As Safir Logo
المصدر:

مال مع صحبه إلى لغة يومية ملموسة مضادّة للبلاغة والرنين فاضل العزاوي: تجربتنا أوسع من »شعر«.. اعتَبَرَتْ الحداثة قضية لغوية واعتبرناها كونية

المؤلف: شفيق هاشم التاريخ: 2003-08-08 رقم العدد:9567

الشاعر فاضل العزاوي، أحد أبرز أصوات جيل الستينيات في العراق، شاعر وقاصّ وروائي ومترجم وناقد وصحافي وهو في هذه الميادين كلها يقدّم نصاً متميّزاً لا يقل أحده عن الآخر في سياق القيمة الجمالية والفنية وهذه الميزة تعد من النوادر ان يبدع كائن في الشعر والرواية والقصة او في مجال العمل الصحافي بالدرجة نفسها وبالمستوى إياه مقارنة مع حقل جمالي آخر، هنا حوار عن مجمل تجربته الإبداعية. ÷ البدايات دائماً مثيرة، هلاّ حدّثتنا عنها في كركوك؟ { بدأت كتابة الشعر وأنا في المرحلة الابتدائية وكنت أيضاً أحفظ بعض القصائد لألقيها في »تحية العلَم« ومن خلال حفظي للقصائد الشعرية اقتربت من عالم »ألف ليلة«، بعدها كتبت قصيدة وأرسلتها الى صحيفة »اليقظة« وهي صحيفة قومية كانت تصدر في بغداد آنذاك، وعندما انتقلت الى المتوسطة كان مدرّس الرسم سنان سعيد ويشرف على مجلة اسمها »صدى الشباب« ساهمت معه وكتبت مقالة لم أزل أتذكرها عنوانها »الفن والحياة«. ÷ هل كان معك في المدرسة أحد الأسماء التي نعرفها؟ { كان معي مؤيد الراوي، ومنذ ذلك الوقت ربطتني بمؤيد صداقة وطيدة، وقتها مؤيد كان منهمكا بإصدار جريدة حائط في المدرسة نفسها، كانت هناك مجلة »الهدف« وهي مجلة حائط للطلبة المسائيين، وكان من كتّابها الشاعر أنور الغساني والقاص زهدي الداوودي والشاعر قحطان الهرمزي والشاعر يوسف الحيدري، هؤلاء كانوا يتمتعون بنظرة كلاسيكية الى الأدب، ثم جئنا أنا ومؤيد الراوي وعملنا نشرة أخرى اسمها »السهم« وكانت بمثابة اختراق للهدف، وفيما بعد تعرّفنا على المجموعة وأصبحنا أصدقاء. ÷ وبعدها كيف خرجتم عن نطاق المحلية؟ { في عام 1956 كتبت قصائد كثيرة، بعثت واحدة اسمها »رماد العودة« إلى »مجلة المجلة« وهي مجلة أدبية كانت تصل الى كركوك، ويحررها الشاعر يوسف الخال وأدونيس الذي لم يكن يكتب باسمه الحقيقي، بل باسم »شاعر الأرض« وفجأة وجدت ذات يوم القصيدة منشورة في المجلة في صفحتين، بالطبع المجلة كان يصدرها الحزب السوري القومي الاجتماعي، وفي هذه الفترة نشرت أيضاً في مجلة »الأديب« لصاحبها ألبير أديب، في هذه الأثناء أخذت جماعة كركوك تزداد وتتوسّع فانضم الينا ممثلون وشعراء وقصاصون ورسامون، بعضنا كان يذهب الى المكتبة الأميركية ليقرأ وأنا كنت أحدهم، حيث قرأت هناك »الأرض الخراب« لإليوت وأديث ستويل. خلال هذه الجولات تعرّفت على القاص والكاتب المسرحي جليل القيسي وكان عائداً لتوّه من أميركا وغرض الذهاب كان لكي يمثل في هوليوود. ÷ ماذا عن سركون بولص وجان دمّو وصلاح فائق؟ { كنا نجلس في احدى مقاهي كركوك يوم جاء اليّ شخص وقدّم نفسه وقال إنه يكتب الشعر، وتحدّث عن صديق له يكتب الشعر أيضاً قال اسمه جان دمّو، هذا الشخص كان الشاعر سركون بولص، حدث هذا بعد ثورة تموز عام 1958 بيت سركون آنذاك في وسط كركوك، وكنا نذهب اليه ونقضي أوقاتا في الحديث عن الشعر والأدب والثقافة. أما الشاعر صلاح فائق، فقد تعرفت عليه من خلال اتحاد الطلبة التابع للشيوعيين، إنما كان صلاح ينضم الى مجلسنا ويظل منصتا صامتا لا يتكلم، فأطلقنا عليه لقب »مالك الحزين«. ÷ إذن كنتم أثناء ثورة تموز في كركوك؟ { أجل، وقد شكلنا في الفترة الملكية رابطة أدبية سرية. بعضنا لحقته صبغة الشيوعية مثل الشاعر أنور الغساني ويوسف الحيدري وقد اعتقلا من جراء ذلك. ÷ كيف تمّت العودة الى بغداد؟ { عام 1959 أنهيت الثانوية، فانتقلت الى بغداد، داخلا الجامعة، كلية الآداب، فرع الأدب الانكليزي، استمرّت دراستي حتى العام 1962، في هذه الأوقات جاء الغساني والراوي ليعملا معلمين في المدارس الابتدائية، والتحق أيضاً الهرمزي والحيدري ليقيما في بغداد. ÷ ما طبيعة توجّه الهرمزي؟ { قحطان الهرمزي كان شاعرا لديه مجموعات شعرية مطبوعة، وكان ذا توجّه قومي تركماني، اتهمنا بالشيوعية كونها معادية للقومية التركمانية ثم انفضّ عن المجموعة نهائياً، علما انه كان شيوعياً في العهد الملكي، ومن اتهاماته قال: ان الشيوعيين منحازون الى الأكراد ضد التركمان. دخل أنور الغساني أكاديمية الفنون الجميلة كرسام وخطاط، ثم فتح مرسما في شارع السعدون، كنت أذهب اليه لأقضي أوقاتاً معه في قلب العاصمة بغداد. الينابيع ÷ حدثت انعطافة أدبية كبرى في فترة الستينات كنت أنت رائدها ماذا عنها؟ { حينما كنا في كركوك تشكلت عندنا وجهات نظر جديدة في الشعر والكتابة، وقبل ثورة تموز، كنا قد قرأنا معظم الكتّاب الروس الكبار والانكليز والأميركان، وكان لدينا اطلاع أيضاً على الشعر العربي الكلاسيكي، ثم تعرفنا على الشعراء العراقيين المجددين مثل السياب والبياتي والحيدري وبلند ونازك وأدونيس ويوسف الخال، لم نكتف بقراءتهم بل بدأنا نقرأهم بطريقة نقدية، بالطبع كان هناك من يُعجب بالبياتي ومعظم مجموعتنا كانت مُعجَبة بالبياتي، أما أنا فكنت أعتبر السياب الأكثر أهمية وإبداعا بينهم، مؤيد كان يحب نازك الملائكة، ومعظم المجموعة لا يمتد الى أدونيس، كان يمتلك بانوراما غنائية لكنه ليس قريبا مني، فالنقد الأساسي الذي وجهناه الى المدرسة اللبنانية وجهناه الى أدونيس بدرجة أساسية، لأننا ملنا الى لغة الحياة اليومية الى لغة ملموسة وليست ذهنية، وفي الوقت نفسه كنا ضد البلاغة واللغة الرنانة، ولهذا السبب أحب العديد منا البياتي لبساطته التعبيرية، ورأوا السياب قريباً من الكلاسيكية، لكن المصدر الأساسي الذي تربينا عليه وتعلمنا منه، هو الشعر الأوروبي، وكان من ضمن منهاج دراستي المقرر نصوصاً ابتداء من تشوسر وشكسبير وكيتس وكولردج وشلي وانتهاء بالشعر الانكليزي الحديث برموزه الشعرية والنقدية، وكان لدينا أساتذة انكليز، لهذا توفّرت لدينا عدة ينابيع لإثراء ثقافتنا. ÷ غير الشعر الانكليزي لمن قرأت؟ { قرأت نيرودا ولوركا وناظم حكمت. ÷ هل قرأتهم كونهم شيوعيين؟ { لا، بل كونهم شعراء، وكنت أحب ستيفن سبندر، رغم انه معاد للشيوعية، وأحببت الشعر التركي بلغته الأصلية، وكذلك بعض الشعر التركماني العراقي. ÷ والشعر الكردي؟ { لدي أيضاً اطلاع عليه، أحيانا أفهم اللغة الكردية من خلال الكلام، وفي الجامعة أيضا تعلمنا العروض الانكليزي »الإيامبيك«. ÷ هل اعتقلت بسبب اعتناقك الشيوعية؟ { في عام 1963 إثر الانقلاب البعثي الفاشيستي، اعتقلت في البداية في كركوك، ثم في بغداد واعتقل أيضا مؤيد الراوي وأنور الغساني وزهدي الداوودي هرب الى الجبل، وعندما سقط حكم البعث على يد عبد السلام عارف خرج مؤيد وأنور من السجن عام 1964 وأنا عام 1965، ومن السجن بعثت قصائد، فنشرت في »الآداب« مجلة سهيل ادريس مثلا قصيدة »قضية هاملت« ووصلني العدد وأنا في السجن، ونشرت أيضاً قصيدة »إنني أؤمن بالريح« ودراسة عن غوغان في مجلة الأقلام العراقية وقد أرسلوا مكافأتي الى البيت، كل ذلك كان أثناء الفترة العارفية الأولى. ÷ وجليل القيسي هل سُجن؟ { اعتُقل جليل في كركوك أيام حكم البعث الأول وخرج في الفترة العارفية. ÷ كيف كانت بغداد في أواسط الستينيات ونهايتها؟ { سر الحركة الستينية كان يكمن في أواسط الستينيات، اذ معظم المثقفين شعر آنذاك بالكارثة التي مرّت بالبلد. بيان 69 ÷ ماذا تعني بالكارثة؟ { أعني الصراع الدموي الذي نظّمه البعثيون، حيث جرى اعتقال المئات من المثقفين وتم تعذيبهم وفصلهم من وظائفهم، ولكن المسألة لم تتوقف عند هذا الحد، إذ سرعان ما دار الدولاب وأتى بالعبثيين الى السجون في عهد عارف فأصبح الخصمان في قفص واحد، هنا تغيّر مجرى التاريخ قليلاً حيث أصبح المثقف لأول مرة يفكر بطريقة مستقلة، أخذت غالبية المثقفين بالابتعاد عن التنظيمات الأيديولوجية وصار الجميع ينتقد الفترات السابقة، بدأ البعثيون كذلك يدينون سياسة حزبهم الدموية. ÷ هل هناك مثال ما؟ { خذ مثلاً سامي مهدي وعبد الأمير معلة ومالك المطلبي وحميد المطبعي وموسى كريدي، هؤلاء كانوا ينعتون حزبهم بالفاشية. ÷ ماذا عن المقاهي في تلك الفترة؟ { أهم مقهى كان للمثقفين في تلك الفترة هو مقهى البلدية في ساحة الميدان عند باب المعظم كانت الغالبية تأتي إليه في فترة الصباح والظهرية لأنه في المساء يُغلق، والحلقة الأدبية تزيد على الثلاثين شخصاً، كان المقهى كبيراً وواسعاً حتى أن بعضهم ينام على التخوت في الزوايا الخلفية. ÷ ومقهى سمر؟ { مقهى سمر يقع في زقاق سينما الخيّام المتفرع من شارع الرشيد وكان المقهى صيفياً ويموت في الشتاء، لكن شريف الربيعي جاءنا مرة وقال هناك مقهى تلتقي فيها مجموعة أدبية اسمه مقهى مجيد والمجموعة تتكون من وليد جمعة وجليل حيدر وعبد القادر الجنابي ورياض قاسم وحسين عجة وعبد الرحمن طهمازي وحسين حسن، وفاضل عباس هادي، سمّي المقهى فيما بعد بمقهى ابراهيم والمعقدين والعظماء والسلطات البعثية سمّته نكاية بنا بمقهى الثامن من شباط تيمنا بالانقلاب الدموي البعثي في عام 1963. المقهى كان يقع في زقاق ضيق يؤدي الى الشارعين الشهيرين السعدون »و»أبي نواس« حيث تضرب المواعيد في المقهى بغية الذهاب مساء الى الحانات المبعثرة في هذين الشارعين. ÷ ما قصة البيان الشعري مَن كاتبه ومَن وقّعه؟ { البيان الشعري نشر في العدد الأول من مجلة »الشعر 69« التي كنت مسؤولها الأول مع سامي مهدي المسؤول الثاني، فكرنا آنذاك أن نصدر بياناً مع إصدار المجلة، فكتبت البيان أنا ليوقّعه سامي مهدي وخالد علي مصطفى وفوزي كريم الذي اقترحه سامي مهدي. ÷ هل تتذكّر زيارة أدونيس الى بغداد التي كانت الأولى والوحيدة، فقبل أيام نشر شيئاً عن زيارته هذه؟ { اعتقد ان أدونيس كان مبتهجاً جداً وقد احتفى به الأصدقاء العراقيون ودعوه الى بيوتهم، ولم أشعر قط انه كان منزعجاً من أي شيء، واعتقد على ما اذكر ان زيارته كانت فرصة للتعرف على الأدباء والمناخ الأدبي الذي ساد في تلك الفترة، أما فيما يخصّ ما نشره مؤخراً فهو شيء جديد عليه وعلينا نحن العراقيين، أرى في كتابته نوعاً من الضغينة التي لم أشعر بها خلال زيارته آنذاك. ÷ هل ذهب إلى النجف؟ { أجل ذهب معنا الى زيارة النجف ضمن وفد الأدباء العرب المنعقد آنذاك في بغداد. ÷ ما اثر مجلة »الكلمة« التي تصدر في النجف على الجيل الستيني. { لعبت مجلة الكلمة دوراً في تقديم الأدب العراقي الحديث، وكان حميد المطبعي يتصل بالشعراء والكتاب وينشر لهم بكل شجاعة، كما يحاول ان يوصل المجلة الى كل الكتّاب والأدباء العرب في الخارج، حميد لم يكن وحده الذي يقوم بالتحرير بل عاونه عديد من الكتّاب المتطوّعين مثل موسى كريدي وعبد الأمير معلة وزهير الجزائري، وكان يستشيرنا فنقدّم له الاقتراحات والأفكار حميد المطبعي آنذاك شبه مجنون ومأخوذ بالحداثة ولقد أدّى دوراً حقيقياً من خلال هذا المنبر. ÷ ودور الشعراء البعثيين آنذاك كيف تراه الآن؟ { لم يكن لهم أي دور مهم، كان هناك سامي مهدي الذي نشر مجموعة شعرية بعنوان »رماد الفجيعة« بدت نسخة مشوّهة لأشعار أدونيس وقد هاجمتها آنذاك، وكان حميد سعيد لا يزال في بداياته وليس عنده له شيء ذو قيمة، له لغة حجرية ليس فيها حياة، وفي رأيي ان خالد علي مصطفى كان أفضلهم. كان سامي مهدي يمتلك نظرة تقليدية وهو الذي حاول أن يتصدى للحداثة وللدور الجديد في القصيدة الحديثة بدعوى الأصالة والشعارات القومية وعدم الانسياق وراء الغرب وموضاته. لم يقف سامي مهدي مع الدور الجديد للحداثة إلا لاحقاً، وقد نشر مقالات هاجم فيها الشعراء الغربيين بمختلف التهم وخصوصا الروس بحجة أنهم شعراء يهود ومنهم يفتشنكو، كل ذلك صدر عن منظور قومي متعصّب، في حين حركة الحداثة في العراق كانت منفتحة على التجارب العالمية، إذ قمنا بترجمات لشعراء روس وتشيك وهذا بالطبع لم يسر الشعراء المنحدرين من أصول بعثية. تجربتنا ÷ قصائدك في تلك الفترة كانت تثير ضجيجا لحداثتها وتمردها الجديدين مثل »نزهة المحارب« و»كاتدرائية العصافير« و»تعاليم العزاوي الى العالم« وغيرها، هل ما زلت تشعر بنفس الوتيرة وروح التمرد تلك؟ { الشاعر يتغيّر مع الزمن ويغيّر حتى من مفاهيمه الشعرية والأدبية وهذه القصائد بشكل ما تنتمي الى الجو الثقافي والسياسي اللذين سادا في تلك المرحلة، لكن روحي لم تزل متمردة. ÷ هل كان لمجلة »شعر« أي تأثير في فاضل العزاوي أو في جيله على الأقل؟ { كانت تجاربنا أوسع من مجلة »شعر« لقد قرأنا مجلة شعر مثلما قرأنا أية مجلة أخرى، وكانت لنا انتقاداتنا الأساسية للمجلة. في رأينا ان مجلة شعر لم تمسك بالجوهر الحقيقي للحداثة على المستويين العربي والعالمي، وقد اعتبرت الحداثة قضية لغوية، في حين كنا نعتبر الحداثة قضية كونية شاملة، قضية تغيير المجتمع بكامله وعلى جميع المستويات وليس الانغلاق داخل إطار فكري معين، لكن مع ذلك سنظل نكن الاحترام للمحاولة التي قام بها شعراؤها وخصوصا الشاعر يوسف الخال. ÷ ديوانك أسفار حمل قصائد جديدة ومتمردة، في شكلها والمضمون، ثم فاجأت الوسط الثقافي بديوان »الشجرة الشرقية« ذي لغة مختلفة، هادئة، وتحمل حكمة ما مع محمول لغة شفيفة، وبسيطة، كيف تقيّم هذه التجربة؟ { الحقيقة إذا قرأت »الشجرة الشرقية فسوف تجد أنه غير منفصل عن بقية أعمالي الشعرية ولكن ما يميّزه هو انه يقوم على محور واحد وفكرة واحدة هو البطل عبد الله الرمز الأساس في الديوان. ÷ ألا تحنّ لكتابة قصائد ملحمية طويلة، تتحدّث عن الجموع مثل قصيدتك اللافتة »الصحراء«؟ { من جهتي أنا شخصياً أشعر بمحبة خاصة لهذه القصيدة، كتبتها عام 1972 ونشرت في »الموقف الأدبي« الدمشقية، وهي تكاد تكون ذات تجربة خاصة بصوتها الملحمي، حيث أردت أن أغني العالم والصحراء والعراق، كانت تجربة لم تتكرر ثانية ولا أعرف إن كنت سأعود الى كتابة هذا النوع من الأشعار. ÷ أنت ناثر وشاعر وروائي ومترجم وقاص وناقد، هل تتعارض هذه الصفة مع صفتك كشاعر؟ { إنني أعتبر نفسي أساسا شاعرا أولا لكن ثمة أشياء كان يهمني أن أقولها، وهي أشياء لا تقال شعرا، بل نثرا، ولذلك اخترت الرواية، مثلما اخترت كتابة الدراسات النقدية، لكن يجب هنا أن نشير الى فارق معين، شعرت من البداية ان الروايات التي يكتبها الشعراء، غالبا ما تسقط في فخ الشعرية، ولذلك تجد في رواياتي أنني أكتب الشعر كشاعر فقط، والمقال ككاتب مقال، والرواية كروائي، فقط العمل الروائي الشعري »مخلوقات فاضل العزاوي الجميل، حاولت أن أدمج فيه جميع الأجناس الأدبية مع بعضها محاولاً خلق جنس أدبي كتابي جديد. ÷ أنت كتبت الى جانب التجريب نصوصا سردية متميزة ذات حبكة وذات بناء درامي كلاسيكي مثل روايتك »القلعة الخامسة« و»آخر الملائكة« كيف توصلت الى هذه النتائج؟ { كل تجربة تطرح شكلها الفني ولكل قول إطاره الخاص »القلعة الخامسة« تتحدّث عن تجربتي في السجن، حيث يجري الحديث عن الضحايا والجلادين وهي تتعلق بالجرائم التي ارتكبت في العراق بعد الانقلاب البعثي عام 1963، من هنا أهميتها لأنها تتضمن نقدا جذريا للعماء الأيديولوجي، وكيف يمكن للضحية ذاتها أن تتحول الى جلاد، فضلا عن أنها تتضمن فكرة الدائرة حيث كل شيء يتكرر مرة ثانية، بداية الرواية هي نفس نهايتها، وبالعكس، وهذا يعني أن كل شيء يبدأ مرة أخرى، وتجد فيها رؤية جديدة هي أن الإنسان في العراق لا يمكنه أن يقف على الحياد بل يتوجب عليه أن يكون مشاركا في الحفلة، فالبطل في »القلعة الخامسة« موظف لديه إجازة وذهب الى البلد ليبحث عن امرأة للمتعة يقضي معها ليلة ولكنه يعتقل فجأة مع بعض الموجودين في المقهى ويؤخذ معهم، ومن خلال فكرة الإرغام يتعرض لمختلف التهم دون أن يكون منتميا، ثم يصبح هذا فجأة سياسيا ومسؤولا عن السجناء في السجن. ÷ وآخر الملائكة؟ { أشعر في الحقيقة بعلاقة خاصة مع آخر الملائكة فقد كتبتها بعاطفة لا أملكها دائما، أتذكر أنني كلما كنت أكتب جزءا منها، كنت أصاب بالحمى من فرط العاطفة والحنين الى كركوك التي تدور فيها أحداث الرواية. ÷ كتابك النقدي »الروح الحية« أثار إشكالا وكان بمثابة شهادة وسيرة ذاتية عن الستينيات أليس كذلك؟ { في الروح الحية أعالج مسألة النسيان، حيث يحاول النظام البعثي السابق أن يطمس الكثير من التجارب والأسماء وأن يصنع أبطالا وهميين، وهو بهذا المعنى كتاب ضد النسيان، مثلما هو إعادة اعتبار للحقيقة، وجعل المشهد مرئياً للأجيال القادمة، فضلا انه يتضمن نقدا للتجارب السياسية التي مرّ بها العراق، مثلما يتضمّن الإدانة للانتهاكات التي تعرض لها الإنسان العراقي والثقافة العراقية، كما حاولت من خلال هذا الكتاب أن ألقي الضوء على فكرة الحداثة التي نشأت في العراق سواء مع جيل الرواد أو مع الأجيال اللاحقة. ÷ هل ترى كتاب سامي مهدي »الموجة الصاخبة« هو ردّ عليك؟ { إنه يقول في مقدمة الكتاب وقد أشار الى ذلك في صفحات عديدة بأن الكتاب وضع كرد عليّ، وعرف فيما بعد أنه وضع بتكليف سياسي، للرد على الأدباء والشعراء المعارضين للدكتاتورية. ÷ أنت مترجم أيضا، هل تحب أن تتحدث عن هذا الجانب؟ { في الحقيقة انني لا أعتبر نفسي مترجما، بل أقوم بذلك كهاوٍ، رغم أني قمت بترجمة العديد من الأعمال الهامة آخرها رواية كبيرة تقع في ثلاثة مجلدات للروائي الألماني الشهيد وأحد رواد الرواية الحديثة العالمية روبرت موزيل، وقد صدر مؤخراً منها المجلد الأول.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة