تتزاحم الأحداث المتصلة بموقف تركيا وموقعها من المسألة العراقية. فبعد إلقاء قنبلة على مقر السفارة التركية في بغداد، والتفجير المتكرر لخط أنابب النفط المار عبر الأراضي التركية، بدا كما لو أن الكيل قد طفح لدى أنقرة بعد الصدامات الدامية في إحدى البلدات التركمانية الشيعية وفي كركوك بين الأكراد التابعين لجلال طالباني والسكان التركمان يومي الجمعة والسبت الفائتين. وجانب الخطورة في أحداث اليومين الأخيرين أنه أوقع عشرة قتلى من التركمان، ما اعتُبر في أنقرة أنه تحريض سافر وتجاوز لكل الخطوط الحمر، إن كان قد بقي منها شيء. يقول مصطفى كمال يايجلي، مسؤول كركوك في الجبهة التركمانية العراقية الموالية لتركيا، إن هذه الأحداث »بداية لأحداث كبرى«، وهي رسالة الى تركيا بألا ترسل جيشها الى العراق. ويقول: »في المدينة 2750 رجل شرطة، ألفان منهم من الأكراد والباقون من العرب والتركمان. نحن نريد أن يعود رجال البوليس الأكراد الى حيث كانوا في السليمانية وأربيل«. ويدعو يايجلي تركيا الى التدخل عسكريا ردا على هذا التحريض. وفي الخط نفسه من النظرة التركمانية يرى آيدين بياتلي، عضو مجلس قيادة الجبهة، أن الاعتداءات على التركمان تُظهر أهمية أن يتولى الجيش التركي مهمته في المنطقة. ليس من المتوقع طي صفحة العلاقة التركمانية الكردية في كركوك قريبا، فهي نقطة تقاطع مصالح أكثر من طرف: »الأكراد يريدون تعزيز الوجود الكردي في كركرك، لذا يعارضون قدوم قوات تركية«، يقول رئيس الحكومة التركية السابق بولنت أجاويد، واصفا وضع التركمان بأنه »خطير جدا« و»يجب على تركيا أن ترسل وحداتها العسكرية الى الأماكن الحساسة«. تأتي أحداث كركوك الأخيرة وسط استمرار النقاشات الداخلية الرسمية والشعبية في تركيا حول إرسال جنود أتراك الى العراق، وهي جاءت »شحمة على فطيرة« الداعين لمثل هذه الخطوة. وزير الخارجية عبد الله غول وصف ما جرى بأنه »سيئ للعراق، وتركيا تتابع عن كثب الأحداث«. وزارة الخارجية، عبر مدير دائرة الشرق الأوسط، أبلغت القائم بالأعمال الأميركي في أنقرة روبرت دوتش أن الأحداث »تخرب السلام في شمال العراق«، كما استدعى ممثل الاتحاد الوطني الكردستاني في أنقرة بهروز جلالي ناصحا إياه بضرورة الابتعاد عن التحريض، وان تركيا »تتابع ما يجري ولا توافق عليه«. كذلك أرسلت أنقرة مبعوثا للقاء بول بريمر مع رسالة فحواها أن تركيا لا يمكنها البقاء متفرجة إذا تواصلت الأحداث. وانتقل التحريض للتدخل العسكري التركي في كركوك الى وسائل الإعلام التركية التي أجمعت على اعتبار ما حصل تحديا لتركيا. يقول المعلق محمد يلماز من »ميللييت« إن »ما حدث ليس من النوع الذي يمكن غض النظر عنه. هذه الأحداث جاءت بعد احتلال العراق وتحمل سمة محاولة محو التاريخ الرسمي المدون للمنطقة عبر محاولة هدم ضريح الإمام موسى بن علي. الهدف واضح وهو محو الوجود التركماني الذي يشكل أقلية قوية في شمال العراق، ومنع تمثيل التركمان في الدولة العراقية التي ستتشكل، وتحويل المنطقة الى كردية خالصة. إن هدم ضريح الإمام موسى، وسرقة السجلات العقارية والسكانية وحرقها، تذكر بما عشناه في البلقان في الأمس القريب، من محاولات لطمس الوجود المسلم والتركي. وكما فعلنا في البوسنة وكوسوفو، علينا أن نواجه الوضع في شمال العراق«، مشيرا الى أن أردوغان صرح سابقا بأن القضية الأساس هي أمن التركمان. ويذكّر آخرون بأن الاتفاق العسكري بين تركيا وأميركا في شباط الماضي والذي لم يبصر النور، كان يلحظ عدم دخول الأكراد الى كركوك، وضمان أمن التركمان فيها. ورفض البرلمان التركي المذكرة المشهورة في الأول من آذار لم يُبق اتفاقا ولا ضمن أمن التركمان. ويدعو هؤلاء تركيا الى إعادة النظر في سياستها العراقية »حتى لا تعيش عند حدودها بوسنة وكوسوفو جديدتان«. هل يعني كل ذلك أن تركيا سترسل قواتها الى العراق؟ مجلس الأمن القومي الذي اجتمع مساء الجمعة الماضي تحدث عن »مصلحة البلاد« في الموقف من الوضع العراقي. لكن عبد الله غول كان واضحا في دعوته الى التدخل بقوله إن تركيا »لا يمكن أن تنحبس داخل حدود الأناضول«، ف»الروابط التاريخية وكون تركيا قوة أصلية في المنطقة تجعلها معنية بما يدور حولها من تطورات«. هل هي »عثمانية جديدة«؟ لم لا! والمفارقة أن مثل هذه »الرؤية« كانت تصدر دائما عن زعماء من ذوي اتجاهات إسلامية. ألم يكن طورغوت أوزال »الإسلامي« هو أول من دعا الى »العثمانية الجديدة« بعد حرب الخليج الثانية مباشرة؟