ارتدى وليد جنبلاط »قلنسوة الأجاويد« وهو لن يخلعها قبل مساء الأحد على أقل تقدير. ومشكلته مزدوجة هذه المرة. فمن جهة عليه حث محازبيه (أي تحريضهم) على المشاركة الكثيفة لمصلحة هنري حلو، ومن جهة أخرى، عليه إقناع كوادر كثر من هؤلاء بضرورة الالتزام بالخط السياسي، فيما هم، وأكثرهم من منطقة الشحار، منشغلون في ملاحقة ملاحظات تنظيمية واعتراضية على قيادات يعتبرون أن جنبلاط فرضها عليهم، وبحثاً عمن يسد النقص الحاد في سيولة صندوق المهجرين، حيث الحاجة إلى استكمال عمليات سياسية واجتماعية وإنمائية ومعيشية في هذه المنطقة. واضطر بعض هؤلاء إلى استعادة »الحساسية اليسارية« التي تركها الزعيم الكبير كمال جنبلاط، والتي تجعل صوتهم يرتفع مجدداً رفضاً لنوعية العلاقة التي تربط حزبهم بالحكومة والحكم. وبين الأمرين، ثمة همّ إضافي يستحوذ على جنبلاط الآن، ويتصل باستعداد مبكر، لانتخابات العام 2005، وهو الخبير بكيفية توفير مناخات »انزياح« الكتل الناخبة صوب هذا الجانب أو ذاك، ولا بد له من العثور سريعاً على ناخب مسيحي قوي، يكون شريكاً في مواجهة مفترضة مع تيار اعتراضي ينمو منذ انتخابات المتن الشمالي ويشتد عوده في انتخابات بعبدا. وهذا الشريك لا يمكن العثور عليه بين بقايا »خلية حمد« أو »اللقاء التشاوري« أو »مسيحيي النظام« أو من يعتبرهم جنبلاط »عقلاء الموارنة« الموزعين بين »قرنة شهوان« وأحزاب الاستقلال التي تلفظ أنفاسها الأخيرة. قد لا يكون جنبلاط يهتم كثيراً الآن لردة فعل الشارع المسيحي على خطابه الأخير، وهو أمر مفهوم، لأنه سيكرر الكلام ذاته وربما بوتيرة أقسى إن شعر بحاجة إلى ذلك في معركة الحشد الكبرى، لكنه يعتقد أن بمقدوره التعويض عن ذلك لاحقاً، بعد أن تهدأ المعركة، وبعد أن يقنع الناس جميعاً، السلطة وسوريا والبطريرك والجنرال والحكيم واللئيم والفهيم وغيرهم، بأنه الناخب الأكبر وصاحب الكلمة الفصل في هذه الدائرة. وبعد ذلك سيعود مجدداً إلى البحث في »كومة القش« الكبرى »المنتفخة« من حوله عن طريقة للخروج بإبرة سيكتشف أنها لا تنفع في رسم خيط في كوب حليب، وعلى الطريق، ثمة خسائر إضافية ستقع، وثمة معايير جديدة ستعتمد في تقييم الآخرين ورسم العلاقة معهم. »قرنة شهوان« مسكونة بهاجس المؤامرة. لم توفق في المفاوضات مع وليد جنبلاط، كان سمير فرنجية ينطلق من حسابات تقول بعدم القدرة على خوض معركة ناجحة بشكيب قرطباوي، لذلك ابتدع قاعدة: »نبيعك مرشحنا أو نشتري مرشحك«، لكن »التجرة« لم تكن ناجحة تماماً، وشعر كما غيره من أركان »القرنة« بأنه يجب التعويض عن ذلك بثمن سياسي يصرف لاحقاً، وهو إعادة الاتصال السياسي بالزعيم الدرزي، أو كما يحب فريق »القرنة« وصفه ب»الشريك المسلم القوي«. لكن النتيجة كانت أن الآدمي قرطباوي تعرض للبيع مرتين، الأولى عندما قبل بالخروج من المعركة كرمى لعيون المصالحة التي رعاها البطريرك الماروني، ومرة ثانية عندما جرى تجيير انسحابه لمصلحة هنري حلو. وهو ما لم يعجبه، وخشية أن يدفع هو الثمن، عاد وصرح بأن خروجه لم يكن لمصلحة حلو، وأنه يدعم حكمت ديب، علما بأنه كان واضحاً في أنه لا يريد أن يكون لاعباً في مباراة طائفية. ولفت الانتباه بما يشبه النصيحة إلى ضرورة حث الناخبين على المشاركة لتوفير فرصة أفضل للفوز. لكن »القرنة« سعت أيضاً إلى منع تمدد رقعة المعارضة المتشددة إلى داخلها، بعدما تبيّن أن ميشال عون قادر على إزاحة الطاولة إن لم يكن قلبها، وتبيّن أن »القرنة« ليست هي الممثل الشرعي والوحيد للمسيحيين. لقد باتت أشبه بياسر عرفات. تملك شرعية وغطاءً كافيين للتحاور باسم فريق كبير من المسيحيين، لكن عون صار ك»حماس«، يملك في الشارع نفوذاً كبيراً، ومعه قنابل بشرية كفيلة ب»خربطة« الحسابات. وها هو نجح في التعويض عن وجود أمين الجميل وأولاده في صف »القرنة« وجنبلاط، من خلال إيهام نديم نجل بشير، بأنه الوريث الشرعي له وللخط الذي مات من أجله والده. والصبي، الذي يقضي وقته أمام شاشات التلفزيون ليحفظ خطب والده، لا يملك فرصة أفضل من هذه لحجز مكان له، وليس ملحقاً بأولاد عمه. ويساعده على ذلك، توصية خاصة من الدكتور سمير جعجع من داخل سجنه. والأخير قال بوضوح لزوجته وللمقربين منه، وكرر ذلك أمس تحديداً: لا تتركوا نديم وأمه وحدهما! لكن »حكيم« »القرنة« لم يجد أفضل من الوصفة السحرية لمعالجة وجع الرأس الذي دب بفعل الاستحقاق الانتخابي. وقال إن السلطة تهادن المرشح العوني، وهي تساعده نكاية بخط الاعتدال الذي يمثله صفير وفريق القرنة معه. وفي شرح لهذه الفلسفة، يقول »الحكيم« إن مؤشرات ميدانية وسياسية ولوجستية تقود إلى الاستنتاج بأن حكمت ديب يحظى بعطف السلطة ودعم أجهزتها الأمنية والمادية أيضاً. وعند التدقيق، يقول: المعادلة بسيطة. لقد فشلت السلطة في كسر القرنة وما تمثله. والفريق المسيحي الموجود في الحكم والذي يستفيد من دعم دمشق، يشعر بأنه مهدد أكثر من غيره من أي إصلاح سياسي يتم وفقاً لرؤية »القرنة« والبطريرك الماروني. وربما هناك في دمشق أيضاً، من لا يريد لهذه المعادلة أن تقوم. وبدل البحث في طريقة حوار أفضل من »القرنة« وما تمثل، يريد هذا الفريق أن يقول للناس إن معركته هي مع فرقاء من أمثال ميشال عون ونديم الجميل، أي مع خط متطرف، الأمر الذي يوفر لهذا الفريق نوعاً من الشرعية، وهو أمر لن يحصل عليه إلا في ظروف كهذه. ثم إن هناك في السلطة ومن بين حلفاء سوريا من يبالغ في الحديث عن الحيادية والديموقراطية والنزاهة وكأنهم يبيعون بضاعة إلى الخارج«. ولا يعفي »الحكيم« هنا الآخرين من المسؤولية: لم يقتنع الآخرون بخطابنا بصورة جيدة. وليد جنبلاط نفسه كان رفض بداية الكلام الوفاقي مع فريقي العماد عون والدكتور جعجع، وها هو الآن يريد مغازلة هذا الطرف أو ذاك، ثم إن »خلية حمد« كما »اللقاء التشاوري« والشخصيات التي حملت على القرنة تتحمل مسؤولية ذهاب الشارع المسيحي نحو خيار آخر. وإذا كان »مسيحيو النظام« يعتقدون أنهم يفوزون بخصم سهل من وراء هذه المعركة، فإن الأمور لن تسير كما يشتهون، لقد رفضوا الخطاب الداعي إلى علاقة حقيقية مع سوريا، وإلى علاقة طبيعية مع شريك داخلي، وإلى حماية اتفاق الطائف كخيار يوحد البلاد والعباد، وهؤلاء يريدون »عصفورية« بوجههم، حسناً مبروك عليهم«. في مكان آخر، يبدو أن تجربة العماد عون وفريقه تفتح الباب أمام مفارقات أخرى. وما سوف يحصل عليه حكمت ديب من أصوات (غالبية مسيحية وأقلية اسلامية) ستكون كافية لإعلان الفوز، وهذه المرة على خصمين: السلطة وفريق حلفاء سوريا، وفق قاعدة أن كل ما تعرض له هذا »التيار« من اضطهاد ومطاردة وإبعاد لم ينهه أو يجعله خارج اللعبة، وها هو يحتل المقاعد الأمامية في القوى القادرة على الحوار وخلافه. وفريق البطريرك الماروني وفق قاعدة أنه ليس هناك طرف واحد يتحدث باسم المسيحيين، وأن هناك شريكاً قوياً لا يمكن تجاوزه عند أي بحث. لكن السؤال الرئيسي يظل هو: هل تقود هذه الانتخابات العماد عون إلى مزيد من الواقعية مع ما تفرض من حكمة وتواضع، أم يذهب إلى مكان آخر يكرر فيه شروطه المستحيلة للحل؟ 15 أيلول، تاريخ جديد في الحياة السياسية اللبنانية، وعلى محدودية الاختبار، فإن ما حصل خلال الأسبوعين الماضيين، وما هو متوقع خلال اليومين المقبلين، أعطى إشارات لواقع جديد، عنوانه الأساسي: مزيد من الفرز في الساحة المسيحية. وثمة وجوه جديدة سوف تبرز بقوة وواحد منها نديم الجميل، وربما كان من الأفضل لجنبلاط أن يوفد نجله تيمور ليتحاور معه، وكنا تمنينا على مارسيل غانم إرسال كاميرته لتسجل حلقة تعارف بين أولاد من جيل »المؤسسة اللبنانية للإرسال«!.