منذ سنتين والهزات الإرتدادية لزلزال 11 أيلول على الإعلام في العالم وفي أميركا تحديداً لا تزال تتوالى. الحريات الإعلامية تتراجع، وهناك اتجاه لقوننة ذلك. ثمة إشارات إيجابية إلى مقاومة ما في المجتمع المدني الأميركي، لكن هذه الإشارات تشير في الوقت نفسه إلى حجم الضغوط التي تحاول المنظمات المختصة التصدي لها. أتى في هذا السياق، رد (في 5 أيلول الجاري) من قبل محكمة أميركية ضد قرار لجنة الاتصال الفدرالية والتي تسعى إلى السماح بتملّك أكبر لشخصية واحدة، معنوية أو مادية، في وسائل الإعلام. لكن رئيس اللجنة، وهو مايكل باول (ابن كولن باول)، أدلى بتصريحات تظهر عزمه على المضي قدماً في خطته. أما بالنسبة إلى معارضة الحزب الديمقراطي فيقول أستاذ الإعلام في جامعة فرانسيسكو، د. أسعد أبو خليل، أنها ليست للمبدأ نفسه، بل هي ضد »الإفراط في الاندماج والتملك«. يبقى أن تسأل عما يقصده الديموقراطيون »بالإفراط«، عندما تمتلك ثلاث شركات فقط خمسين بالمئة من إذاعات أميركا! بل يشير أبو خليل يشير إلى أن الكثير من القرارات والقوانين الأساسية في هذا الموضوع كانت قد مرّرت في عهد كلينتون. ويشرح أبو خليل أهمية لجنة الإتصال الفيدرالية فيقول: »هي المنظمة لشؤون وشجون كل ما يتعلق بالإعلام المرئي والإذاعي في البلاد. يخطىء من يظن أنه لا رقابة في الولايات المتحدة. فهذه اللجنة على سبيل المثال هي التي تحدد ما هي الكلمات النابية المسموح استعمالها من قبل التلفزيونات والإذاعات وفي أي وقت من اليوم. والقانون الذي رفضته المحكمة بناء على طعن قدّمه محامون ناشطون في مجال حرية التعبير (بعدما كان سيدخل حيز التنفيذ بعد ثلاثة أيام) كان ليزيد من قدرة شركات قليلة على تملك ما تشاء في الولاية نفسها. ففي السابق لم يكن يسمح لشركة تلفزيونية مثلاً أن تمتلك مطبوعة في الولاية نفسها. لقد كان هذا القانون ليدمر مئات الإذاعات والمطبوعات الصغيرة. لكن مع شخص يميني متطرف مثل مايكل باول لم ينته الخطر برأيي. فالرأي العام الأميركي يميل بشكل ظاهر إلى اليمين. واستطلاعات الرأي تظهر ان أكثر من نصف متتبعي الأخبار هم من عتاة المحافظين. وقد أدى النجاح الذي حققته قناة »فوكس« إلى جرّ المحطات الأخرى للتنافس معها على هذا الجمهور«. ويمضي أبو خليل في قراءته للمشهد الإعلامي: »يلاحظ المراقب في السنوات العشر الأخيرة أن الشركات الأخطبوطية التي تمتلك وسائل الإعلام تتمركز أكثر فأكثر إثر إندماجات فيما بينها، حتى لم يعد عددها يتجاوز الأربع شركات. نشاطاتها الأساسية لا علاقة لها بالإعلام،« كما يقول. ثم يستشهد بكتاب عن احتكار الإعلام يقول فيه مؤلفه إن شركة »جنرال ألكتريك« وهي شركة تعلن عن نشاطها في مجال الكهرباء، وتمتلك شركة »ام بي سي« وشركات مطبوعات، لا تعلن للمشاهدين أو حتى للقراء أنها شركة »صناعة تسلّح« أيضاً. لا بل »إن ما يسمّى ب»الحافز النووي« وهو الوسيلة التي تؤدي إلى انفجار القنبلة النووية يصنع في مصانعها. وانطلاقاً من هذه المعلومة يصبح من البديهي التساؤل عن موقف الخط التحريري للقناة »ام بي سي« من مسائل الإنفاق الهائل والمتزايد في الولايات المتحدة على التسلح. ويتابع: »الجواب أكثر من واضح«. ويضيف: »ثم إن التنافس بين وسائل الإعلام الأميركية اليوم، وهنا سأصدم مقلّدي ومقلّدات الولايات المتحدة في لبنان ممن يلهجون بالثناء على الحريات الإعلامية هناك، يجعل الحريات تتقلّص بسرعة. لدرجة أن منظمة مثل »مراسلون بلا حدود« صنفت الولايات المتحدة في الدرجة الثامنة عشرة بين الدول مِن حيث توفر الحرية الإعلامية، بعد.. كوستاريكا«. نسأله عن »الإنضباط« الفظيع لوسائل الإعلام الأميركية إبان الحرب على العراق تحت سقف السلطة، وإن كان ذلك بسبب الاحتكار الإعلامي أيضاً، فيوافق لكنه يضيف أن الجمهور الأميركي إجمالاً يفضل التلفزيون على الصحف: »فمبيعات جريدة مثل »نيويورك تايمز« لا تتجاوز المليون في بلد تعداد سكانه 281 مليون نسمة. واضح مدى الاعتماد على الإعلام المرئي الذي لا يخصص سوى دقائق قليلة للأخبار الخارجية. أما شبكة »ام بي سي« فهي الأكثر مشاهدة من أجل أخبارها، وحسب الدراسات فهي تكرس الوقت الأقل بين الشبكات للسياسة الخارجية. أما بالنسبة إلى الإنضباط فهو لا يأتي من وسائل الإعلام وحسب، بل من الرأي العام أيضاً، فهو الذي يقاوم عرض الرأي المغاير«. وهل هذا يعني أن اليسار لا فاعلية له؟ أو أنه غير موجود لضغط مضاد؟ يجيب أبو خليل: »بعد 11 أيلول لمست تغييراً هائلاً في تعاطي الناس مع الإعلام. فهم يظنون أن عليه الانصياع التام للمشيئة الأميركية لأنها تمثل الإرادة الوطنية في تعاطيها مع الأخطار العالمية التي يُقال لهم إنهم يواجهونها. الرأي العام هو الذي حثّ وسائل الإعلام على الإنصياع بعد 11 أيلول. لا تنسَي أن 60 في المئة من الأميركيين يرون أنه لا يجب أن تنتقد وزارة الدفاع، مثلاً، في وسائل الإعلام!«