As Safir Logo
المصدر:

تغريبة طه حسين وغربة المشروع الليبرالي المأزوم

المؤلف: فراج عفيف التاريخ: 2003-08-22 رقم العدد:9579

يصف سلامة موسى طه حسين بأنه »رجل المعارك«، ويضيف ان »معاركه جعلت حياته أجمل مؤلفاته«. والوصف يليق بالواصف الذي كتب سيرته الفكرية في كتابه »تربية سلامة موسى« فجاء الكتاب معادلا لحياة لم يسكنها إلا المعنى، وقد وصفه طه حسين بأنه »أعظم ما كتب«. فجّر طه حسين أولى المعارك وأكبرها حين أصدر كتابه »في الشعر الجاهلي« عام 1926. أما ثاني معاركه الفكرية الكبرى فقد أطلقها كتابه الثاني مستقبل الثقافة في مصر (1938) الذي ضمّنه نظرية تربوية شمولية تخدم رؤيتهم الاشكالية لشخصية مصر الحضارية وهويتها الثقافية. ولم تقتصر معارك طه حسين على هاتين المعركتين الفكريتين. فقد نصب رجل المعارك قامته وأشهر قلمه في وجه دكتاتورية اسماعيل صدقي الذي عطل دستور 1923. وحين أصدر صدقي قرارا بنقله من الجامعة الى وزارة المعارف، رفض طه قرار النقل لتعارضه مع استقلالية الجامعة وحصانة أساتذتها. وحين فصله صدقي من الوظيفة، حوّل طه المعركة من الدفاع عن استقلالية الجامعة الى الدفاع عن الحريات الديمقراطية وقاتل تحت لواء حزب الوفد، ضد الدكتاتورية، وتحول من رمز للنخبة الارستقراطية المثقفة الى رمز للشعب والوطن والدستور. وقد »انتصر الشعب وانتصر المثقفون في هذه الملحمة الرهيبة بعودة دستور 1923 الى البلاد وبعودة طه حسين الى الجامعة عام 1935«. وفي العام 1938 خاض طه حسين، وهو يومها عميد لكلية الآداب في جامعة القاهرة، معركة إدخال الفتاة المصرية الى الجامعة، مخاطرا بمواجهة مع الاخوان المسلمين الذين حاولوا إجلاء الفتيات عن كلية الآداب بالقوة. وبعد ان أحبط طلابها هدفهم هاجموا العميد في مكتبه، ولولا ان المخلصين من طلابه أحاطوه بأجسادهم وتلقوا الضرب عنه »لسجل التاريخ هولا من تلك الأهوال التي حدثتنا عنها القرون الوسطى«، كما يقول لويس عوض، وهو يومها تلميذه وشاهده. وإذا كانت تغريبة طه حسين الحضارية، ونزعته المصروية الاقليمية قد أدخلته في دوائر المساءلة المعرفية والمحاسبة النقدية، إلا ان الانجازات التي تحفر اسمه في ذاكرة مصر والعرب ماثلة في إنجازاته التربوية وفتوحاته الفكرية المنهجية. فطه حسين هو أخطر فرسان الفكر الذين طاعنوا أعداء ديمقراطية التعليم. وحين عمل وزيرا للمعارف اجتهد في تحقيق شعاره »لنجعل العلم ميسورا كالماء والهواء«، فسماه أعداؤه »وزير الماء والهواء«. وقد أوجد طه حسين نظام التعليم المجاني العام بجميع مراحله الابتدائية (1944) والمتوسطة والثانوية (1950)، وأغلق مئات الكتاتيب واستبدلها بمدارس عصرية. وطه حسين هو، بدءا، وليد الجامعة المصرية التي قاوم المستشار البريطاني في وزارة المعارف »دنلوب« ولادتها، لكنها ولدت رغما عنه عام 1908 بأموال تبرع بها الأهالي وتحولت الى جامعة حكومية عام (1925). والجامعة المصرية الحديثة الولادة حررت عقله من عقال الأقمطة الازهرية، وأرسلته في بعثة علمية الى فرنسا ليعود منها عام 1918 أستاذا وعميدا. وطه حسين هو أبو الجامعات المصرية الاولى وبانيها. فقد أسس جامعة الاسكندرية الى جانب »جامعة القاهرة«، وعمل مديرا فيها عام 1942. ثم أنشأ جامعة عين شمس (1943 1944)، وأسس من بعدها »جامعة أسيوط« وأطلق حملة التبرعات الاولى من أجل بناء جامعة المنصورة. وكان طه، بنّاء الجامعات، يبنيها على خلفية فلسفية إغريقية إنسانوية معنية بتخليق الباحث المثقف، لا الموظف. وكان مثاله الانساني المنشود إغريقيا سقراطيا يستحثه على تحويل الجامعات الى مصانع تولد المفكر المولد والعالم المكتشف المجدد. لذلك تطلع طه الى تحويل المدارس العليا الى جامعات، وجعل التعليم الثانوي ممرا الى التعليم الجامعي، معاركا سياسيين وتربويين براغماتيكيين أرادوا إغلاق الجامعات واستبدالها بمعاهد التربية المهنية التي تستجيب لحاجات الصناعة. كما قاوم طه محاولات تحويل الجامعات الى مدارس عليا ترفد أجهزة الدولة البيروقراطية بالموظفين من ذوي البعد الواحد. وقد تبنّى طه حسين برنامجا ضخما لتوحيد نظام التعليم ومناهجه في العالم العربي انطلاقا من المركز المصري، وما يرتبه ذلك المشروع من فتح مؤسسات تربوية مصرية في الاقطار العربية وفتح أبواب المؤسسات التربوية المصرية لأبناء الدول العربية. كما عمل على تعزيز الوضع الاجتماعي للاستاذ، »حجر الزاوية«، كما يصفه. ومن هذه المنطلقات ومن أجل هذه الغايات كتب مشروعه التربوي في كتابه التأسيسي الثاني »مستقبل الثقافة في مصر« الذي جاء نقيضا لفلسفة دنلوب الاستعمارية في التعليم وأساسها الثنائية المعروفة »بريطانيا تصنع ومصر تزرع«، وبريطانيا تقدم المديرين ومؤسسات مصر تنتج الموظفين. كما جاء الكتاب لينقض المناهج الدينية التقليدية في التعليم. ويسجل لطه حسين عنايته بتدريس اللغة العربية الى جانب اللغات الاجنبية واهتمامه واحترامه للثقافة العربية، خلافا لبعض أقرانه من الليبراليين المستغربين. لكن قدر رجل المشروع التربوي التنويري كان ان »يودعنا بكثير من الألم وقليل من الأمل« (وردت هذه العبارة في مقابلة أجراها معه غالي شكري عام 1973)، بعد ان عاش ليشهد هزيمة مشروعه التربوي وتردي الجامعة الى مستوى المدرسة العليا. وهاجس طه حسين التعليمي والتربوي والأكاديمي البحثي يجعله الوريث المجلي للطهطاوي، مؤسس المدارس والمعاهد، ومبتكر المناهج، وداعية تحرير المرأة بالعلم والعمل على قدم المساواة مع الرجل. وما كان لطه ان ينجز ما أنجز لولا انه أضاف الى ارستقراطيته الفكرية وليبراليته السياسية لونا من الديمقراطية الاجتماعية واكب انتقاله من حزب الاحرار الدستوريين (حزب الاعيان وحليف المحتل البريطاني) الى حزب الوفد في العام 1933، وانتداب حزب الوفد له وزيرا للمعارف بين عامي 1950 و1952. في الشعر الجاهلي بعد هذه السيرة التي لا يفي إيجازها إلا بالاشارة الى كبرى معاركه ومآثره، نعود الى فتوحاته الفكرية وبدؤها وأهمها كتابه الثوري »في الشعر الجاهلي« (1925)، الذي »أعاد فتح باب الاجتهاد، لا في الأدب واللغة والتاريخ وحسب، بل في كل مجالات الحياة الروحية والمادية«. ويرقى عن الشك ان ريادة طه حسين الفكرية لا تتبدى في مؤلف من مؤلفاته كما تتبدى في كتابه المذكور الذي أسس فيه للتاريخانية والمقاربة الاجتماعية مبيّناً العلاقة بين الفكر القرآني والواقع الاجتماعي والثقافي لأهل الزمن الذين خاطبهم النص القرآني، وقد خاطبهم بلغة ومعان ما كانوا ليفهموها لولا انها حدثتهم عن واقعهم، كما يقول طه. ولا ينتقص من هذا العمل التأسيسي سوى استجاباته المهادنة للدولة، وانحنائه لضغوط أهل التقليد، وتوسله التقية لحماية مكانته الاجتماعية. والحق ان هذه النزعة الشخصانية والذاتية، إضافة الى ثنائية تكونه الثقافي، طبعت سيرته الفكرية بطابع التقلب، فكان يتقدم ويتراجع ويترجّح، ويهاجم ويهادن، شأن إنسان لا يجد محوره ومركزه في داخله فيقلقه محيطه. وقد تبدى ميله الى المهادنة في حذفه الفصل الأكثر جدلا من كتابه »في الشعر الجاهلي« من الطبعة الثانية (1927) وتثبيت فصول وتعديل اخرى وحذف شواهد القرآن والانبياء وإخراج كتابه باسم جديد هو »في الأدب الجاهلي«. وهكذا فإن »المعركة التي أثارها كتابه عند صدوره أخمدها انسحابه«، كما لاحظ صلاح عبد الصبور. لكن طه حسين، الذي لم يثبت على حقه في كتابة فكره، ثبت على قراءة غير تاريخية لشخصية مصر الحضارية، عرض لها في أول فصول كتابه الثاني التأسيسي والاشكالي الخطير »مستقبل الثقافة في مصر»، ومختصره ان »العقل المصري أوروبي، وان الاسلام لم يغير عقل مصر، كما ان المسيحية لم تغير عقل أوروبا«، وان مصر وأوروبا يشتركان في انتمائهما الى مرجعية ثقافية واحدة هي اليونان، وان تاريخ مصر الثقافي والسياسي يندرج بالتالي في تاريخ وتقليد أوروبا الثقافي، وان التاريخين والتقليدين هما تاريخ وتقليد واحد. وهو يتخذ من هذه الفرضيات المفارقة للتاريخ والواقع منطلقا وهدفا اخيرا لمشروعه التربوي الليبرالي الذي يستحق، في ذاته، كل الاهتمام لما يتضمنه من »تجديد للادوات المعرفية التي تنتج الانسان الحر الذي يتولد في إطار مجتمع يهيئ لعلمائه ومفكريه، وهم قادة نهضته، كل سبل الحرية وكل الامكانات المادية التي تساعدهم على النهوض بعبء البحث العلمي والفكري« (صلاح عبد الصبور، »ماذا يبقى منهم للتاريخ«). لكن مقاربة الكتاب من وجهة تاريخ مصر الحضاري (والاسلام حلقة مركزية فيه) وعروبتها الثقافية والقومية، يفقده المكانة العالية التي يؤهله لها محتواه التربوي. فقد بدا الكتاب لأنيس صايغ الذي رأى إليه من وجهة عروبية، »أفضل كتاب في التعبير عن القومية المصرية« (أنيس صايغ، الفكرة العربية في مصر، ص. 520). اما ألبرت حوراني فرأى من جهته أن كتاب مستقبل الثقافة في مصر، وإن »شكل الصياغة النهائية للقومية المصرية«، إلا ان دعوة حسين لتوحيد المناهج التربوية بين الدول العربية »تجعل من كتابه خطوة أولى تتجه بمصر نحو الاندماج في القومية العربية« (A. Hourani, Arabic Thoughl in the libeval Age (Oxford University Press, 0791) P.533). ورأي حوراني صحيح بمعيار »مكر العقل« الهيغلي، لا بمعيار روية طه حسين الاقليمية الذاتية ومقاصده السياسية. ذلك ان ما ارتجاه طه لم يكن تعريب مصر، بل تمصير المناهج العربية بما يخدم تطلعات البورجوازية الى دور شبه امبراطوري تلعبه الدولة المصرية التي ستكون محتاجة بعد الاستقلال عن بريطانيا الى مدى حيوي كالذي كان لها أيام الفراعنة، وهي لن تجد هذا المدى إلا في العالم العربي. ويغيب عن الكتب والأبحاث المنشورة عن طه حسين، على كثرتها، انطباع رؤيته الى الحضارة، تاريخا وفلسفة، بالطابع الهيغلي الذي يقسّم الحضارة الى حضارتين متباينتين وعقلين متخالفين في الجوهر وفي الوجود: عقل ينتج العلم والفلسفة والفكر الانسانوي والنظام الديمقراطي، وهو عقل يوناني غربي، وعقل ينتج الأنبياء والأديان والانظمة السياسية الملكية المستبدة، وهو عقل الشرق. والأدبيات الاستشراقية التي قرأها طه بالفرنسية تأخذه الى الاعتقاد بأن »الضمير الانساني ولد في أثينا حيث عرف الانسان ان له عقلا وشعورا وضميرا«. وهذا التعظيم لأثينا لا يوافقه عليه فلاسفة اليونان ومؤرخوهم، وهو يخالف مرجعيات أساسية في تاريخ الشرق القديم كمرجعية ج.ه. بريستد الذي أثبت في كتابيه »انتصار الحضارة« و»فجر الضمي«ر ان الضمير الانساني ولد في مصر، مهد القيم الأخلاقية ومنبت أول الديانات التوحيدية. كما يتعارض مع مرجعية ص.ن. كرايمر الذي أكد في كتابه »الشرق الأدنى القديم« ان أرض الرافدين هي أرض البدايات الاولى لأكثر من ثلاثين حقلا معرفيا يحددها ويعرض نماذجها. وليس صحيحا أن الشرق لم يعرف من الأنظمة السياسية إلا الملكية الاستبدادية، كما ينقل طه حسين عن هيغل والمستشرقين. فقد عرف الشرق ديمقراطية الدولة المدنية، كما عرف الغرب على مدى القرون ظاهرة الملوك الآلهة والأباطرة الطغاة والأمراء المستبدين في اليونان وروما وأوروبا النهضة، من سبارطة وحلفائها الى الفاشية العصرية، ومن الاسكندر حتى لويس الرابع عشر »الملك الشمس« مرورا بأباطرة روما المتحضرين منهم كأوغسطس والمنحرفين مثل كاليغولا ونيرون. الغربة إن طه حسين يقدم نموذجا للمثقف الذي غرّبته ثقافته عن زمانه ومكانه وغطّت، الى حين على الأقل، أعمق طبقات وجدانه. وهو يبدأ تغريبه، أو تهريبه، لمصر من التاريخ والجغرافيا بغزوة الاسكندر لمصر، وهي »غزوة ثقافية« تتعارض مع غزوة الفرس العسكرية التي قادها قمبيز، »المتغلب الفارسي الذي قهر مصر«. والاسكندر »كما يراه طه هو قائد الفكر لا قائد الجند«، »وتلميذ أرسطو«، وناقل الفلسفة اليونانية الى الاسكندرية، وعرّاب زواج الشرق والغرب. انه إذاً محرّر للمصريين من الفرس وقد »رضي المصريون عن الاسكندر ورضي الاسكندر عنهم«، كما يعلمنا طه في كتابه »قادة الفكر«، مضيفا ان مصر قاومت الفرس وحالفت اليونانيين. وهكذا نجد في طه حسين منظّراً مبكّراً للعولمة أو المجانسة الثقافية، ولو بأداة القوة العسكرية التي يسوغ للاسكندر توسلها شاكرا للفاتح المقدوني سعيه ومعظّما أجره. وطه لا يستطيع ان يسوّغ »مبالغات اليونانيين الشديدة في تقديرهم لتأثير مصر القديمة في ثقافتهم«، ليبالغ ويلغو في المقابل في تأثير الفلسفة اليونانية في الثقافة المصرية زاعما انها »لقيت في الاسكندرية وبقية المدن المصرية انتشارا لم تحظ بمثله في أثينا نفسها«، وهو زعم تدحضه مقاومة مصرية ألفية للهيلنة والرومنة، وينقضه تسليم مصر للاسلام تسليما جعل اللغة العربية لغة النطق والكتابة للشعب وأجهزة الدولة خلال ستين سنة فقط. وطه حسين يتحدث عن إغارات الترك على الشرق (طه حسين، »مستقبل الثقافة في مصر«، م.م. ص.11)، ويسكت عن إغارات الصليبيين وتداعياتها وترسباتها الخطيرة. ومنتحل الهوية الغربية يجتهد في تأصيلها حيث أصّلت أوروبا هويتها الثقافية، أي في قرون الاحتلال اليوناني الروماني العشرة لمصر، ويدعو الى إدخال اللغتين اليونانية واللاتينية، لا الى التعليم العالي وحسب، بل الى التعليم المدرسي العام كذلك، لعلّ المصري الجديد يتخلّق بأداة اللغة والثقافة على صورة طه حسين ونموذجه اليوناني الروماني الأول. وبالرغم من أن طه حسين نقد صورة العرب المتنقصة في مقدمة ابن خلدون، ورغم ما اتصفت به سيرته الفكرية من تقلبات، إلا أنه ثبت على نزعته المصرية الاقليمية التي لا تقبل بأقل من التسليم باستقلال مصر التام عن تاريخ العرب: »لا تصدّق ما يقوله بعض المصريين من أنهم يعملون للعروبة، فالفرعونية متأصلة في نفوسهم، وستبقى كذلك، بل يجب ان تبقى وأن تتقوى«. أما عن تاريخ مصر »فهو مستقل تمام الاستقلال عن تاريخ أي بلد آخر«... ويخاطب العروبيين قائلا »لا تطلبوا من مصر ان تتخلى عن فرعونيتها، وإلا كان معنى طلبكم: أهدمي يا مصر أبا الهول والأهرام، وانسي نفسك واتبعينا. إن تاريخنا ليس لكم وتاريخكم ليس لنا« (عن ساطع الحصري، »مصر والعروبة«). والمعجب أن طه الذي يدعو الى الهوية الفرعونية لم يشغل نفسه، ولو في الحد الأدنى، بتاريخ مصر القديم، وإنما اعتنى بتاريخ الاسلام والثقافة العربية. ومعلوم ان قراءة طه حسين الاستشراقية أو الاوروبية التمركزية للتاريخ المصري استهدفت اقتياد مصر عنوة الى الأدلوجة المتوسطية التي تبنّاها وفلسفها في لبنان المفكر ميشال شيحا. وطه حسين ليس أصيلا في رؤيته الحضارية بقدر ما هو مضيف، ومفصل لطروحات أحمد لطفي السيد، أستاذ الليبراليين جميعا، وسلامة موسى وتوفيق الحكيم. وتتجلى المثالية، وأخشى ان أقول الهروبية، في أحمد لطفي السيد وطه حسين وسلامة موسى، في هذا التجسير المصطنع بين ماض فرعوني بعيد، ومستقبل أوروبي بعيد. والهدف من إقامة هذا الجسر المتباعد الركائز هو العبور فوق الحقبة العربية الاسلامية من تاريخ مصر، وهي حقبة تزيد عن ألف وثلاثمئة سنة. ويذكر أنيس صايغ أن طروحات طه حسين التغريبية نقلت الماء الى طاحونة الاخوان المسلمين الذين ردّوا على طروحات طه حسين في الثلاثينيات برفع شعارات المؤالفة بين الاسلام والعروبة، »ودعوا كلهم لتحقيق الوحدة العربية... وقاموا بتوجيه الثقافة المصرية توجيها شرقيا، إسلاميا وعربيا. وكانت حركتهم ردا على توجيه ثقافة مصر توجيها غربيا متوسطيا«. هذه الخطوط العريضة لسيرة طه حسين الفكرية تستدعي بعض اليسار الماركسي العائد الى »المشروع الليبرالي« الى رؤية طه حسين، لا في جانبه الفكري والتنويري المضيء وحسب، بل في المآلات السياسية لطروحاته الحضارية. صحيح أن ثورة 23 يوليو أطفأت الأضواء من حول طه حسين »بقدر ما قطعت مع الديمقراطية والليبرالية، ولكن السؤال هو: هل كانت مصر الناصرية التي وشّجت بين العروبة القومية والاسلام قادرة على تحمّل الكلفة السياسية لمشروع طه ونزعته الاقليمية وتغريبته الحضارية؟ وهل نكتفي بنقد »السلفيين الماركسيين« لأنهم قطعوا مع مشروع طه حسين، ونطالبهم باستغفار المشروع الليبرالي، ونغفر لرسل هذا المشروع ما اقترفوه من قطيعة مع مصر الاسلامية التي ردّت هجمة المغول البربرية على المشرق العربي، وسحقت جيوش الصليبيين وأخرجتهم من الشرق لتلعب دورها القيادي في الشرق؟ ومن حق اليساريين الديمقراطيين الذين جوّعهم النظام العربي، بجمهورياته وملكياته، الى الديمقراطية ان يطالبوا باسترجاع مشروع طه حسين، وفي المشروع ما يستحق الاسترجاع قطعا. لكن أي وجه من وجوه مشروع طه حسين المتعدد الوجوه نسترجع؟ عروبته اللغوية والتربوية، أم قوميته المصرية وأصولها الفرعونية؟ عداءه لعروبة مصر القومية أم مصانعته للناصرية وسكوته عن تعدياتها على الحريات وزعمه أنها »تمهد للحياة الديمقراطية وتهيئ للدستور«؟، أم نسكت عن سكوته على المشروع الصهيوني التي لم يتكلف تناوله، ولو بمقالة، على غزارة ما كتب؟ هل نختار وجهه المتأورب المكتسب، أم وجهه الاسلامي المتأصل في طفولته وأسرته وتربيته الأزهرية التي استرجعته من الحداثة ليكتب السيرة النبوية و»الفتنة الكبرى« و»مرآة الاسلام«؟ هل نضيء على علمانيته ونطفئ على جدله ضد المسيحيين واليهود من منطلقات تمذهبية كما يجادل في كتابه »مرآة الاسلام«؟ إن تراجع النهضويين الكبار أمثال طه حسين ومحمد حسين هيكل وعباس محمود العقاد واسماعيل مظهر وغيرهم عن منهجيات العلوم الأوروبية ليكتبوا في تاريخ الاسلام والسيرة النبوية يعكس التناقض بين وعي مكتسب يتقدم في اتجاه أوروبا، ووعي ولا وعي جمعي موروث ومستبطن يتراجع بالرائد النهضوي الى الرحم الأمومي ليكتب في تاريخ الاسلام والسيرة النبوية بنهج تتداخله المثالية. والمؤكد ان تراجع الثلاثي الليبرالي، طه حسين والعقاد وهيكل لكتابة الاسلاميات، عزز القناعة المريحة بتفوق الدين الاسلامي، كما عزّز حركات الاسلام السياسي الأصولية وطليعتها »الاخوان المسلمين« و»مصر الفتاة«. وهذا التكوّن الثقافي المثنوي (الاسلامي الغربي) للمفكر والأديب النهضوي يثبت ما أدركه برهان غليون من أن »الوعي الدهري هو قشرة رقيقة تغطّي الوعي الديني الجماعي السابق«، وان القيم العلمانية لم تكن ابنا طبيعيا، بل ابنا بالتبنّي«، وإنها استخدمت كسلاح ايديولوجي ولم تكن موقفا فلسفيا. وتقلبات طه حسين الفكرية يختصرها عنوان كتابه »بين بين«، وترجّحه بين الحداثة والتراث يترمّز في عنوان كتابه »من يدري«؟ وهذه »الوسطية« جعلت جاك برك يفترض أن منطقة المتوسط الشرقي هي »منطقة الوسط في كل شيء«. وطه حسين في تقدمه وتراجعه وترجّحه، في وصله مع الاسلام وقطعه، كان يعبّر عن ازدواجية تكونه الثقافي، وعن تناقض أوروبا الامبريالية القاحمة لعالمه مع أوروبا الليبرالية المتحضّرة داخل حدودها، وعن التفاوت بين زمنه الثقافي المتقدم الى الغرب وزمن مصر الاسلامي المؤرث. وإذا كان طه حسين قد ودّعنا ب»الكثير من الألم والقليل من الأمل«، كما يقول في آخر مقابلاته المطولة عام 1973 (غالي شكري، ماذا يبقى من طه حسين، م.م. ص66)، فإن ألمه تأتى من هزيمة المشروع الليبرالي »السياسي والتربوي« الذي لم يجد حامله السياسي الداخلي ولم يجد ناقله الأوروبي، بل وجد قاتله الأوروبي (البريطاني). وقد عجز طه حسين، مثله مثل الليبراليين المغتربين جميعا، عن توليد فلسفة للنهضة تنطلق من تاريخ مصر وأهلها ووجدان شعبها أولا، لتحيي من بعد جدلية توليدية حية مع الثقافة العالمية، ولا نقول الغربية، لأن اليونان، في المعنى الثقافي، هي شرقية أكثر منها غربية. وهي حقيقة غابت عن ذلك الرجل المنير.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة