قريباً من البحر على سفح الجبل، قريباً من السوبر نايت كلوبز، قريباً من تمثال السيدة العذراء، محاطاً بأشجار الصنوبر، قريباً من أشجار الأرز ومن قمم الثلج، إنه الكازينو، كازينو لبنان. إنه لبنان. البوابة الأمنية تماماً كأي دائرة أمنية، عند البوابة المؤدية إلى صالة الألعاب في كازينو لبنان، هناك أمن وحراس وآلة مزودة بأشعة ما فوق البفسجية للتأكد من عدم حيازة المواطن على أية آلة معدنية. بعد أن تتخطى الاختبار »الإشعاعاتي«، سيكون عليك تأكيد رشدك ونضجك للحارس من خلال إبرازك لهويتك. الإختبار الأخير ليس روتينياً بل استنسابياً يخضع لتقدير الحارس الذي إذا ما أوحت له ملامح أحدهم بالطفولة أو ب»المخابراتية«، يطلب الهوية للتأكد من النضج أو لرفع المسؤولية وتجاوز إمتحان مدبر من الجهات المراقبة. أما النضج والطيش فتحدده السنوات الحادية والعشرون. بعد أن تتخطى التدابير الامنية المشددة ويتم التأكد من عدم حيازتك على أية نزعة إجرامية وإرهابية، وبعد أن تبرهن سنواتك استقرارك النفسي، عندها فقط سيسمح لك بالدخول الى تلك الصالة المليئة بالأضواء والنقود المعدنية. عندها سيسمح لك بالتجول بين الحسناوات والمدامات والمعدمين، التنقل من ماكينة الى أخرى. كل ذلك وانت مراقب في كل حركة تقدم عليها، من خلال الكاميرات المنتشرة والمخبأة في كافة ارجاء الصالة. مدامات على احدى الماكينات تجلس امراة أربعينية بجانبها شاب عشريني وعلبة مليئة بالنقود المعدنية وعلبة مليئة بالحبوب المهدئة. تغرف »المدام« من علبة النقود وتضع عددا هائلا منها داخل الماكينة. تضع »المدام« اصبعها على احد الأزرار وتبدأ ب»التكبيس« وتتحرك أمامها ثلاث دوائر وتتوقف من دون نتيجة، من دون سماع صوت القطع المعدنية وهي تتهاوى من اسفل الماكينة. تتوقف »المدام« عن اللعب، تتناول عدداً من الحبوب المهدئة ثم تضع كلتا يديها على رأسها فيما الشاب بجانبها »يطبطب« على كتفها بيد، ويضع النقود في الماكينة باليد الأخرى. ليست المدام صاحبة الحبوب المهدئة حالة خاصة بل حالة تصبغ المشهد العام تقريباً. فالصالة المليئة بالآلات الإلكترونية جالبة الحظ وقاتلة الوقت، هي مليئة أيضاً بنساء اليأس ترتسم على وجوههن علامات الكلل والملل، وعلى مظهرهن علامات الثراء الفاحش. لسن جميعهن برفقة من »يطبطب« على أكتافهن، على العكس تعانين من الوحدة والهجرة ويبدو ذلك جليا في عيونهن وهي تحدق بالدوائر المتحركة. ...وغوانٍ الحضور الأنثوي غير محصور ب»المدامات« فقط. فليس غرض جميع النساء المتواجدات داخل صالة الألعاب صرف النقود والقضاء على الملل، على العكس هناك منهن من يقصدن الكازينو بحثاً عن لقمة العيش وجني الأموال فلا تكون المقامرة بنقودهن بالضرورة ولكن غالبا هي نقود الغير. بين الآلات، وفي المساحات التي تشبه الأروقة لشدة ضيقها، تتمشى فتاتان بكامل تبرجهما وأناقتهما وإثارتهما توزعان النظرات والإبتسامات بحثا عن صيد ثمين. تختفي الفتاتان بين الآلات ثم تعود إحداهن يحضنها شاب وفي حضنها علبة مليئة بالنقود المعدنية. أما الأخرى فتتربع على إحدى »العصارات« (سلوت ماشين) تعصر ما إستطاعت من »جيبة« صيدها الكهل. يبقى ان هاتين الفتاتين ليستا صيادتين ماهرتين لأن صالة الالعاب الإلكترونية ليست المكان الذي تتواجد فيه الفرائس المحترمة. »عصارات« يقف شابان على إحدى »العصارات«، يضع الأول قطعة »الخمسمية« المعدنية ويدعو الثاني لتجربة خفة يده على المقبض وإختبار حظه. »يعصر« الشاب بهدوء، تتحرك الدوائر الثلاث، تقف الدائرة الأولى عند الرقم سبعة والثانية كذلك ثم تقف الثالثة »ويخبط« الشاب الأول على رأسه ويقول »شو هل الحظ، على شعرة كنت ربحت 250 ألف«. »العصارات« هي تقريبا اللعبة الأكثر انتشارا، وان تعددت تسمياتها داخل الصالة تبقى قواعدها واحدة. تسمياتها تتراوح ما بين »غولد مان« و»لاكي لادي«، أما قواعدها فتتطلب بالإضافة الى وضع النقود داخلها، تحريك المقبض المعلق على جانبها الى الأسفل. المطلوب ان تحصل على ثلاثة أشكال متشابهة، والأفضل أن تحصل على ثلاثة أشكال مختلفة لأنك عندها ستكون سعيد الحظ وستفوز بالرقم الظاهر على اللوحة الإلكترونية، وهو رقم يتخطى في غالب الأحيان العشرين مليون. وهو أيضا رقم معرض للتراكم والتضخم، اذ أن ماكينات كل لعبة موصولة ببعضها البعض تتصدرها لوحة الكترونية تشير الى عدد النقود الموجودة في مجموع آلات اللعبة. أحصنة معدنية يتشابه بعض الألعاب الأخرى المنتشرة مع »العصارة» لجهة قواعد اللعب مع اختلاف بسيط يتعلق بأناقة الإستخدام، فبدل المقبض وحركة »العصر« هناك كبسولة تشغل المكنة من خلال »التكبيس« عليها. الألعاب الأخرى هي ألعاب القمار بواسطة ورق الشدة ك»البوكر« و »البريدج« بالإضافة الى لعبة »الروليت«، بصيغة ألعاب إلكترونية. »الروليت« الحقيقية موجودة في صالة الألعاب، وهناك ايضا سباق خيل لمحبي هذا النوع من الرهانات. عند هذه الألعاب بالتحديد يرقد المقامرون المحترفون، منهم من هو فاحش الثراء ومنهم من هو معدوم نفسيا وماديا. يمكن ملاحظة علامات الخبرة والتمرس بوضوح عبر تصرفاتهم، فالفائز لا يفرح كثيرا والخاسر يبرع في عدم إظهار ضعفه. وإذا كانت هذه المسلكية في المقامرة أمراً طبيعياً في لعبة »الروليت« فمستغربة ممارستها في لعبة سباق الخيل القائمة على الحماس. فتجد مجموعة من الرجال يستكينون على كراسيهم التي تلف المضمار الآلي، الى جانبهم نقودهم وامامهم شبه حاسوب يسجلون فيه مراهناتهم. أما الأحصنة فمعدنية تحركها الآلة وليس ثمة ما يضمن جودة هذا الحصان او رداءة ذاك. ينطلق السباق وتسجل الرهانات وينتهي السباق من دون ان تطلق صيحة واحدة او أن يبادر أحدهم بإنفعال ما، لدرجة أنه يصعب تحديد الشخص الذي راهن على الحصان الفائز. أثرياء وفقراء بالإضافة الى الفارق الواضح على مستوى المظهر، ثمة ما يجعلك تميز بسهولة ما بين الأغنياء والفقراء داخل صالة الألعاب في الكازينو. فالثري بعد ان يستبدل نقوده الورقية بنقود معدنية عند »الكاشيير« يعرج على البار ويطلب كأساً وأحياناً كؤوساً، أما الفقير فيكتفي بتعبئة علبته بما استطاع من القطع المعدنية. أما الفارق الأساسي بين الفقراء والأغنياء فيكمن في صالة الألعاب الألكترونية، وهي بالنسبة للأثرياء بمثابة صالة للتحمية قبل الدخول الى الصالة الداخلية حيث الربح بالملايين لا مئات الألوف فحسب. أما بالنسبة إلى الفقراء فصالة الألعاب هي الملاذ الأول والأخير. الولوج الى داخل صالة الملايين ليس مسألة سهلة، فبالإضافة الى هويتك الشخصية عليك أبراز هوية من نوع آخر، هوية إنتمائك الطبقي. عليك ان تبرز بطاقة إئتمان مصرفي تبرهن أنك تمتلك حسابا في البنك. لا مكان للفقراء في الداخل ليس حرصا عليهم وإنما لأن ما في جيوبهم لا يحتمل ضراوة »العصارات« الموجودة في الداخل، لأن ما في جيوبهم »ما بيحرز«. لكن الداخلين الى صالة الملايين يرسمون بشكل من الأشكال شكل داخلها وجوّه المحاط بالتكتم والغموض. الداخلون هم فتية وفتيات فاحشو الثراء وأمراء وأميرات، الداخلون هم الفرائس المحترمة. ولينسج الخيال ما استطاع من مشاهد واجواء بذخ ونقود تلقى على الطاولات الخضراء المستديرة. لا على البال ولا على الخاطر خارج الصالة يتبرع شاب بتقديم النصيحة لصديقه الذي فاز بملغ زهيد، »نصيحة روح زكيهم وخمسهم وشوف كيف الله بيفتحه بوجك، ومن حيث لا تدري«. قريباً من البحر، قريباً من الجبل، أمن وحراس وكاميرات مسلطة، مدامات مدمنات وغوانٍ، فقراء وأثرياء وأمراء، أماكن عامة وأماكن خاصة، أموال تخسرها وأموال تكسبها وديون »لا على البال ولا على الخاطر« تتراكم وتضخم ويتم تسديدها »من حيث لا تدري«. انه كازينو لبنان، إنه لبنان. حسناً، وبوسعك أيضاً، في الكازينو، وبالإضافة إلى ذلك كله، مشاهدة مسرحية »ملوك الطوائف«.