متواضع بصحيفة الاهرام التي كان يرأسها يوما بتاريخ 30/6/1987. ويقول الشكر: »تتقدم الأسرة بموفور الشكر والعرفان لكل الذين تفضلوا فأبدوا نحوها كريم مشاعرهم وعطفهم. إن الأسرة وهي تتفهم الى اقصى حد شواغل اصدقائها وظروفهم وتستشعر في نفس الوقت رغبات الفقيدة، تتمنى عليهم ان يكون عزاؤهم فيها بقراءة الفاتحة على روحها شفاعة وصلاة وترحما«. رحمها الله. لقد اراد هيكل ان لا يزعج احدا في وفاة والدته. وحيث ان قضية »التسوية« للنزاع العربي الاسرائيلي ستظل موضوع الساعة اليوم وغدا، فلعلي اختم هذه الجولة في شخصية هيكل بفقرة من كتاباته حول السلام: »إن تحقيق السلام بين الامم والدول ليس عملية اخلاقية او إنسانية، بل انه عملية بالغة التعقيد، فعليها ان تحقق توازنا مقبولا بالرضى بين مصالح ومصالح، وبين مطالب ومطالب، وبين عناصر قوة وعناصر قوة تواجههنا. وإلا فان السلام الذي ينتج بغير هذا التوازن يصبح هو نفسه لاأخلاقيا ولاإنسانيا، لانه لا يصبح سلاما وانما يصبح سكوتا يمليه القهر على الضعف«. (»المفاوضات السرية بين العرب واسرائيل«) المجلد الثاني. امد الله في عمر الصديق الاستاذ محمد حسنين هيكل ومتّعنا بكتاباته اياما عديدة وسنين مديدة حتى يظل كما هو اليوم الفارس المجلي في ميدانه بعقله المتوقد دوما وقلمه الرشيق السيّال.