يرحل الطغاة وتنهزم جيوشهم، لكنهم يخلّفون تركة ثقيلة وراءهم: جيشا جرارا من الجثث والحطام الجسدي والنفسي وجيوشا أجنبية قدموا لها الاحتلال على طبق من ذهب يحفل برؤوس المدنيين. ويظل وشمهم على أجساد الناس وعلى مساحات واسعة من جسد المدن التي تبتلى بهم أيضا. كما تظل آثار أحذية أيديولوجيتهم قصورا وجسورا ونصبا وتماثيل. منها ما يمكن تحطيمه وإزاحته ومنها ما يجب أن يظل كي يذكّر الأجيال القادمة بالخراب. ومنها ما هو أكبر وأثقل منهم أن يزال. لكن قد يمكن للمجتمع الجديد أن يعيد إنتاج معانيه ومفهومه، هذا إذا توافر فضاء ديمقراطي حر يكون للمواطنين فيه رأي في التضاريس المعمارية لمدنهم وفي جغرافية حاضرهم السياسي. ونصب الشهيد في بغداد هو واحد من تلك الأماكن الخصبة والثرية بالرموز والدلالات. لا شك بأنه كان سلاحا ماضيا استخدمه نظام صدام في أسطرة الحرب الوحشية التي شنها ضد إيران في 1980 والتي جثمت على صدور العراقيين والايرانيين لثماني سنوات وفي تبريرها وترسيخ خطابها. فلقد استغل النظام مزيجا من الرموز التي استعارها من التاريخ العربي الاسلامي، بالاضافة الى تفعيل الخطاب القومي العربي والعراقي، لتبرير الحرب وتسويقها. ولعل أدلّ مثال على ذلك هو التسمية التي أطلقت على الحرب نفسها: قادسية صدام. لقد كان ذلك استدعاء ذكيا لمعركة قادسية سعد التي خاضها المسلمون العرب ضد الفرس، وضع حرب صدام التوسعية في إطار صراع اثني عربي فارسي من جهة، وصادر، أو حاول مصادرة الشعارات الاسلامية لثورة الخميني التي كان لا بد من مقاومة تصديرها ومدها. وهكذا، اختفى الايرانيون من الخطاب الرسمي وحل محلهم »الفرس المجوس«. كان علينا، عندما كنا طلابا في المدرسة المتوسطة، أن نهتف »قادسية صدام« بعد أن يقول مراقب الصف »قيام« عند بداية كل فصل وبعد دخول المدرس. وكنا نتبع »جلوس« بجملة »انتصرنا على الفرس المجوس«. وانتصر الخطاب القومي العربي والعراقي في نهاية الأمر على مراهنات الايرانيين بأن ينضم شيعة العراق الى إخوتهم الايرانيين ليحاربوا »النظام الصليبي العفلقي الكافر« كما كانت إذاعة إيران العربية تسميه. كانت عوائل الشهداء تكافأ بمبلغ مالي وبسيارة تعويضا عن خسارتها. هذا على الصعيد المادي اليومي. لكن الصعيد الخطابي الرمزي لا يقل أهمية. وهكذا اكتسبت مقولة »الشهيد« مكانة خاصة في الخطاب الرسمي لإضفاء قدسية دينية على الموت المجاني الذي راح ضحيته مئات الآلاف. وتم قبولها، الى حد بعيد، في الخطاب الشعبي أيضا. كانت الآية القرآنية »ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً بل أحياء عند ربهم يُرزقون« تظهر على اللافتات السوداء التي كانت تعلق على جدران الحارات معلنة وجود شهيد في المنطقة. وأدلى الأب القائد بدلوه، كعادته، فانتشرت مقولته عن الشهداء بأنهم »أكرم منا جميعا«. النصب ونصب الشهيد الذي صممه الفنان العراقي اسماعيل فتاح الترك واكتمل بناؤه عام 1982 هو التمظهر المعماري لتقديس لحظة الموت في تلك الحرب. تنشطر القبة الزرقاء العملاقة والمستوحاة من قبة الجامع وتصعد روح الشهيد ممثلة بعلم عراقي يتموج من تحت الارض ويخترق قبرا رمزيا (نقشت عليه الآية القرآنية ذاتها) متصاعدا نحو الفضاء بين القبتين. وبالرغم من أن الاسم الرسمي للنصب هو »نصب شهداء قادسية صدام« إلا أن العراقيين اعتادوا تسميته »نصب الشهيد«. ولعل هذه التسمية تقول شيئا عن مواقف الكثير من العراقيين إزاء الحرب ومكانة الشهيد فيها. فبالرغم من عدم اقتناع الغالبية العظمى من العراقيين بالحرب ورفضهم لمبرراتها ومنطقها، إلا أنهم كانوا يعتبرون أولئك الذين سقطوا فيها شهداء. وبعد أن أجبر الجيش العراقي في 1982 على الانسحاب من الاراضي التي أمر صدام باحتلالها في 1980، تحولت الحرب الى سلسلة من الهجمات الايرانية التي كانت تهدف الى احتلال العراق وقلب نظامه. وربما ساهم هذا التحول الى جعل الحرب دفاعية كانت وحدة أراضي العراق موضع تهديد فيها، مما غير وعقد بدوره مشاعر غالبية العراقيين وردود فعلهم الأولى المشككة إزاءها. ونصب الشهيد، بالمقارنة مع غيره من النصب التي شيدت في عهد صدام، هو الأكثر جمالية من ناحية، والأقل ارتباطا بشخص صدام من ناحية أخرى (مقارنة بنصب الجندي المجهول وسيف النصر والذي صمم بناء على فكرة صدامية وتم استخدام قبضة صدام كنموذج للقبضتين الممسكتين بسيفي النصر). لقد زرت، مثل الكثير من العراقيين، نصب الشهيد بعد افتتاحه في بداية الثمانينيات. وبالرغم من رفضي للنظام ولحربه الوحشية، إلا أني لم أخف إعجابي بالنصب وببعده الجمالي. وأذكر أني تساءلت يومها في سري عن مصير النصب بعد سقوط النظام. وعند عودتي في شهر تموز الماضي، بعد غياب طويل منذ رحيلي عام 1991، اقترحت على زملائي ان يكون النصب واحدا من محطات فيلمنا الوثائقي عن العراق. فسيمكننا، من خلاله، ان نذكر بتواطؤ اميركا مع صدام ودعمها لحربه تلك وأن نتعرض في الوقت ذاته لجذور الوضع الراهن وتأثيرات الحروب على النسيج الاجتماعي في العراق. كان المدخل الرئيسي محاطا بالأسلاك الشائكة، وبدا ان النصب قد تحول الى مقر عسكري لقوات الاحتلال. دقق الجندي الاميركي في هوياتنا الصحفية ثم قال انه يشك بأن يسمح لنا بالدخول والتصوير. كانت ساعة العشاء وكان علينا ان ننتظر الضابط المسؤول ليعلمنا بالموافقة أو عدمها. كانت حاملات الاشخاص المدرعة تدخل بين الحين والآخر مقاطعة الحوار الذي بدأه زملائي مع الجندي حول رأيه بما يفعله هو في العراق. كان يتحدث عن »تحرير العراق وإعطاء العراقيين مستقبلا أفضل« وكمثال على ذلك عبر الاسلاك الشائكة »لم يكن يسمح للعراقيين بدخول هذا المكان في السابق« كنت قد تحدثت مع طفلين خارج النصب قبل دقائق وقالوا لي بأنهم الآن يمنعون من دخول حدائق النصب للعب كما كانوا يفعلون قبل الحرب. ذكرت الجندي بأني شخصيا كنت قد زرت النصب مرتين في الماضي. استغرب من كلامي. سألته عن المتحف في الطابق الارضي فقال ان كل ما فيه نهب ولم يبق شيء. وأضاف: »سأقول لك شيئا بشرط ان لا تذكر اسمي: لقد نهب بعض من جنودنا ما تبقى بعد ان نهب العراقيون هذا المكان«. انتظرنا حوالى الساعة ثم قيل لنا ان نعود في اليوم التالي لمعرفة الجواب. عاد اثنان منا في الصباح وقيل لهما اننا يمكن ان نأتي في المساء للتصوير. عدنا قبيل الغروب ليقال لنا بأن الضابط المسؤول غير رأيه ولن يسمح لنا بالدخول. اعترضنا وأكدنا لهم بأننا لن نصور أي شيء له علاقة بالجيش الاميركي وأن كل ما نريد تصويره هو النصب. وافقوا في نهاية الأمر وأرسلوا معنا أحد الجنود لمرافقتنا وطلب منا ألا نصور الجنود أو أماكن نومهم ومعيشتهم »لأسباب أمنية«. مشينا على الطريق المستقيمة المتجهة نحو النصب وكانت العربات المصفحة وبعض الدبابات مصفوفة على الجانبين. شاهدت آثار الجزم العسكرية على القبر الرمزي وكان بعض الجنود قد خط اسمه بإصبعه على طبقة التراب التي غطت الضريح. سألت مرافقنا عن وجودهم في هذا المكان وإذا كان يراه مناسبا، حتى كقوة احتلال: »نحن نكنّ احتراما عظيما لهؤلاء الجنود الذين ضحوا بحياتهم. نحن ايضا ضحينا بحياتنا. وهذا المكان يمثل الحرية التي مات هؤلاء الجنود دفاعا عنها«. ثم تدارك نفسه مصححا »لا أريد ان أقول حرية، لا، هم لم يتمتعوا بالحرية في الماضي. لكنهم ماتوا من أجل بلدهم ومن أجل قضية ما، ربما كانوا يؤمنون بها وربما لا«. سألته: كيف سيكون شعوره لو ان جيشا أجنبيا اتخذ من جدار حرب فييتنام التذكاري مكانا للنوم والمعيشة. »إذا كنا شعبا مضطهدا وجاؤوا لتجريرنا وقرروا استخدام المكان لاعتبارات أمنية وعملياتية، فلا مانع لدي إطلاقا«. قررت ان لا جدوى من التجادل معه وطلبت منه ان يأخذنا الى »جدار الشهداء«. جدار الشهداء كنت قد سمعت ان أسماء كل الجنود الذين سقطوا في الحرب نقشت في بدايات التسعينيات على الجدار المحيط بالنصب تحت الارض. اتجهنا يسارا وشاهدنا درجا ينزل تحت الارض وفوقه علامة كتب عليها: »الخندق: جدار الشهداء«. كان الظلام دامسا والضوء الوحيد هو المنبعث من كاميرا الفيديو التي كنا نحملها. كان الجدار يحمل رتب وأسماء الشهداء بالتسلسل الأبجدي. مشينا لعدة أمتار في الصمت المظلم قبل ان ألمح ورقة بيضاء ملصقة على الجدار. طلبت من زميلتي المصورة ان نقترب منها ونصورها. بدا أنها مطبوعة بالكمبيوتر ويظهر عليها ما يشبه رأس حيوان بالأحمر والأسود (شعار وحدة عسكرية) وقد كتب عليها (بالانكليزية): أي 27. سألت مرافقنا عنها، فقال انها علامة لموضع وقوف السيارات! سألته عن الاسماء التي تحتها، فظل صامتا. توالت علامات الوقوف كل عدة أمتار. ثم رأيت علامة تحدد السرعة بخمسة أميال في الساعة واخرى تحمل سهما يحدد اتجاه السير. ثم طالعنا ملصق يدعو للاشتراك في حفلة للرقص الريفي وآخر عن مباراة بالكرة الطائرة. وكانت هناك أوراق اخرى تحدد عدد ونوع التمارين الرياضية، وبدا ان الممر أصبح ميدانا للجنود. كانت كل الاعلانات تجثم على أسماء الجنود العراقيين. وتكومت بعض الزبالة في احدى الزوايا مع زجاجات وعلب خاوية. مهما كان موقف المرء من الحرب (ولست من هواة الحروب مهما كانت التبريرات) فإن هذا الجدار هو المكان الوحيد في العراق الذي يحمل أسماء مئات الآلاف الذين سقطوا في تلك الحرب اللعينة وها هو قد أصبح مرأبا لعربات الاميركيين وميدانا يركضون فيه. قد يكون النصب، بالنسبة للاميركيين، مثل العراق بأكمله، مجرد فضاء يتم عزله عن ماضيه (الماضي الذي يفضح تورط أميركا مع صدام) وعن معانيه بالنسبة للعراقيين، وليس إلا ممرا للامبراطورية الاميركية نحو مستقبلها، ممرا يختنق فيه العراقيون في الظلام. اقتربنا من المدخل المفضي الى المتحف الذي يقع تحت النصب. ذكّرنا الجندي ثانية بعدم تصوير الجنود وأماكن نومهم. كان المكان قد تحول الى معسكر للجنود الاميركيين ينامون ويعملون فيه. كانت هنا وفرة من الكهرباء والتكييف (وهو ما لا ينعم به العراقيون أكثر من ساعات في اليوم، هذا إن حالفهم الحظ). كانت هناك أجهزة تلفزيون مربوطة بمستقبلات الأقمار الصناعية ومكاتب مجهزة بالكمبيوترات. شاهدت ملصقا يعلن عن عرض لفيلم »ماتركس«. شاهدنا بعض الجنود يمشون هنا وهناك بالنعل والشورت. ابتسم البعض لنا وبدا البعض الآخر منزعجا ومرتابا من هذا الوجود الأجنبي. يمثل نصب الشهيد، بالنسبة لي شخصيا، قبرا جماعيا رمزيا ابتلع ما يقارب المليون عراقي. قبر حفره صدام بوحشية لثماني سنوات. كان العم سام يومها يمده بالعدة الضرورية ويشجعه على المضي قدما لجعل القبر أعمق! وبينما تركز أميركا هذه الايام على المقابر الجماعية التي يتم اكتشافها (والتي لا يدرك من العرب الى الآن هولها وعمق جراحها في الذاكرة العراقية) وتستغل معناها وذكراها لأهداف سياسية وإعلامية، ينام جنودها في هذا القبر الجماعي وتنهمك هي بحفر قبر شاسع للعراق بأكمله! حين صعدنا السلم في طريق العودة، شاهدت مروحيتين من طراز »بلاك هوك« تحلقان في سماء بغداد التي ابتلعها الظلام. القمر بدا حزينا ومنهكا، فليل بغداد طويل.