تعرض العراق ومشروعه لاستعادة استقلاله وحريته وسيادته من الاحتلال الأميركي لضربة مؤلمة أمس عندما استهدف تفجير دموي مشبوه مقر الأمم المتحدة في بغداد بعد أيام فقط من قرار اتخذه مجلس الأمن الدولي بتعزيز دور المنظمة الدولية الإنساني والسياسي في البلاد، بالرغم من اعتراضات اميركية صريحة. ومثلما ثارت الشبهات حول المنفذين، طرحت تساؤلات حول الجهة التي لها مصلحة في إبعاد الأمم المتحدة عن العراق، وهي الطرف الوحيد الذي يعمل بحيادية على انتزاع البعض من سلطات وصلاحيات الاحتلال الاميركي والبريطاني لإعادتها إلى العراقيين، والذي ساهم في تشكيل مجلس الحكم الانتقالي العراقي وفي توسيعه ليشمل اكبر عدد ممكن من القوى العراقية، وفي تحضيره لتشكيل حكومة عراقية تمهد لانتخابات عامة، على أساس دستور جديد يكتب بمساعدة دولية. وعلى الرغم من ان الهيئة الدولية اصرت على ان دورها لم ولن يتوقف في العراق، فإنها لن تستطيع تجاهل مصرع ممثل الأمين العام للأمم المتحدة سيرجيو فييرا دي ميلو، في المجزرة التي أوقعت عشرات القتلى والجرحى من العاملين في البعثة الدولية، والتي نجا منها بأعجوبة الوزير السابق غسان سلامة، وكان آخر من تحدث الى دي ميلو الذي ظل يصر حتى اللحظة الاخيرة على ان مهمته هي تسليم العراق الى العراقيين بأسرع وقت ممكن. وقال سلامة إن مكتب دي ميلو كان في الطابق الثاني ولكن وجد نفسه في الدور الأرضي وقد سقط عمود من الاسمنت على ساقيه فمنعه تماما من الحركة. وأضاف سلامة »صعدت إلى الطابق الثاني، ورأيته في الأسفل بلا حراك. ناديته فعرفني وأجابني باسمي: غسان«. صعدت مرة ثانية لأقول له أن يتماسك »سنأتي لنخرجك من هنا«. ثم صعد مرافقه، فطلب ماءً، كما قال شاهد آخر، أضاف إن احد الحراس الأمنيين فتح فجوة في المبنى من الخلف وبدأ بإزالة الأنقاض بيديه. وتابع »عندما وصل الحارس إليه، وجد جسده باردا، لقد نزف من ساقيه وفقد كثيرا من دمائه«. ونقل جثمان دي ميلو على الاثر الى المشرحة. وقال سلامة ان »الأمم المتحدة كانت تمثل بصيص امل للذين يؤمنون بمستقبل بلادهم، والذين نفذوا الاعتداء أرادوا ان يقضوا عليه« وعن دي ميلو قال سلامة ان »الأمم المتحدة خسرت رجلا خدمها بإخلاص وبنجاح تام طيلة 33 عاما. والعراق فقد رجلا كان متمسكا بكل قواه باستقرار وازدهار هذا البلد، وأنا فقدت صديقا أصبح بالنسبة لي امام التحديات أخا حقيقيا«. الصدمة والذهول هما القاسم المشترك لردود الفعل على التفجير في مختلف العواصم العربية والعالمية، وفي الأمم المتحدة نفسها التي أكدت أن ما حصل لن يردع مشروعها لإعادة السيادة للعراق برغم أنه سيدفع بها إلى مراجعة المخاطر الأمنية على موظفيها العاملين في مقراتها العراقية، التي تخضع لمسؤولية قوات الاحتلال الاميركية، المنتشرة حول المقر المستهدف في فندق القناة. ومع ذلك، فإن الاستهدافات السياسية للتفجير لا تحجب المأساة التي حلت بعشرات عائلات الضحايا، الذين قالت الأمم المتحدة أن عددهم بلغ 17 قتيلا ونحو مئة شخص فيما لا يزال عدد كبير تحت الأنقاض من بينهم خمسة من موظفي البنك الدولي. وقالت وكالة »اسوشييتد برس« إنها أحصت، في جولة قامت بها على المستشفيات، 20 قتيلا. وقال المستشار الأميركي لدى الشرطة العراقية، قائد شرطة نيويورك السابق برنارد كيريك، إن الأدلة تشير إلى أن التفجير قد يكون هجوما انتحاريا. وأوضح »كانت هناك كمية ضخمة من المتفجرات في ما نعتقد أنها كانت شاحنة كبيرة«. وأضاف، ردا على سؤال عما إن كانت شبكة القاعدة تقف وراء الهجوم، »من المبكر الحكم على ذلك. لا نملك أدلة كهذه في الوقت الراهن«. بدوره، قال منسق الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة راميرو لوبيز دا سيلفا إن التفجير، الذي »أدى إلى تدمير إحدى زوايا المبنى«، ناجم عن سيارة مفخخة. وقالت المتحدثة باسم المنظمة الدولية في بغداد فيرونيك تافو »كان هناك ما لا يقل عن 200 شخص في المبنى عند وقوع الاعتداء«، موضحة أن نحو 300 شخص، ما بين أجانب ومحليين، يعملون فيه. ووفقا لشهود عيان، فإن شاحنة تابعة لمصنع الأسمنت انفجرت بالقرب من أحد الجدران خارج الفندق المؤلف من ثلاث طبقات، لكن كانت هناك تقارير متضاربة حول ما إذا كانت الشاحنة متوقفة هناك أم أنها كانت تحاول عبور الحاجز الأمني لحظة وقوع التفجير. وقال المتحدث باسم الأمم المتحدة فرد ايكهارت إن الأمم المتحدة لم تتلق أية تهديدات ولم تعلن أية جماعة مسؤوليتها عن الهجوم، مشددا على أن قوات الاحتلال الأميركي كانت مسؤولة عن أمن المبنى. واعتبر ايكهارت الهجوم »مأساة، لا اعتقد أنها شخصية فحسب بل وانتكاسة سياسية لمهمة الأمم المتحدة كذلك«. وأضاف »الأضرار جسيمة والمعاناة الإنسانية مروعة«. وقال مسؤول كبير في وزارة الدفاع الأميركية إن جماعة أنصار الإسلام المتهمة بإقامة علاقات مع تنظيم القاعدة تعد من بين المشتبه بهم المحتملين في الهجوم وإن المسؤولين الأميركيين يبحثون في احتمال وجود اي صلة للحادث بتفجير السفارة الأردنية في بغداد. وأضاف إن وزارة الدفاع الأميركية تشعر بالقلق بخصوص احتمال أن تكون الهجمات الأخيرة في العراق تمثل اتجاهاً نحو »أنشطة ذات نمط إرهابي« بالإضافة إلى الهجمات على نمط حرب العصابات التي تتعرض لها قوات الاحتلال الأميركية. لكن بيانا لحركة المقاومة العراقية الإسلامية بثته قناة »الجزيرة« الفضائية القطرية أمس، نفى مسؤولية الإسلاميين عن التفجير الذي أدانته، موضحة أن أي عراقي لا يمكن أن يفكر بشن هجوم على الأمم المتحدة في العراق. وتعهد الحاكم الأميركي للعراق بول بريمر، الذي زار الموقع، بمعاقبة المسؤولين عن الهجوم. وقال »إنها لحظات رهيبة. وسنقلب كل حجر في سبيل العثور على من ارتكب هذه الفعلة«. وتوقع المتحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية ريتشارد باوتشر أمس أن تستمر الهجمات ضد المصالح الأميركية والدولية في العراق. وقال باوتشر »إننا على ثقة بأن غالبية الشعب العراقي تؤيد الأمم المتحدة ودور المجتمع الدولي وتؤمن بالتغيير الذي حدث والتغيير الذي سيحدث. ولكن لا تزال هناك عناصر تعارض ذلك وربما.. تستمر الهجمات«. وجاء التفجير بعد 12 يوما من هجوم مشابه استهدف السفارة الأردنية في بغداد في 7 آب الحالي أوقع 11 قتيلا. ومع ذلك، وإذا تأكد أن العملية الجديدة كانت انتحارية، يكون الهجوم على مقر الأمم المتحدة الأول من نوعه في العراق منذ سقوط نظام صدام حسين في التاسع من نيسان الماضي. ومعروف أن فندق القناة يعد مبنى مكاتب أكثر منه فندقا. وهو يحوي مكاتب جميع وكالات الأمم المتحدة العاملة في العراق باستثناء منظمة رعاية الطفولة ومنظمة الأغذية العالمية. أعرب الأمين العام للأمم المتحدة كوفي انان، في بيان، عن »أسفه العميق« لمقتل دي ميلو فيما نكس علم الأمم المتحدة وأعلام كل الدول المئة والإحدى والتسعين الأعضاء في مقر الأمم المتحدة في نيويورك. وقال المتحدث باسم الأمم المتحدة فرد ايكهارت إن مقتل دي ميلو »سيكون له أثر جدي على عملنا في العراق كما على تركيزنا على إعادة تقييم المخاطر الأمنية للعمل في العراق. ومع ذلك، لدينا بالطبع تصميم قوي من مجلس (الأمن) على ألا يردعنا هذا الهجوم«. (ا ب، ا ف ب، رويترز، د ب ا)