As Safir Logo
المصدر:

فيروز ليالي بيت الدين... ليست أسطورة لكنها لا تزال سيدة لعبتها

المؤلف: نهرا هالة التاريخ: 2003-09-05 رقم العدد:9591

لفتني ما جاء في »كلاكيت« »السفير« في الصفحة الثقافية في تاريخ 28 آب 2003 حيث تناول الكاتب نديم جرجورة بمنحى انتقادي الطبيعة المتأصلة في الذات العربية التي تجنح الى تقديس وشبه تأليه »الكبار« (تأثراً بما كتبه المفكر الالماني وليم رايخ). من المؤسف ان كبار النقاد والمعلّقين عملوا في كتاباتهم عن أمسيات فيروز ضمن فعاليات مهرجان بيت الدين على تكريس هذه الفكرة، دون التطرّق الى الجوانب النقدية التي من شأنها إيصال وجهة نظر أو على الاقل انطباع تقييمي موضوعي. مما دفعني الى الكتابة عن فيروز وزياد الرحباني معاً بعد عمل متواصل قدّم الى الجمهور بتلك الحلّة. جديد فيروز وقبل الحديث عن الامسية بشكل شامل ومتكامل فلنبدأ بجديد فيروز. فقد غنّت "Al Ayil" على مقام العجم. تميزت تلك الاغنية باستخدام متكرر وبارز لآلتي العود وبخاصة الكلارينيت »كرنيطة« التي غالبا ما شكلت جزءا لا يتجزأ من مناخات انطلياس الموسيقية وبخاصة في حي »قبيزي« الذي نشأ وترعرع فيه الاخوان رحباني وحي »حارة الغوارنة«، حيث كانت »الكرنيطة« الى جانب بعض الآلات الموسيقية الاخرى تصدح في الامسيات الشعبية وفي المناسبات المحلية والوطنية. والواضح تأثر زياد الرحباني في هذه الاغنية برقصة العرس للاخوين رحباني التي برزت فيها الكلارينيت. وكأنه تعبير عن التواصل بصيغ جديدة لهذه الاجواء، هذا طبعا مع الorchestration الخاصة بزياد ودور عائلة الكمان والايقاع (Percussions et rythme). أما أغنية »يا سلام« التي عزفت سابقا في دبي، فقد شرع فيها زياد بارتجال على البيانو (قد يكون مدوناً) وهي على مقام النهوند مع تغيرات في العقد الثاني (Tetracorde supژrieur) اي اذا أردنا تحليل هذا الmode كلاسيكيا فهو الmineur لكن بدون sensible. (ويصل عربيا الى حدود الحجاز احيانا). اللافت في هذه الاغنية دخول فيروز في عدم انتظام ايقاعي يشبه الAd Libitum وكأنها مغنية جاز متمرسة، فلحاق البيانو القريب نمطيا من الRubato الرومنسي. ثم دخول الاكورديون (وكأنه يعزف بيد واحدة) لتأدية الميلودي، فالكمنجات على انواعها، مع التقطيعات الايقاعية، وبعدها قطيع الCuivres أي آلات النفخ النحاسية التي لعبت دوراً في اشتعال اللحظة. أما الarpڈges على البيانو فقد أتوا في الدقيقة 35,2 ليعيدوا الاغنية وفيروز معا الى البداية لكن مع فارق بسيط الا وهو الخلفية الاوركسترالية لتغليف وتصعيد الموقف الكلامي الخاص الذي يعتبره البعض مدرسة قائمة بحد ذاتها في الشعر الحديث الواقعي. وإذا فصلنا الميلودي عن باقي الهرم الموسيقي لرأينا جملة نغمية تشبه الى حد بعيد ألحان سيد درويش الذي مثل في تلك الحقبة دوراً مغايراً للموسيقى السائدة والمفاهيم العربية التي كانت ولمّا تزل أساسا في تطوير النظرة العامة الى الاغنية العربية. لبّ مشروع درويش الموسيقي تجلى في البساطة من جهة، والتألق الابداعي من جهة ثانية. من هنا أرى ان في اغنية »يا سلام« نوع من التأثر والتواصل مع منحى سيد درويش. وفي ما يخص أغنية »الله كبير« فالمثير هو doublure البيانو مع الغيتار الكهربائي لأول مرة، والdoublure تعني عزف آلتين تؤديان جملتين متطابقتين بشكل أفقي لا عمودي، حتى على مستوى تسلسل النوتات، أي بمعنى أبسط جملة واحدة تؤديها آلتان مختلفتان. وقد اعتدنا سابقا على Doulure البيانو مع الRhodes في اعمال زياد السابقة. والنافر تأثر زياد في هذه الاغنية بaccords الجاز اللاتيني. ويمكن القول ان هناك شيئا من موسيقى الPop على مستوى البيانو. مواطنة أما إدخال زياد بعض أغانيه التي عرفت في ظل صعود واحتدام الصراع السياسي، الاجتماعي والطائفي مثل »جايي مع الشعب المسكين« الذي بات نشيداً يردد في اوساط جماهيرية وشبابية معينة، في مناسبات احتفالية واحتجاجية كالمهرجانات، الاعتصامات والتظاهرات، فيحمل في طياته معاني كثيرة تحديداً لدى مشاركة فيروز في الانشاد مع الكورس وكأنها صرخة عبّرت فيها المغنية عن وجع المقهورين وأثبتت انها ليست كما يحكى ويكتب عنها حتى من قبل الشعراء والمثقفين بأنها لا تطال ولا تمس على اعتبارها »سفيرتنا الى النجوم« أو أسطورة دخلت في اللاوعي الجماعي العربي، بل هي مواطنة لبنانية تجسد هموم الناس وآمالهم من خلال موقعها الفني. لكن أغنية »راجعة بإذن الله« التي غناها المرحوم جوزيف صقر في مسرحية »فيلم اميركي طويل« في اوائل ثمانينيات القرن الماضي خلال الحرب الاهلية اللبنانية، حيث حملت وقتئذ مدلولات تشاؤمية تشير الى عدم الثقة بوقف هذه الحرب وانتهائها، وقد برهنت السنوات التي تعاقبت صحة ذلك، تدفعنا الى التساؤل اليوم عن إدراجها في سياق برنامج أمسية فيروز. أتراها ترتبط بنفس رؤية زياد حيال الوضع الSociopolitique ام انه اختيار فني محض؟ وقد غنت فيروز سلسلة من إنتاجات الاخوين رحباني مثل »يا حجل صنين« (1964)، »يا طير« (1966)، »يارا«. أما أغنية »بعدك على بالي« فهي غريبة بتوزيعها الحالي مع كثرة الnotes dissonantes بعد المقدمة تحديدا في الدقيقة 3,3 حين سرّع زياد الTempo بدون سابق إنذار أو حتى إشارة في سياق جملة شعرية؛ وكأنه يقوم بذلك بنوع من موسيقى تصويرية للمشهد الصيفي، لتعود الكمنجات (حسب تحليلي الشخصي) وتعيد في إطار رومنطيقي النمط المياه الى مجراها. لكن تلك العملية لم تنجح بالكامل في خلق ديناميكية ونبض للنص الموسيقي، إما بسبب الموزع وإما بسبب قائد الأوركسترا »ديرغاريان«. وإذا أردنا الحديث عن المكونات الفنية الأساسية تطرقنا الى عناصر الأوركسترا التي لبت متطلبات زياد الموسيقية بعدما كان يشكو مرارا وتكرارا من ندرة العازفين اللبنانيين والعرب القادرين على تنفيذ وترجمة مؤلفاته. مما لا ريب فيه أن المايسترو قد لعب دوراً مهماً ليس فقط على صعيد القيادة والتنسيق ما بين أجسام وأقسام الآلات الموسيقية، وإنما قام أيضا بإضفاء روحه الخاصة الشرقية الأصل لكن وفق منهاجيته الكلاسيكية. هذا ما ساهم في إيصال فكر زياد بوضوح تحديدا في أغاني ومقطوعات احتاجت الى الدقة والأمانة الحتميتين لكن مع نفحة قيادية إذا صح القول لضبط الأدوار، توزيع المهام، التقاط الحالة وتصويبها إذا خرجت عن مسارها. أما كورس النساء فلم تكن أصواته متناسقة ومتماهية بسبب التباين لا بل الاختلاف في كيفية استخراج الصوت. وقد رصّع الفرقة عدد من العازفين المحليين: روني برّاك (طبلة) حيث تجاوز الإيقاعات المرسومة وكسرها، إيمان حمصي (قانون) التي أجادت في صولو في القسم الثاني من الأمسية، منير خولي (غيتار) الذي شكل خلفية في غالب الأحيان لا تلاحظها سوى القلة، عازفي العود والبزق السوريي الجنسية وآخرين. قد ترى شريحة من الناس نخبوية كانت أم مجرد مولعين بالمدرسة الرحبانية أي زياد والاخوين رحباني ان صوت فيروز لم يعد كما اعتدنا عليه سابقا، هذا الكلام صحيح، لكن على اولئك ان يدركوا ان قماشتها الصوتية صارت تميل الى الalto بكل معنى الكلمة اكثر منه الى الmezzo/ soprano وباتت تطال بحبالها الصوتية نوتات غليظة (graves) مع الحفاظ على إمكانية التلاعب بالنوتات الحادة (aigues) ولكن عبر صوت هوائي (Voix de tگte). هنا تكمن أهمية فيروز وذكاؤها في الاداء. لا شك في ان المغنية لا تصيب دائما النوتة المرسومة بدقة متناهية وقد تخرج عن التقاط الموجة لتعود بعدها وتدخل في الtonalitژ كأن شيئا لم يكن. وهذا الامر ليس بجديد: انها فيروز الخبيرة في قيادة اللعبة ومجاراتها...

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة