الفنان المسرحي سامي عبد الحميد هو اليوم من أبرز مسرحيي الجيل الثاني من المسرحيين العراقيين.. وقد تألق خلال سنوات الستينيات والسبعينيات من خلال الأدوار التي لعبها في عدد غير قليل من أبرز وأهم المسرحيات العراقية.. فضلا عن الأدوار التي أداها في »الدراما التلفزيونية« وفي السينما، وهو ما يزال يواصل دوره المسرحي: ممثلا، ومخرجا، وناقدا مسرحيا.. معبرا عن فاعلية واضحة، واهتمام حقيقي.. ذلك أنه يعدّ المسرح قضيته.. ومن خلال المسرح يمكن للإنسان الفنان، كما يرى، أن يؤدي دوره كاملا دوره الفني، والاجتماعي، والفكري شريطة أن يكون، كما يقول، »مؤمنا برسالته«. في هذا الحوار (أجري قبل أحداث العراق) نتابع أهم وأبرز خطواته كما يراها هو نفسه. ÷ لماذا اخترت المسرح، وما الذي وجدت فيه؟ { المسرح هو الذي اختارني، حيث وجد فيّ الرغبة والمؤهلات الجسمانية والصوتية، والايمان بأن المسرح رسالة نبيلة يمكن التوجه بها الى جمهور المتفرجين نكشف فيها معايب المجتمع وسلبيات الانسان. ورأيت أن دخولي ودخول زملاء لي من المثقفين الى هذا الحقل سيدعوان الى تغير نظرة الناس الرديئة، ولذلك عملنا على أن نقدم للجمهور كل ما هو رفيع وملتزم. لقد وجدت في العمل في مجال المسرح تمثيلا وإخراجا متعة تفوق كل المتع. لقد منحني العمل المسرحي فرصة واسعة لتوسيع مدى معرفتي وآفاق ثقافتي العامة والخاصة. لقد وجدت في المسرح المكان المناسب للتعاون والألفة وشحذ الخيال ونشر كل ما هو جميل وخيّر، وقد وجدت فيه بيتي الثاني الذي أرتاح فيه وأزيح عن ذهني هموم الحياة ومشاكلها. رؤية فنية ÷ أنت ممثل، ومخرج، وأستاذ مسرح له وجهة نظره وموقفه في هذا الفن. فهل تجد جانبا من شخصيتك هذه يتدخل في عمل الجانب الآخر أثناء العمل؟ { وأنا أحمل كل هذه العناوين وأحمل معي خبرتي وتجاربي التي تراكمت عبر أكثر من نصف قرن، تبلورت لدي وجهة نظر قد لا تختلف كثيرا عن وجهات نظر الكثير من العاملين في حقل المسرح والحقول الفنية الاخرى وهي ان للفن بمختلف أنواعه قيما فكرية وعاطفية وجمالية ترفع المتلقي الى مستوى أعلى مما هو عليه ويسمو به فوق مستوى الحياة اليومية ويبعث في نفسه النشوة التي تصعد روحه الى ما هو نبيل ورفيع وجميل ونموذج، لذلك أقف ضد كل ما هو سطحي وسهل وضد كل ما يبقي الذائقة على حالها ولا يؤدي الى رفعها من مرتبة الى مرتبة أعلى، كما أقف ضد كل ما هو غامض ومبهم ولا يدعو الى التأويل والاكتشاف. وما من شك في أن تراكم الخبرة بلور شخصيتي الفنية مما أثر في عمل الذين يشاركونني وخصوصا الممثلين منهم، وكثيرا ما يقال إن الممثل الفلاني يقلد سامي عبد الحميد مع أنني لا أعتمد التلقين والاستنساخ، ولكنه التأثير والتأثر. وفي مجال التأليف فقد اعتدت فرض شخصيتي، او لنقل رؤيتي الفنية على النصوص التي أتصدى لإخراجها فأجري فيها التعديلات والتغييرات التي تتماشى وتلك الرؤية، وربما خالفني بعض المؤلفين، وبما لم يحالفني الحظ بالنجاح في البعض منها، ولكن ما في مخيلتي يدفعني دائما لفرض شخصيتي. ÷ عبر مسيرتك الفنية الطويلة قدمت أعمالا كثيرة.. ولكن لا بدّ من أن يكون هناك عمل ما، تعدّه العلامة المميزة في مسيرتك الفنية؟ { هناك أكثر من عمل واحد أعتبره متميزا في مجال الاخراج، هناك (القرد الكثيف الشعر) ليوجين أونيل، و(ملحمة كلكامش)، و(بيت برناردا البا) لغارسيا لوركا مع فرقة المسرح الحديث. و(ثورة الزنج) لمعين بسيسو في أكاديمية الفنون الجميلة، و(المونتاج) ليوسف العاني مع فرقة المسرح الحديث، و(عطيل في المطبخ) مع طلبة أكاديمية الفنون الجميلة الدراسة المسائية، و(الحيوانات الزجاجية) لتنسي وليامز مع الفرقة القومية للتمثيل. ÷ وأبرز دور أديته ممثلا..؟ { في مجال التمثيل أعتبر تمثيلي لدور المتنبي في مسرحية (المتنبي) لمؤلفها عادل كاظم ومخرجها إبراهيم جلال علامة بارزة في مسيرة حياتي الفنية، ولكن هناك أدوارا أخرى تميزت بها، مثل الملك لير في مسرحية شكسبير (الملك لير) التي أخرجها صلاح القصب. وهناك دوري المتعدد الوجوه في مسرحية (رحلة في الصحون الطائرة) من إعداد فيصل الياسري وإخراج إبراهيم جلال. ÷ وهل هناك دور كنت ترغب في تقديمه، ولم تقدمه حتى الآن؟ { لا، لا يوجد مثل هذا الدور في ذهني الآن، ولكن كنت أتمنى أن أمثل دور المتنبي في المسلسل العراقي (أبو الطيب المتنبي) الذي أخرجه المخرج المصري الراحل إبراهيم عبد الجليل للتلفزيون، ومثل الدور بوقتها الممثل المصري الراحل (أحمد مرعي)، حيث أعتقد أن ذلك المبدع لا يمثل نكهة الأجواء العراقية وسلوك الشخصية العراقية في شخص الشاعر العظيم. ÷ وهل هناك عمل مسرحي كنت تود إخراجه ولم تخرجه؟ { ليس في ذهني الآن عمل أود إخراجه ولكن كان بودي أن أخرج مسرحية فلاح شاكر (الرحلة الأخيرة للسندباد) التي أخرجها بنجاح المخرج عزيز خيون. وأفكر الآن بإخراج مسرحية بيتر فايس (ماراصاد). ÷ لو أتيح لك أن تستأنف مسيرتك الفنية من جديد.. فماذا تراك ستفعل؟ { لو أتيح لي أن استأنف مسيرتي الفنية من جديد لأعدت إخراج بعض المسرحيات التي أخرجتها ولم تصل الى المستوى المرضي، ومن تلك المسرحيات (الملكة والمتمردون) لأغو بيتي، و(مهاجر بريسبان) لجورج شحادة، وأهم من ذلك أن أكون مجموعة من الفنانين الشباب يكرسون كل وقتهم وجهدهم للعمل معي في إطار استوديو او ورشة تسير مسار الفرق التجريبية. قفز بين الأساليب ÷ وكيف تجد واقع المسرح العربي اليوم في ظلّ التجريب، واعتماد الصورة والحركة بديلين من »النص«؟ { لم يستطع المسرح العربي لحد اليوم، بالرغم من مرور أكثر من قرن من الزمن على نشأته الحديثة أن يبلور تقاليد عمل كتلك المعمول بها في المسارح المتقدمة في بلدان العالم. ومن تلك التقاليد أن يتبنى ويعتز بالكتاب المسرحيين الرواد أمثال أحمد شوقي، وتوفيق الحكيم، وخالد الشواف، وغيرهم، وذلك بإعادة إنتاج مؤلفاتهم بين الحين والآخر، ومنها أيضا ان يكون لدى فرق مسرح الدولة (المسرح الوطني او القومي) برامج ثابتة تجمع بين القديم والمستحدث على وفق نظام (الريبتوار) والخطة الطويلة والقصيرة الأمد، كما هو الحال مع الفرق المسرحية الوطنية في البلدان المتقدمة مسرحيا. ومنها كذلك أن يبلور جمهورا متذوقا لجميع الأنواع والأساليب المسرحية، وليس المسرحيات الهازلة فقط، وربما أضحى التقليد الوحيد الذي ساد الساحة المسرحية العربية في الربع الأخير من القرن العشرين هو ثوابت المسرح التجاري وتقنياته التي تشترك في استخدامها جميع الفرق الخاصة في أرجاء الوطن العربي حيث تتشابه عروضها في أي قطر ظهرت مما استقطب جمهورا واسعا وجد فيها مجالا للتسلية والترفيه أكثر من التثقيف وتصعيد الذائقة، وقام المسرحيون الجادون بالقفز بين الأساليب المسرحية المستحدثة قبل أن يرسخوا جذور المسرح التقليدي ويثبتوها، وبدلا من ذلك لجأوا الى التجريب الذي لا يستوعبه الا الخاصة من الجمهور وبذلك حدث الخلل وعدم التوازن بين الكم الهائل من المسرحيات الهازلة والقليل من المسرحيات الجادة. ومثل هذا الخلل غير موجود في البلدان التي رسخت تقاليدها المسرحية. اعتماد الصورة والحركة بديلا عن النص المنطوق تقنية من تقنيات بعض الفرق التجريبية وليس جميعها، ولا تحتل تلك الفرق إلا حيزا ضيقا في الساحة المسرحية عالميا وستبقى الكلمة المسنودة بالصورة وبالحركة هي السائدة. وما يثبت قولنا هذا النسبة العالية من المسرحيات التي تعتمد النص المنطوق مقارنة بتلك التي تعتمد الصورة والحركة فقط. صحيح أن الصورة أقل تأثيرا في المتفرج، ولكن ألا تزداد قوة التأثير إذا ما اجتمع الصوت والصورة في التعبير الدرامي الحي. أمر بديهي عندما تستقبل حاستان السمع والبصر الموقف الدرامي المجسد على خشبة المسرح. ÷ لماذا لا يتقدم الفنان العراقي بمشروع جديد، لاتحاد الفنانين العرب، وتكون نواته التعاون العربي المشترك؟ { مشروع العمل العربي المشترك أمل الكثير من المسرحيين في قطرنا وفي الأقطار العربية الأخرى، ولكن تحقيقه ليس بالأمر اليسير، وتأتي الصعوبة أولا من استعداد الجهة التي تتحمل تكاليف الانتاج وهي حتما باهظة، خصوصا عندما يحتوي العمل على مجموعة كبيرة من الممثلين والفنانين والفنيين. وتأتي ثانيا من توفير النص المناسب الذي يلقى قبولا من الجهة المنتجة ومن الفنانين المشاركين، ومن الجمهور العربي الواسع. ولا أعتقد أن لدى اتحاد الفنانين العرب ولا اتحاد المسرحيين العرب في الوقت الحاضر مثل ذلك الاستعداد لأسباب مالية بالدرجة الأولى. وإذا ما تحقق في ما سبق مشروعان من هذا القبيل فقد كان تحقيقهما بمبادرات شخصية من فنانين مقتدرين ماليا. ويبدو لي أن البديل عن مثل هذا المشروع هو تبادل الخبرات بين الفرق المسرحية العربية، وإحياء المهرجانات العربية التي جمدت نشاطاتها ومنها مهرجان دمشق ومهرجان بغداد. حضور وجوائز ÷ كيف تحدثنا عن مشاركاتك في المهرجانات وكيف تنظر الى الجوائز التي حصلت عليها؟ { شاركت في مهرجانات عربية وأجنبية عدة، سواء أكنت ضيفا ام عضوا في لجنة التحكيم ام باحثا ام ممثلا ام مخرجا، ومنها مهرجان دمشق للمسرح العربي، ومهرجان القاهرة للمسرح التجريبي، ومهرجان ربيع المسرح في المغرب، ومهرجان قرطاج في تونس، ومهرجان المسرح الأردني، ومهرجان أيام عمان المسرحية، ومهرجان البحر المتوسط في كونفر سانو، ومهرجان مدينة السويس، ومهرجان الشارقة، وأخيرا مهرجان المسرح الجامعي في بيروت، وبالطبع مهرجانات بغداد المسرحية. وحصلت على العديد من الجوائز من المركز العراقي للمسرح عن التمثيل والإخراج، وحصلت على جائزة أفضل ممثل عن دوري في الملك لير في مهرجان بغداد للمسرح العربي عام 1985، وحصلت على جائزة التتويج من إدارة مهرجان قرطاج المسرحي، وحصلت على جائزة الإبداع من وزارة الثقافة العراقية عام 1993، وحصلت على وسام الثقافة التونسي الممنوح من قبل رئيس الجمهورية التونسية. ÷ أين أنت الآن، ولماذا هذا الابتعاد؟ { أنا ما زلت صامدا في وسط فني تتقاذفه الأمواج والتيارات العاتية، ويطفو فيه الزبد على السطح، مع الأسف، ولكني أؤمن بأن الأصيل هو الذي يبقى رغم اختفائه عن السطح. لم أبتعد عن الوسط المسرحي لحظة، ولكني ابتعدت عن وسط التلفزيون لأنني لم أجد فيه المستوى الفني الذي يرضيني ولا الدور الذي يمحو من ذاكرة الناس أدواري السابقة، ومع ذلك اضطررت لأن أشارك في مسلسلين دراميين في الآونة الأخيرة، وآخر أعمالي المشاركة في المسلسل الرمضاني اللبناني السوري العراقي الإيراني المشترك (المتنبي).. ربما لأنني فكرت في التواصل مع الجمهور ولا أدري نتائج العملين وهل سترضي المتفرجين أم لا. آمل ذلك كي لا يخيب ظنهم في الفنانين العراقيين، وإلا عدت الى الابتعاد مرة أخرى. ÷ وهل أنت راض عن المتنبي؟ { المتنبي الشاعر أم المتنبي المسلسل؟! ÷ المسلسل.. لا يوجد من لا يرضى عن المتنبي الشاعر. { نعم هذا صحيح.. المتنبي المسلسل كان في بداياته جيد جدا وقد صور في بغداد ودمشق وحلب ولبنان وإيران، ولكن المؤلف جعل فيه شخصيات كثيرة من الخلفاء بحيث ضيعت المشاهد، وكذلك فقد ازدحم العمل على المنتج، بحيث تم اختزال العمل لأنهم يريدونه بثلاثين حلقة رمضانية، وقد شارك فيه العديد من الممثلين العراقيين منهم سامي قفطان وآسيا كمال وطه علوان وغالب جواد الذي قام بدور المتنبي الصغير وغيرهم. ÷ وآخر آخر الأعمال؟ { عمل جديد هو (يهودي مالطا) لكرستوفر مارلو من إخراجي لحساب لجنة المسرح العراقي.. وهذا العمل هو شهادة أديب أجنبي عن أفعال اليهود.. لا أستطيع القول أكثر من ذلك حتى لا أفسد ما في هذا العمل الكبير. (بغداد)