في الذكرى الثالثة لرحيل الشاعر والناقد جورج يمين، استظل الشعر الألوان التي عشقها قلبه وقلمه. »ظلال الشعر« كانت موعدا للأصدقاء والمحبين في 21 آب، في إهدن، وفي إحدى قاعات اوتيل أبشي، ذات الأبعاد المتحفية، والفضاء المعماري الخالي من الزوايا. بلغت اللوحات المشاركة اكثر من اربعين عملا لفنانين من لبنان، سوريا، الدانمارك. اختلفت في موادها (زيت، أكريليك، مائيات، حبر صيني، زجاج، وتجهيز) لكنها التقت في الاشتراك بشعائر الذكرى المتحولة الى »حدث جورج يمين الثقافي«. في »تجهيز« فريد، تأخر وصوله فعُرض منسوخا، اشتغل الفنان سايد يمين، المقيم منذ أعوام في سويسرا، أعماله بالألوان المائية التي حافظت على ملمس الورق، وجاءت ألغازا امام السائد من الأساليب، بالرغم من أنها مستوحاة من نصوص للشاعر، خط بعضها الفنان بفرشاته الشفافة، مستعيرا منه ما لم يحتكره لقلمه، معيدا صياغته عنصرا تشكيليا آخر، يضاف الى أشكاله الآتية من ازمنة ما قبل الخلق. بولس الخوّام، بمساحاته الهادئة الخالية من التفاصيل إلا في بعض الأماكن، لن تجد من يُدخلك في عالمه، افضل من نص لجورج يمين، جاور لوحته الوحيدة: »... لكل مساحة لونية ضوء من داخلها، وهي ضوء ذاتها، يدل على شيء من تجريد، وعلى استيعاب لطقوس بعض الفنون الدينية، وفي المقدمة الايقونة الشرقية حيث حياد عن الأنوار والظلال والفائض من تفاصيل. والجدران القديمة، في أحياء زغرتا. مصدر »الوحي« اللوني لديه، ومنها يأتي بالأصفر الكلسي، الذي يتحول ساطعا ذهبيا مع الشمس، ويميل الى العتمة ملتبسا مع اللون البني... وذاك عشناه ذات طفولة، وعشنا معه الكلس الأبيض، يرتدي لونا كحليا، ثم يتفتح بين أزرق سماوي...«. السوري يعقوب ابراهيم، حملت أعماله رموزا وأيقونات امام خلفياتها المتوهجة ألوانا سردت أساطير حضارات غابرة، راكمت معارفها في إشارات مبسطة مختزلة. لوحاته، وإن لم تنطلق من نصوص الشاعر، تآلفت مع رسوماته التي كان يخطها بين قصيدة وأخرى. فطام مراد رسمت (كتبت؟) على قماشة لوحتها »المضمدة« شجرة وأولادا يلعبون (هل أكتبُ لكَ شجرة، وهل أكتبُ أولاداً يلعبون...؟) مستعيدة طفولة وعمرا، متحدية الزمن »كأنها تنصب لنفسها فخاخا...« ومتورطة في عاطفة رقيقة استحضرت الوجه والنظرة. الدانماركية فيي بريدهال، قرأت شعره ونصوصه مترجمة، لذلك اختارت بعضا من تفاصيل »جدارياتها« الغريبة الملأى برموز أساطير الشمال الاوروبي، والحضارات الشرقية بأسلوب متفرد يتحدى قيودا أكاديمية، انسجم مع القصيدة والنص، خصوصا أن رسوماتها تستدعي قراءة من جهة الى اخرى ومن سطر الى آخر. في عمل سايد ابو محرز تحولت اوراق الشاعر البيضاء المتساقطة من فضاءاتها السماوية الى اللون الأزرق، وصارت في اللازمان تستعيد نصا، بالعامية، من الشاعر المتسائل بقلق: »... نزل الشتي عَ الورق، من السطر للسطر. صارت الكلمة ساقية... وقفت متل دمعة زرقا عَ وجه الصبح. لا في وجع، لا في حزن، لا في جرح. وليش الشتي نازل والوقت مش وقتو؟ وعَ مين البكي؟ سألت الشتي الضجران ليش دخلك نازل بنيسان؟ تشّت الورقة، وانمحى كل الحكي«. طوني العلم، عبر شرائحه الزجاجية، تذكر جورج يمين الناقد الفني، في مقال حول تجهيز حققه في بداياته، مشاركا »قمر إهدن« الذي جعل من تمثال »بطلها« ظلالا »تلتصق...«، »تنسلخ...«، »تطعن بعضها...« ثم »تنشطر...«. سمير أبي شاكر، رفعت ايقوناته صلوات مذهبة من على مساحات خشبها العتيق الذي كاد ينضح زيتا مقدسا. محمد غالب رسم الشاعر والارض. وجاء فضل زيادة بألوانه من مجرات بعيدة. محمد عزيزة احتفل باللون، وعدنان خوجه بالكاريكاتور، وعبود معوض بالمائيات. لوحات إيلي مخلوف وميشال كميلوس وأولينا دويهي شاركت بتجريدها. وباسمة باطولي رسمت وجه الشاعر على خلفيات تتميز بشغلها. مهى بيرقدار تنقلت »من طيف الى طيف...« في عتمة حالكة، كسر حدتها شكر الله فتّوح في استعارته نظرة الشاعر المندهشة بالأزرق، ذلك اللون الذي حضر بقوة في هذا المعرض، كما لازمة اغنية بقلم جورج يمين، كتبها في »ليلة إهدنية« مقمرة. كذلك شهد المعرض أعمالا بالتقنية الرقمية من أحمد عقل الحذر من الوقوع في فخاخ الرقمي وثرثرته، والمبدع في حياكة عمله حول قول لجورج يمين، عن »أهل السهر والحبر والدخان«. ألكسي فرنجية، الفنان الرقمي الآخر، استحضر أزرق العتمة كما عرفتها عين الشاعر. أعمال فنية شُغِلت من وحي الشاعر وطيفه الحاضر دائما مع الفنانين، كما في الأمس، شاهدا على ولادة اعمالهم، او مفتتحا معارضهم »قبل الأوان«.