أرغب في الكتابة عن هذه الرواية بشكل حر وذاتي نوعا ما. أما الحرية فندعيها جميعها، لكنها نسبية مع ذلك. وفيما يتعلق بالذاتية فهي تنبع هنا من عدة أمور منها ما هو متعلق بالطريقة التي حصلت فيها على هذه الرواية، فهي قد تبعتني الى بيروت لأنني لم أستطع الحصول عليها من القاهرة لأسباب تتعلق بقصر المدة التي قضيناها هناك. وعندما أعلمني يوسف أبو رية، بواسطة البريد الالكتروني وهذا من حسناته الجمة، انه أرسلها بالبريد وعلى عنواني في الجامعة اللبنانية، أسرعت في الكتابة إليه ان هذا آخر عنوان كنت أتمنى ان يستخدمه، لأن ذلك يعني ان الرواية سوف »تتنزه« في أقسام عدة قبل ان ترسو في مكان عملي الحقيقي؛ وبالتالي قدرت انني سوف لن أطلع عليها قبل الخريف المقبل. لكن وعلى ما يقول المثل المصري الدارج »المية تكذب الغطاس« جاءت الرواية (وكأن نكاية بي وبرأيي ببريدنا الجامعي) بأسرع من لمح البصر، وها انني أكتب عنها، فضلا عن قراءتها، ونحن نودع بالكاد شهر تموز! أليست الكتابة عنها نوع من واجب في هذه الحال! ناحية أخرى تجعلني أكتب عنها بشكل شخصي أيضا وأيضا، ان بطلها أصم أبكم، وهو من الأشخاص الذين يصنفون ضمن فئة المعوقين الذين كانوا موضع أطروحتي للدكتوراه والذين أدرّس طلابي عنهم منذ سنوات وسنوات. مسألة أخرى ان هذه الرواية تتناول، بشكل او بآخر، »مشكلة« الحياة الجنسية لمعوق أصم أبكم، وصودف انني نشرت بحثا هذا العام عن هذه المسألة بالذات بعنوان »الحب وجنسانية عند المعاق، او حق المعاق في الحب«، في عدد باحثات الثامن وعنوانه وموضوعه: »مسارات الحب«. وساعدني طلابي في التربية المتخصصة في القيام بهذا البحث. والرواية تقوم على هذه المفارقة بالذات، حمودة الأصم الأبكم، والشديد الذكاء في نفس الوقت والذي يقيم علاقة غنية مع العالم الخارجي ومع البشر المحيطين به عبر لغته الإشارية التي يبرع أبو رية في نقلها، بحيث انها تصلح مرجعا للطلاب في ما يتعلق باللغة الإشارية وغناها وامكانيات استخدامها، يكتب في الصفحة 104 على لسان بطله: »حدفت يدك في الهواء متبرما مشيرا اليه بأنك جربت المقاس أكثر من مرة، وقبلت يدك، وقبضت على يد وهمية في الهواء لتقول له: تسلم يدك«. هنا فصلين في الرواية على لسان البطل أخرس وبضمير المتكلم ينقل فيهما أبو رية لغة الصم الإشارية بدقة تامة، مثلا (ص33): ينادي على صاحب القوة، يطلب الشاي (يجعل كفه على هيئة كوب، ويدير فيه سبابة الكف الأخرى).. وإذا كان المزاج حابكا يطلب قهوة مضبوطة (يجعل ابهامه على منتصف السبابة) او على الريحة (يجعل ابهامه على طرف السبابة)«. لا يكاد أبو رية يقدم لنا حمودة الأخرس المهووس بالنساء اللواتي يحطن به في الغرف الرطبة المظلمة التي يعيشون فيها، بما يذكرنا بالسطح الذي جعل منه الأسواني مدينة كاملة في روايته »عمارة يعقوبيان«، وغرامه وتحرشه خاصة بفكيهة التي نكاد نتخيلها في مثل جمال وفتنة صوفيا لورين او التائبة الحديثة شارون ستون، حتى ينقلنا الى معلم حمودة تاجر اللحوم والى المشكلة التي تعترضه مع زوجته الثانية الجديدة (وهي القصة الروتينية عن حكاية التعلق والوله الميؤوس بالجميلة بعيدة المنال عن متناول المعلم عندما كان فقيرا وتحقيق الحلم المستحيل بعد ان تحول الى غني كبير في بلدته الصغيرة البعيدة عن القاهرة). فهي اشتكت له ان حمودة حاول الاعتداء عليها. ومن الملفت انها لم تخبره إلا بعد ان اكتشف زوجها ازرقاق ثديها، ملكيته الخاصة والحميمة. المعوق إذن ينقل أبو رية من دون اضاعة للوقت فيعرض المشكلة، لقد حاول حمودة المعاق ان يتحرش بالعروس المرغوبة للمعلم وأمسك بها في مكان حميم وحاول الاعتداء عليه بحسب رواية الزوجة. ومع الطريقة التي قدم الروائي بطله لنا قد نصدق في البداية محاولته تلك. فما العمل؟ يخترع أحد أصدقاء المعلم طريقة مبتكرة للانتقام، فيوهمون المعوق انهم سوف يزوجونه بعد أسبوع واحد فقط (وهو الذي طالما تمنى على معلمه ذلك دون جدوى) ومن احدى أجمل الفتيات وكل تكاليف العرس والغرفة والأثاث على المعلم نفسه! لكن حمودة يظل قلقا ومشوشا هل حقا يريد المعلم ان يزوجه؟ ولماذا يبدو غاضبا منه إذن؟ وينقل لنا الكاتب هذا العالم المحيط بحمودة، العالم السفلي لمدينة من الأطراف. فيبرع في وصف أنواع تناول النارجيلة والحشيش بطريقة أشعرتني أحيانا بالضيق لشدة استغراقه في استخدام تعابير مختصة في تدخين الجوزة وفي وصف امور ليست في متناول القارئ العربي في كل مكان. ولكن الكاتب يبرع في وصف الريف والغيطان وروائح الخضر، كما الاحياء والشوارع والحرف... وينقل بدقة تصويرية الحركات والاشياء والاماكن. ويتم تهيئة مقلب لحمودة الغافل عن المؤامرة التي يضلع فيها الجميع بما فيهم اخاه. والمؤامرة عبارة عن اقامة ليلة العرس تتم تهيئتها وتهيئة العريس كما في مثل هذه الاحوال. لكن المفاجأة سوف تكون ابدال العروس بشاب له ميول انثوية لكي يتسبب الامر بصدمة وألم يشابهان ما اعتقد المعلم الجزار انه تعرض لهما عندما صورت له زوجته ان حمودة هو من تحرش بها. لكن رهافة ابو رية تكمن في جلب تعاطف فكيهة التي طالما صدت غزله لها وتحرشه بها، فهي تدعوه لتناول الشاي قبل عرسه بقليل وتخبره ما يدبر له كي تجنبه المطب الذي لا ندري كيف كان قد انتهى به. وهي تقوم فوق ذلك بحركة فيها الكثير من الانتقام المضاد للمجتمع القاسي والمرائي والخاضع لسلطة المال ولشهوة التمييز ضد الضعفاء. وسوف تكون حركة علاجية فوق ذلك لحمودة المضطهد فتحقق له رغبته فيها، او تحقق رغبتها فيه هو الاخرس الذي لم يترك وسيلة لم يعرب فيها لها عن ولهه بها. هي حركة subtil شكلت انتقاما مزدوجا من المجتمع اللئيم المداهن المتآمر، عكس ما علق به صديق عند حديثنا عن الرواية، فهو ابدى اعجابه بها وبأسلوب ابو رية وتعابيره (ودافع عن استخدامه لتعبير المسفلت عندما يشير الى الشارع المزفت) وبأنه روائي يقرأه باعجاب، ولكنه لم يحب النهاية التي جعلت من الامر كله نكتة، ووصف النهاية بأنها ميلوردامية ارادها ابو رية عن قصد. لكنني اجد ان العكس هو صحيح، كانت الرواية ستصير ميلودرامية او تراجيدية من دون مبرر لو ان الكاتب ذهب مع المؤامرة الى النهاية وجعلها تنجح وجعل البطل يعاني من الانهيار. فماذا كان سينتج عن ذلك؟ اللجوء الى العنف او ربما الجريمة! وكان الشاب الذي سوف يلعب دور العروس قد اشار الى عنف الاشخاص الخرس علة كل حال. كان الامر سوف يكون نكتة سوداء لو نجحت المؤامرة. على كل حال اعجابي بالرواية لا يتأتى فقط عن حبكتها واسلوبها واهتمامها بمشاكل البشر الفقراء في المدن الصغيرة العالم ثالثية، لكن ايضا عن موضوعها الخاص والجديد والمعاصر. فموضوع الحب والجنس موضوع محرم في مجتمعاتنا، اما موضوع جنسانية المعوقين فهو محرم عالميا وبدأ الحديث عنه قريبا جدا عبر ابحاث قليلة وجديدة وعبر بعض افلام جريئة اذكر منها فيلم Theory of flight من اخراج كينيث براناه وتمثيله مع كارين كارتر عن قصة حقيقية لفتاة ولدت عام 1971 وتوفيت عام 1979 بعد اصابتها بمرض عضال اقعدها بعمر 18 عاما. * »ليلة عرس«، روايات الهلال، عدد 647، القاهرة.