As Safir Logo
المصدر:

اقتراحات الرئيس الحريري والإصلاح الضريبي المطلوب

المؤلف: عيسى نجيب التاريخ: 2003-08-18 رقم العدد:9575

في وقت أصبح فيه من الواضح أن المخرج من الأزمة الإقتصادية الإجتماعية الحادة التي يتخبط فيها لبنان يتطلب، من جملة ما يتطلبه، إصلاحاً جذرياً للنظام الضريبي يتناول خصائص هذا النظام الأساسية التي جعلت منه أحد الأنظمة الضريبية الأكثر ظلماً على الصعيد الإجتماعي والأقل فاعلية على الصعيد الإقتصادي. في هذا الوقت بالذات، تأتي مقترحات الرئيس الحريري الأخيرة (خفض عدد من الضرائب على الدخل والأملاك وزيادة في معدل الضريبة على القيمة المضافة) لتدخل المزيد من الخلل على النظام الضريبي وبالتالي المزيد من الظلم الإجتماعي والتدهور الإقتصادي. 1 إقتراحات الرئيس الحريري في سياق السياسة الضريبية المعتمدة في لبنان: منذ الإستقلال، ظل لبنان يتميز عن سائر دول العالم بمفارقة واضحة بين مستوى تطوره الإقتصادي الذي ادرجه في عداد البلاد النامية ذات الدخل الفردي الاكثر ارتفاعاً وطبيعة نظامه الضريبي الذي ابقى خصائصه الرئيسية مطابقة لخصائص الأنظمة الضريبية في البلدان النامية ذات الدخل الفردي الأكثر إنخفاضاً. وعلى الرغم من ان لبنان عاد بعد الحرب واسترجع مكانته بين البلدان ذات الدخل المتوسط من الشريحة العليا (حسب تصنيف البنك الدولي)، فان السياسة الضريبية التي اعتمدت في عقد التسعينات الماضي لم تعمل على ادخال تغيير جوهري على النظام الضريبي فيه. وبقيت خصائص هذا النظام حتى العام 2000 هي خصائص الانظمة الضريبية السائدة في البلدان النامية ذات الدخل المنخفض. إن كان لناحية تدني نسبة الاقتطاع الضريبي الى الناتج المحلي الاجمالي، اولناحية هيكل الايرادات الضريبية الذي تميز بغلبة كبيرة للضرائب غير المباشرة والوزن الطاغي داخل هذه الاخيرة للرسوم الجمركية. مقابل انخفاض واضح لنسبة الضرائب المباشرة بشكل عام والضرائب على الدخل بشكل خاص. هذا الى جانب الاعتماد الحصري على الضرائب الخاصة والنوعية، فيما يتعلق بضرائب الدخل والانفاق على حد سواء. فخلال السنوات الثلاث 1998 2000 لم تتجاوز نسبة الايرادات الضريبية الى الناتج المحلي الاجمالي كمتوسط5,15، في حين ان هذه النسبة كانت في البلدان الشبيهة بلبنان (لناحية متوسط الدخل) تتراوح بين20 و25$. وشكلت الضرائب غير المباشرة نحو 63$ من مجموع الايرادات الضريبية (من ضمنها 45$ للرسوم الجمركية ولا شىء للضريبة على القيمة المضافة). أما الضرائب المباشرة التي لم تتجاوز حصتها من مجموع الايرادات الضريبية 37 فتوزعت، تقريباً، على الشكل التالي: 5,12 للضريبة على ارباح الشركات ورؤوس الاموال و5,9$ للضريبة على الاملاك و15$ لاقتطاعات الضمان الاجتماعي. علماً ان الايرادات الضريبية في البلدان الشبيهة بلبنان (بما فيها اقتطاعات الضمان الاجتماعي) كانت تتوزع تقريباً مناصفة بين ضرائب مباشرة وضرائب غير مباشرة. وداخل الضرائب المباشرة، نلاحظ ان الارجحية هي لاقتطاعات الضمان (حوالى 22$ من الايرادات الضريبية)، تليها الضريبة على دخل الافراد (حوالى 15$)، ثم الضريبة على ارباح الشركات( حوالى 12$)، واخيراً الضريبة على الاملاك (حوالى 1$). هذا في حين ان الضرائب غير المباشرة كانت تتوزع تقريبا كما يلي: 29$ للضريبة على القيمة المضافة و13$ للضرائب النوعية و8$ فقط للرسوم الجمركية. إن السبب الرئيسي لاستمرار هذه المفارقة بين مستوى دخل الفرد في لبنان وخصائص نظامه الضريبي، يعود بشكل رئيسي الى ان السياسة الضريبية التي اعتمدت في التسعينات الاخيرة، لم تخرج عن كونها مجرد آداة في خدمة السياسة المالية الرسمية الرامية الى تخفيض العجز في الموازنة، وذلك بغض النظر عن فداحة الثمن الذي ترتبه هذه السياسة على الصعيدين الاقتصادي والاجتماعي. ومنذ ما يقارب الثلاث سنوات، أخذ النظام الضريبي في لبنان يشهد بعض التغيير. فقد حققت نسبة الاقتطاع الضريبي زيادة ملحوظة، وادخلت الضريبة على القيمة المضافة في هيكل الضرائب غير المباشرة. وعلى افتراض ان الايرادات الضريبية المحققة في موازنة العام 2003 ستكون مطابقة أوقريبة من الايرادات المتوقعة، فان هذا التغيير سيرتقي بالنظام الضريبي، وفي احسن الاحوال، من شبيه للانظمة الضريبية في البلدان النامية ذات الدخل المنخفض الى شبيه للانظمة الضريبية للبلدان النامية ذات الدخل المتوسط من الشريحة الدنيا. وذلك لناحية العبء الضريبي فقط الذي سيرتفع الى نحو 20$ من الناتج المحلي. اما الوزن النسبي لكل من الضرائب المباشرة والضرائب غير المباشرة فسيبقى تقريبا كما هو(36$ و64$ على التوالي). مع انخفاض داخل الضرائب غير المباشرة لحصة الرسوم الجمركية الى نحو 15$ من مجموع الايرادات الضريبية وارتفاع لحصة الضريبة على القيمة المضافة الى نحو 21$ منها (بعد ان كانت غير موجودة عام 2000). وكان من الواضح ان هذا التغيير لم يأتِ بدافع جعل النظام الضريبي اكثر عدالةً اجتماعياً واكثر فعاليةً اقتصادياً، وانما جاء تحت ضغط هم محض مالي، وهو زيادة مساهمة الايرادات الضريبية في خفض العجز المتنامي في الموازنة. مما جعل النظام الضريبي يعمل اكثر على تعميق التشوهات الموجودة اصلاً على الصعيدين الاقتصادي والاجتماعي. وعوضاً عن الكف عن إعتبار السياسة الضريبية مجرد آداة للسياسة المالية، وظيفتها العمل على خفض المديونية، والتخلي عن الإنحياز إلى مصلحة الدائنين وأصحاب المداخيل الريعية على حساب مستقبل الإقتصاد الوطني ومعيشة الأكثرية الساحقة للمواطنين، نرى المسؤولين يتابعون السير في الإتجاه نفسه لا يأبهون لما يترتب عليه من نتائج وخيمه. وهذا ما تؤشر إليه مقترحات الرئيس الحريري الأخيرة. فقد جاء في وسائل الإعلام، إن الرئيس الحريري يقترح زيادة معدل الضريبة على القيمة المضافة من 10$ إلى 16$ مقابل إلغاء الرسوم والضرائب المفروضة على دخل الموظفين وأصحاب المهن الحرة والأملاك المبنية ورسوم الإنتقال وسوم التسجيل في المدارس والجامعات الرسمية وعلى المحلات والمتاجر الصغيرة وما شابه، والإعفاء من رسوم الحفلات الفنية والرياضية والإجتماعية وإبقائها على الشركات المالية. ثم عاد وأتبع اقتراحته هذه باقتراح آخر يهدف الى زيادة معدل الضريبة على ارباح الشركات من 15$ الى20$ مع الغاء ضريبة ال5$ على توزيع الارباح. أما الهدف فهو، كما تقول »مصادر الرئيس الحريري، تحسين صورة الدولة في نظر المواطنين وتخفيف معاناة الناس في التعامل مع الإدارات والدوائر الرسمية« وتضيف هذه المصادر »أن الضرائب والرسوم كثيرة ومتعددة مما يجعل الدولة هدفاً للسخرية والإنتقادات والشكوى الدائمة«. علماً »أن عدداً كبيراً من الضرائب المقترح إلغائها تطال الطبقتين الوسطى والفقيرة« (السفير 8 /8 /2003) على الرغم من أن هذه الإقتراحات تبقى بحاجة إلى المزيد من البلورة والدقة في تحديد بنود الموازنة التي تطاولها، لا سيما تلك التي تتعلق بالإعفاءات من الضرائب المباشرة، فإن هذه الاقتراحات بالصيغة التي وردت فيها، تعتبر مؤشراً واضحاً إلى الإمعان في انتهاج السياسة نفسها. وبهذا الخصوص نلاحظ ما يلي: أولاً: إن هذه الإقتراحات تفاقم كثيراً في الخلل الموجود أصلاً في تركيب الإيرادات الضريبية. فزيادة معدل الضريبة على القيمة المضافة من 10$ إلى 16$ من شأنه زيادة الإيرادات من هذه الضريبة بمقدار 660مليار أي من 1100مليار ليرة في موازنة العام 2003 إلى 1760مليار في موازنة العام 2004. وبالمقابل فإن الإعفاءات المذكورة من شأنها أن تخفض الإيرادات من الضرائب المباشرة ما بين 400 و625مليار ليرة، تبعاً لتضمين الإعفاءات أوعدم تضمينها للرسوم العقارية. وإذا لم تتضمن موازنة 2004 تغييرات أخرى، فإن نسبة الضرائب المباشرة في هذه الموازنة ستنخفض إلى نحو 24$ أو27$ من الإيرادات الضريبية بعد أن كانت في موازنة العام 2003 نحو 36 ، وترتفع نسبة الإيرادات من الضرائب غير المباشرة من نحو 64 إلى نحو 76$ أو72$ من مجموع الإيرادات الضريبية. وإذا إستثنينا إقتطاعات الضمان الإجتماعي من الضرائب المباشرة، تقفز نسبة الضرائب المباشرة من مجموع الإيرادات الضريبية إلى ما بين85$ و90$. وهذه النسب لا نجد مثيلاً لها في جميع بلدان العالم، بما فيها البلدان النامية ذات الدخل الأكثر إنخفاضاً. هذا اذا استثنينا بعض البلدان المدن قليلة السكان التي تعيش على الريوع المتولدة من مواردها الطبيعية. (كموناكو وجزر البهاماس وقطر والإمارات العربية). ثانياً: إن الفئات الفقيرة ستكون المتضرر الأكبر في حال وجدت هذه الإقتراحات سبيلها إلى حيز التطبيق. ذلك أن أكثر من ثلث الأسر اللبنانية وهي الأسر الفقيرة، تعيش من دخل شهري يقل عن 800 ألف ليرة في الشهر. وتبلغ حصتها بمجموعها حوالى 12$ من الدخل الوطني (إدارة الإحصاء المركزي1998) هذه الأسر لا تطاولها الإعفاءات المقترحة (كما إن مساهمتها في ضريبة الأملاك لا تذكر). بالمقابل فإن الزيادة المقترحة على معدل الضريبة على القيمة المضافة (التي تطاول حسب التقديرات المختلفة حوالى 40 من موازنة الأسرة الفقيرة) تعني إرتفاعاً قدره 60 في ضريبة القيمة المضافة التي تسددها الطبقات الفقيرة. ثالثاً: في تقدير أولي قمنا به، يتبين إن الإعفاءات المقترحة من الضرائب المباشرة ستفيد منها الأسر ذات الدخل المتوسط بنسبة الثلث والاسر ذات الدخل المرتفع بنسبة الثلثين. علماً أن الأسر ذات الدخل المتوسط هي, بحسب إدارة الإحصاء المركزي (1998)، التي يتراوح دخل الواحدة منها ما بين 800ألف و2400ألف ليرة. وتشكل بمجموعها حوالى نصف الأسر في لبنان وحصتها من مجمل الدخل الوطني 44$. أما الأسر ذات الدخل المرتفع فهي التي يتجاوز دخل الواحد منها 2400ألف ليرة وتشكل بمجموعها حوالى 18$ من الأسر، لكنها تستحوذ على حوالى 43 $من الدخل الوطني. وفي تقديرنا ان ما ستكسبه الأسر المتوسطة الدخل من الإعفاءات الضريبية المباشرة يعادل تقريباً ما ستخسره من جراء إرتفاع الضريبة على القيمة المضافة. في حين ان ما ستكسبه الأسر المرتفعة الدخل من الاعفاءات سيتجاوز بشكل ملحوظ ما ستخسره من جراء إرتفاع الضريبة على القيمة المضافة. ونستند في هذا إلى مقارنة بسيطة بين مدى تصاعدية الضريبة على الدخل في لبنان ومدى تراجعية الضريبة على القيمة المضافة فيه. رابعاً: ليس من المنتظر أن يكون لزيادة معدل الضريبة المقطوع على أرباح الشركات من 15$ إلى 20$ تأثير ملحوظ على حجم الإيرادات من الضرائب المباشرة وبالتالي على تركيب الإيرادات الضريبية، نظراً إلى أن هذه الزيادة سيقابلها، حسب ما هو مقترح، إلغاءً للضريبة على توزيع الأرباح والتي يبلغ معدلها 5. 2 النظام الضريبي المطلوب: المطلوب بكل بساطةهو: أن يعكس المسؤولون توجهاتهم على صعيد السياسة الضريبية بحيث تصبح هذه الأخيرة آداة لجعل النظام الضريبي في لبنان أكثر توازناً وفعالية، ليس فقط على الصعيد المالي وإنما أيضاً، لا بل خصوصاً، على الصعيدين الإقتصادي والإجتماعي. هذا يعني أن جهود المسؤولين على صعيد السياسة الضريبية يجب أن تصب في إتجاهات ثلاثة رئيسية: أ تعزيز الفعالية التوزيعية للنظام الضريبي (جانب العدالة). بزيادة حصة الأيرادات من الضرائب المباشرة عن طريق جعل الضريبة على دخل الأفراد أكثر تصاعدية بعد جمع مختلف مصادر هذا الدخل في وعاء ضريبي واحد. ب تعزيز الفعالية الإقتصادية لهذا النظام بزيادة العبء الضريبي على النشاطات ومصادر الدخل الريعية وتخفيفه عن النشاطات الإنتاجية الخالقة لفرص العمل. ج تعزيز الفعالية المالية للنظام بزيادة العبء الضريبي الاجمالي، شريطة أن لا تشمل هذه الزيادة الإيرادات من الضرائب غير المباشرة. وإذا كان ولا بد من تغيير في هيكلية هذه الايرادات، فإن زيادة حصة الضريبة على القيمة المضافة يجب أن تأتي على حساب حصص الضرائب غير المباشرة الأخرى (الضرائب النوعية والرسوم الجمركية). بمعنى آخر فإن الإصلاح الضريبي المطلوب هو الذي يجعل النظام الضريبي في لبنان يقترب بخصائصه الرئيسية من خصائص الأنظمة الضريبية السائدة في مجموعة البلدان التي يصنفها البنك الدولي، متوسطة الدخل من الشريحة العليا، والتي يندرج لبنان في عدادها. هذا يعني تحديداً، أن تزيد حصة الإيرادات من الضرائب المباشرة من 36 $ إلى ما بين 45$ و50$ من مجموع الإيرادات الضريبية. لكن السؤال المحوري هنا هو كيف وإلى اي حد يمكن، في ضوء مقتضيات النمو الاقتصادي، زيادة هذه الايرادات؟، آخذين في عين الاعتبار مستوى الدخل في لبنان والتفاوت الكبير في توزيعه على فئات المجتمع، يمكن القول ان هنالك هامشا واسعا لزيادة الايرادات المذكورة. اما مكونات هذا الهامش فهي: اولاً : على صعيد الضريبة على ارباح الشركات. إنطلاقاً من أن تأثير معدل الضريبة على إستدراج الإستثمارات محدود، يمكن زيادة معدل الضريبة المقطوع على الشركات من 15 الى مابين 25 و30$. علما ان هذا المعدل الاخير يبقى أدنى من المعدلات المعروفة في سائر البلدان النامية، لا سيما منها التي تحقق معدلات نمو عالية. (على سبيل المثال يبلغ هذا المعدل ما بين 32$ و40$ في مصر وما بين25$ و40$ في السعوديةو26$ في سنغافورة 30$ قي ماليزيا و35$ في شيلي و48$ في البرازيل). وللحد من التاثير السلبي للمضاربات العقارية على تخصيص الموارد ومستوى الاسعار، يقتضي الامر فرض معدل ضريبة اعلى من 30$ على ارباح الشركات العقارية بما فيها سوليدير. ثانيا: على صعيد الضريبة على دخل الافراد. نظراً الى ان معدل الضريبة على الشطر الأعلى من دخل الأفراد هو في لبنان الأدنى عالميا(20$)، يمكن ان يرتفع هذا المعدل الى ما لا يقل عن المستوى الذي كان عليه قبل العام 1993، اي الى نحو 32$. (على سبيل المثال، يصل معدل الضريبة على الشطر الاعلى الى 32$ في مصر و50$ في كل من اسرئيل وتركيا). والأهم هو أن تطاول هذه الضريبة وبالنسب نفسها، مصادر الدخل التي لم تطاولها حتى الان، اوتطاولها بنسب منخفضة. نقصد الفوائد بما فيها سندات الخزينة وارباح البورصة والصفقات العقارية. اذ ان مصادر الدخل هذه تشكل حسب التقديرات ما بين 20$ و25$ من الدخل الوطني. هذا التوسع في قاعدة ضريبة الدخل سيكون له اثر ايجابي ليس فقط على اعادة توزيع الدخل بل وخصوصا على ترشيد تخصيص الموارد. ويزداد حجم الايرادات من ضريبة الدخل اكثر في حال جرى تطبيق معدلاتها التصاعدية على مجمل الدخل. اي على دخل الفرد مجمعا من مختلف مصادره مع توسيع قاعدة المكلفين، لتشمل الكثير من اصاب المهن الحرة وغيرهم من المكتومين ضريبيا. ثالثا: على صعيد إقتطاعات الضمان الإجتماعي. قد لا يكون من المناسب زيادة نسبة اقتطاعات الضمان الاجتماعي لتصل الى حوالى 4$ من الناتج المحلي كما هو الحال في معظم البلدان ذات الدخل المتوسط. لان ذلك سينعكس زيادة في الاعباء والتكاليف التي يتحملها الانتاج المحلي. الا ان الدواعي الاجتماعية تدفع على الاقل لاعادة نسب اشتراكات ارباب العمل الى ما كانت عليه قبل ان يجري تخفيضها. رابعا: في ضوء الثروات الكبيرة التي تراكمت خلال فترة الحرب وبعدها لدى فئة من اللبنانيين، بطرق غير مشروعة عموما، يكون من المناسب استحداث ضريبة جديدة تطال مظاهر الثروة: كأمتلاك القصور والفيلات واليخوت والطائرات الخاصة واكثر من سيارة فخمة واقامة الحفلات الباذخة...ألخ. خامسا: من الواضح ان الادارة الضريبية في لبنان لا تزال بحاجة الى كثير من التفعيل. ان كان على الصعيد البشري ام على صعيد التجهيزات وتقنيات الجباية. واذا ما اعطي عناية كافية لهذه الناحية، فان الايرادات ستحقق زيادة اضافية ملحوظة. اذا كان الاصلاح الضريبي المنشود يجب ان يركز بشكل رئيسي على الشق المتعلق بالضرائب المباشرة فلا يعني ذلك ان الشق الآخر المتعلق بالضرائب غير المباشرة يجب ان يبقى على حاله. بسبب انضمام لبنان الى الشراكة الاوروبية المتوسطة وعزمه على الانضمام الى منظمة التجارة العالمية، عليه ان يجري المزيد من الخفض في حصة الرسوم الجمركية التي لا تزال تشكل نحو 15$ من مجموع الايرادات الضريبية، في حين انها في معظم البلدان ذات الدخل المتوسط لا تتجاوز 7$. بالمقابل على حصة الضريبة على القيمة المضافة ان تحقق المزيد من الزيادة فهي الآن في حدود 21$ من الايرادات الضريبية، في حين انها تبلغ حوالي 30$ في معظم البلدان ذات الدخل المتوسط. من الضروري ايضاً العمل على خفض حصة الايرادات من الضرائب غير المباشرة الاخرى لا سيما الضرائب الداخلية النوعية التي لا تزال تشكل نسبة عالية جداً من الايرادات الضريبية (28$) مقارنة بالبلدان الشبيهه بلبنان ( 5,12$) كذلك يمكن التخفيف من تراجعية الضرائب النوعية باعادة هيكلتها بحيث تطبق معدلات ضريبة مختلفة تبعاً لدرجة الحاجة للسلع والخدمات التي تطاولها. هذا بالاضافة الى انه يمكن التخفيف من تراجعية الضريبة على القيمة المضافة كما هي مطبقة في الوقت الحاضر وذلك بتطبيق صحيح لهذه الضريبة يتحاشى مراكمتها على ضرائب ورسوم موجودة اصلاً (البنزين مثلاً). في تقديرنا ان الاخذ بهذه الاجراءات من شأنه ان يحقق التوازن في النظام الضريبي اللبناني ويدرجه في الوقت نفسه في عداد الانظمة الضريبية السائدة في البلدان ذات الدخل المتوسط من الشريحة العليا. وبهدف تحديد معالم النظام الضريبي العتيد بصورة اوضح قمنا باخضاع التعديلات التي يمكن ادخالها على السياسة الضريبية في لبنان الى ثلاثة سيناروهات، يقوم كل منها على نموذج لنظام ضريبي يقترب، مع بعض الاختلاف، من النموذج الضريبي المأخوذ به في الوقت الحاضر في تونس. لكون تونس تحقق في ظل هذا النظام معدلات نمو ملحوظة وانجازات مهمة على الصعيد الاجتماعي، مع ان متوسط دخل الفرد فيها لا يزال اقل منه في لبنان. وكانت النتيجة التي توصلنا اليها هي: ان الاصلاح الضريبي الانسب في الوقت الحاضر اي الذي يؤمن المزيج الافضل بين الاهداف المالية والاقتصادية والاجتماعية وفي الوقت نفسه ممكن التحقيق (اي يمكن وضع موازنة العام 2004 على اساسه) هو الذي يعمل على: اولا: رفع نسبة الايرادات الضريبية الى الناتج المحلي الاجمالي (العبء الضريبي) الى حوالى 23$ ( 26$ في تونس)، اي زيادة الايرادات الضريبية في موازنة العام 2003 بحوالى 860 مليار ليرة، بحيث يصبح مجموع الايرادات الضريبية لعام 2004 نحو 6100 مليار ليرة. هذه الزيادة يبدو ان لا مفر منها، لان خصخصة بعض المرافق اوتسنيد ايراداتها، كقطاع الاتصالات، سيعمل على تخفيض حجم الايرادات غير الضريبية. ومن شأن الزيادة ان تساعد ايضا في تمويل خطة اوبرنامج لاعادة هيكلة قطاعات الانتاج وتعزيز تنافسيتها واطلاق النمو الخالق لفرص العمل. ثانياً: هذه الزيادة في الايرادات(860 مليار ليرة) يمكن تحقيق معظمها (حوالى 775 مليار) عن طريق الاصلاحات المقترح ادخالها على ضريبة دخل الافراد (لا سيما لجهة توسيع الوعاء الضريبي ليشمل الفوائد وعائدات سندات الخزينة حتى في حال انخفضت معدلاتها بالاضافة الى المضاربات العقارية والمهن الحرة وزيادة معدلات الضريبة وتوحيد الوعاء الضريبي...الخ). مستندين في ذلك الى ما سبق واتينا على ذكره من ان مصادر الدخل الفردي والاسري غير المشمولة بالضريبة والمذكورة اعلاه، تشكل حسب التقديرات ما بين 20$ و25$ من الدخل القومي، وهي اكبر من المصادر المكونة من الارباح وعائدات رأس المال (ارباح شركات الاموال وشركات ومشاريع الافراد) التي تؤمن ايرادات لموازنة العام 2003 تصل الى حوالى 735 مليار ليرة. وفي حين يبقى مستوى كل من الايرادات من الضريبة على ارباح الشركات والضريبة على الاملاك في المستوى الذي كانت عليه في موازنة 2003 يكون على اقتطاعات الضمان الاجتماعي ان تحقق زيادة طفيفة قدرها 85 مليار ليرة. بمعنى آخر على حصة الضرائب المباشرة ان ترتفع من حوالى 36 $الى حوالى 45$ من مجموع الايرادات ( في تونس حوالى 46). وداخلها، على حصة الضريبة على دخل الافراد ان ترتفع من حوالى 4$ الى حوالى 16$ من مجموع الايرادات (في تونس 11$). في حين انه على حصة الضريبة على ارباح الشركات ان تنخفض من حوالى 14 الى حوالى 12 (في تونس 5,10). وعلى حصة الضريبة على الاملاك ان تنخفض من 7,7$ الى 5,6$ (في تونس5$). اما اقتطاعات الضمان الاجتماعي فتبقى حصتها كما هي تقريباً 8,10$ (في تونس 8,18$). بذلك تبقى الاعباء التي تتحملها القطاعات الانتاجية كما هي ويجري تحميل الزيادة في الايرادات لمصادر الدخل من النشاطات الريعية اوشبه الريعية مما يساهم في تصحيح الخلل الكبير السائد على صعيد تخصيص الموارد. ثالثا: بموجب هذا السيناريو يبقى الحجم المطلق للايرادات من الضرائب غير المباشرة على حاله 3330 مليار ليرة تقريباً. لكن حصتها من مجموع الايرادات ستنخفض من نحو 64$ الى نحو 55 (54$ في تونس ). وداخلها سترتفع حصة الضريبة على القيمة المضافة من 21$ الى 28$ من مجموع الايرادات (في تونس حوالى 29$). وتنخفض بالمقابل حصة الضرائب الداخلية النوعية من حوالى 28$ الى حوالى 16$من مجموع الايرادات الضريبية (5,13$ في تونس). كما تنخفض حصة الرسوم الجمركية من 15$ الى حوالى 11$ من مجموع الايرادات الضريبية (في تونس 5,11$). رابعاً وأخيرا: لا بد من الاشارة الى ان هذا الاصلاح المقترح للنظام الضريبي في لبنان لا يمكن ان يؤتي ثماره اذا لم يتواكب مع سياسة ترشيد للانفاق تجعله يلعب دوره كاملاً في عملية النهوض الاقتصادي والاجتماعي. * باحث في الاقتصاد

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة