As Safir Logo
المصدر:

»المترجمة« رواية ليلى أبو العلا حين تعلو الحرفة فوق الفكرة

المؤلف: جابر عناية التاريخ: 2003-08-19 رقم العدد:9576

الكتاب: »المترجمة« الكاتب: ليلى أبو العلا الناشر: »دار الساقي« قبل أن تربط »راي« البروفسور الأسكتلندي المختص بشؤون الشرق الاوسط، علاقة حب بالأرملة السودانية الشابة التي تعمل لديه كمترجمة، بدا »راي«، بحسب سياقات الرواية، متعاطفا مثاليا، بل بالغ التعاطف مع مشكلات الشرق الأوسط وفواجعه. كما وتربطه منذ شبابه الباكر، علاقة مكانية بالشرق، هو الذي أمضى فترة لا بأس بها في عدد من البلدان العربية (القاهرة... المغرب وسواهما) علاقة الحب إذن، التي جمعت »راي« بسمر لم تشكل بداية تعرّف الأسكتلندي بالشرق، بل هي خاتمة منطقية لشغف الرجل بحرارة العرب الشعورية، كما انها مخرج رومانسي ومطلوب بشدة، للوحدة التي تعانيها »سمر« في تلك البلاد الباردة، وللفراغ العاطفي الموحش الذي خلّفه موت زوجها الشاب إثر حادث سيارة، وإعادته جثة في تابوت الى أمه »محاسن« عمة سمر. شرط سمر امرأة مسلمة متدينة في حدود مواظبتها على الصلاة والصوم، ورفضها إقحام غير المسلمين في حياتها الخاصة، بمعنى رفضها القاطع الارتباط برجل غير مسلم، حتى لو توفّر ذلك الغرام العنيف الذي جمعها براي، والذي مع ذلك لم يزعزع قرارها، ولم يجعلها تتنازل عن رغبتها المعلنة، والمتمحورة حول شرط إشهار »راي« إسلامه ليمكنه الزواج منها، ومباركتها هذا الزواج. في استهلال رواية »المترجمة« للكاتبة السودانية ليلى أبو العلا، الصادرة عن »دار الساقي« وفي فصلها الأول تحديدا، لا تملك كقارئ سوى الدهشة المقرونة بالإعجاب للسلاسة الروائية والحرفة والمغايرة التي تملكها كاتبة تسنّى لك قراءتها للمرة الأولى. حرفة بائنة ظهّرتها القدرة المترفعة للكاتبة التي أحسنت الإمساك بالخيط الأول للروي، وعليه نسجت كافة التفاصيل الباقية، في إنسيابية من أمضى عمره في كتابة الروايات والخوض فيها. وما بدا أو قد يبدو عند البعض مأزقا تاما للرواية في رغبة بطلتها اشتراط الاسلام على حبيبها، ليسهل الزواج منه، يبدو لنا إشكالية تتعلق بحاجة سمر الملحة في غربتها الى الانتماء الكامل والذوبان التام في الرجل الذي اختارت، شكلا وعمقا وعقيدة. وأخمّن في سياق الرواية، أن أمرا ما كان يمكنه أن يحول دون »راي« وإشهاره الاسلام، لن يمنع »سمر« من الزواج منه، بل كانت لتجد له أعذارا وأسبابا. تعويض تبدو شخصية سمر، رغم الخواء والبرد والنقصان العاطفي وبلادة الحياة وميكانيكيتها في الغرب، قوية وثابتة ومتصالحة مع نفسها، بل وماكرة أحيانا. ثم أن علاقتها بعمتها محاسن (في الوطن) التي تركت لها أمر تربية إبنها من زوجها المتوفى طارق (إبن محاسن الوحيد) الذي أعادته الى والدته بتابوت، هي علاقة عارفة وواعية بأولوياتها في الغربة، وبحاجتها الى فسحة الوقت والجغرافيا، لتعيد ترتيب حياتها بعيدا عن ابنها. وهي أيضا علاقة تعويضية (إنتهازية الى حد) جرّاء الفقدان الكبير والإحساس بالذنب اللذين عانتهما من جرّاء موت زوجها. قد يقف بعض قرّاء »المترجمة« متهيبين ما تضمنته الرواية من تحولات صبّت في الغالب لصالح سلوكية أصولية مسلمة، او ما يبدو محاولة توفيقية ترويجية من الكاتبة لإعلاء القيم الدينية على حساب الانفتاح على الآخر وحواره وتفهمه وإفساح المجال لحرية اعتناقه ما يُحب والمجاهرة بما يعتقد، خاصة في ظل الظروف السياسية العالمية والتجاذبات »الحوارية« الرائجة حاليا. إذ يبدو إصرار الكاتبة على الزواج من مسلم كشرط أول، وعاءً جيدا لتطلعات المد الأصولي الضارب عميقا، وترويجا جيدا لمادة روائية تلاقي أذنا صاغية في الغرب. غير أننا نريد أن نعتقد، بأن هذه التفاصيل والحيثيات، إنما هي اللعبة الروائية البحتة التي تمارسها الكاتبة، وتتمظهر في الحاجة النفسية لمغتربة مسلمة ووحيدة، حيال الصقيع والقوانين والمشهد الثلجي الواحد الذي لا يرحم. حوار ما يغفر للرواية بعض زلاتها الواشية بالتعصب لدين على آخر، هو فهمنا أسباب الروي وضلوعنا في النص العاطفي الممتاز الذي سطّرته أبو العلا. غير أننا في الحقيقة لن نغفل مسلمة بسيطة ولكن مقلقة، تظهر بأن ما يلوح بين السطور، يناقض تماما ما جاء على غلاف الكتاب بأن »سمر بطلة ليلى أبو العلا، برزت قوية في تفاعل وحوار الحضارات«. ذلك أن سمر ذاتها، وفي سياق الرواية أعلت شرطا وحيدا وبقيت على عنادها من أجله، من دون رغبة النقاش مع »الآخر« او فتح باب الحوار معه. تبقى رغبة القلب او الحب، غير كافية لتبرئة رواية تخوض في أكثر المواضيع حساسية، وهي موضوعة الدين، التي دانت لرغبة »سمر« متجاهلة عدم رغبة »راي« في الأديان كافة. كما وتلمّسنا عبر السياقات السردية، تفوقا شعوريا عاطفيا عند البروفسور الغربي »راي« على سمر ذات الأصول العربية. ويبدد تعاطفنا، او هو البطل الفعلي »راي« في »المترجمة« المتفهم والعقلاني والعاطفي في آن، والذي في تفانيه في حبه، يمدّ بساط الحوار حتى منتهاه، ويرفقه بالتقديمات والتضحيات إذا صحّ التعبير، حين تعاقبه سمر برفضها الزواج منه، من دون تحقيق شرطها؟. ثمة خلل ما، ديني على الأرجح، شاب البنيان الروائي الجميل، الذي باشرته الكاتبة والذي لأجله، ساورتنا غبطة الوقوع على كاتبة سودانية موهوبة، تكتب في المغايرة والاختلاف ومفارقة بعض السائد الرديء، غير أن الطرح جاء دون مهارة الاشتغال الروائي.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة