As Safir Logo
المصدر:

معلولا بلدة الكنائس تحتفظ بتراث المسيحية الأول ولغة المسيح الآرامية

دير مار تقلا
المؤلف: دياب عفيف التاريخ: 2003-08-16 رقم العدد:9574

في لحف جبل العسل او الحلو، وعند اقدام فج صخري تتموضع بلدة الكنائس القديمة معلولا في سوريا، ملتحمة بالصخر منذ عشرات الاف السنين... حفر فيها الانسان الأول مسكنه ومعبده. معلولا الواقعة في شمال شرق دمشق صنعت لغتها الإيمانية عبر التاريخ وكانت الارامية لغة لبشر البسيطة في تلك الارض وأعطت حروفها للسيد المسيح ليبشر بها برسالته. في معلولا يكتشف الزائر كم ان »المعلولي« كان اقوى من صلد الصخر، وكم هما متعانقان، فلا يمكن فصل صخور معلولا عن انسانها... ولا يمكن للصخور ان تترك معلولا وحيدة. معلولا تعني بالآرامية المضيق، من ضيق الطريق الموصل اليها، تعود الى عصور ما قبل التاريخ، حيث دلت التنقيبات في الجروف الصخرية ان البلدة قد سكنها الانسان على فترات متتالية في العصور الحجرية المختلفة، وهي تشكل متحفا حيا عن تاريخ الانسان القديم وكهوفه المقامة وفق احتياجاته. الآراميون نسبة الى آرام بن سام بن نوح وابو الشعوب الارامية، اسسوا ممالك لهم، ولغتهم ما زالت تحكى حتى يومنا هذا في 3 قرى سورية هي: معلولا وبخعا وجبعدين. وقد حافظ الاهالي عليها من الآباء والأجداد، وتجرى اليوم دورات تعليمية لكتابتها والنطق بها، حيث معظم سكان هذه القرى يتحدثون بلغة اعتمدها السيد المسيح ولكنهم لا يحسنون كتابتها. وتقول مها الحاج، المرشدة السياحية في دير مار سركيس وباخوس في معلولا، ان هناك اكثر من 18 الف مسيحي ومسلم يتقنون الارامية تحدثا فقط، وان هناك مساعيَ حثيثة لإعادة احياء هذه اللغة. معلولا، الحافظة للطابع والتاريخ الارامي، حافظة ايضا لأقدم الكنائس المسيحية في العالم التي اقيمت وشيدت على انقاض المعابد الوثنية لتعلن انتصار المسيحية عليها. وتشير الاثار الصامدة الى ان كنسية دير مار سركيس وباخوس تعتبر من اقدم الكنائس وتعود الى القرن الرابع، وهي شيدت ما بين 312 و325 ميلادية على انقاض معبد وثني ما زالت اثاره بادية للعيان في ارجاء الدير، رغم ان المسيحية انتشرت في معلولا والقلمون قبل نهاية القرن الثالث الميلادي بفترة قصيرة. ولكن مها الحاج تعتبر ان المسيحية وصلت الى معلولا في نهايات القرن الاول الميلادي، يوم اتخذت القديسة تقلا جبال القلمون ملاذا آمنا لها هربا من اضطهاد اهلها وذويها وأقنعت النساء الوثنيات بالايمان بالمسيح قبل ان تموت في التسعين من عمرها في اواخر القرن الاول الميلادي. شهدت معلولا صراعا بين الوثنية والمسيحية وقدم اهلها العديد من الشهداء والشهيدات القديسين، ومنهم القديسة تقلا التي تحمل كنائس عدة اسمها في معلولا. فالمغاور التي تحولت الى معابد صلاة مسيحية قبل صدور مرسوم ميلانو المشهور والذي اباح بموجبه القيصران قسطنطين وليكينوس الحرية الدينية لمواطني الامبراطورية الرومانية في شرقها وغربها، ما زالت شاهدة عيان ومنها المغارة المعروفة في معلولا اليوم باسم مغارة الخوري يوسف، وهي كانت معبدا لإله الشمس قبل ان تصبح معبدا مسيحيا... اضافة الى الصوامع والخلوات تقول مهى الحاج. تعتبر كنيسة مار سركيس وباخوس من الاقدم بين اربعين كنيسة ودير في البلدة، وهي مشادة على انقاض معبد وثني سنة 312 ميلادية وبقاياه ما زالت شاهدة على تلك الحقبة. وتشير عينات خشب الارز الباقية فيها الى أنها تعود الى الفي سنة. معلولا، الناطقة اليوم بلغة المسيح الارامية، محروسة بجدار صخري من جهات ثلاث شرقا وشمالا وغربا، مع فجين شرقي وغربي، فيما بوابتها مشرعة عبر واديها نحو الجنوب... تشكل لوحة ابدعتها الطبيعة نحتا مع يد الانسان القديم وفي العصر الحديث، فالبيوت »المعلولية« ثبتت بالصخر متدرجة من الاسفل نحو تل صخري يحضنها بعطف وأمان... ويخال زائر معلولا ان القرية ما زالت تستعد، بمنازلها المعلقة ومغاورها، لرد الغزاة عن اسوارها الصخرية. جدار معلولا، الذي ترتفع قمته الى 1913 مترا، يعود الى العصر الجيولوجي الثالث، اي ما يزيد عن مليون سنة، ويشكل جرفا شديد الانحدار نحو الشرق. الفجان الصخريان يقسمان البلدة الى قسمين، معلولا الحالية او الحديثة العهد، ومعلولا القديمة المحفورة في الصخور كهوفا، وأكثر ما يلفت نظر الزائر ان غرف منازل معلولا لها ثلاثة حيطان... والرابع هو صخر الجبل الذي تتكئ عليه. زائر معلولا لا يستطيع مغادرتها من دون المرور او الحج الى دير مار سركيس او دير »سرجيوس وباخوس« الذي يعتبر من اقدم الكنائس في العالم ولا زالت تعتمد المذبح المسيحي ذي الشكل الوثني، والتمتع بعظمة الايقونات التي ستنقل بعضها الى معهد العالم العربي في باريس للمشاركة في معرض الايقونات العالمية. في داخل الكنيسة او المعبد الصامد بقناطر وعقود حجرية والمقام على انقاض معبد وثني، ثلاثة مذابح بالشكل الوثني، هي رمز للثالوث المقدس وتعتبر ايضا من اقدم المذابح المسيحية، وأحدها من الرخام على شكل نصف دائرة، كان يستخدم لحرق الذبائح مع قناة صغيرة لتصريف الدماء في الوسط، اما المذبح الثاني فهو من الحجر على شكل مستطيل ويعود الى ما قبل العام 325 ميلادية متموضع تحت قبة تجسد السماء مع نجومها وأيقونة للسيدة العذراء لاتحتضن فيها ابنها السيد المسيح، وهي من الفن البيزنطي رسمت في العام 1824. اما المذبح الثالث فهو لا يختلف عن الاول. اكثر ما يميز دير مار سركيس وباخوس في معلولا، الايقونات النادرة الوجود اليوم والتي تعود الى حقبات مهمة من تاريخ المسيحية، رسمها فنانون كبار من العرب والعالم عاشوا في سوريا وتأثروا بالفن الدمشقي. ومن اهم الايقونات المعلقة في الدير واحدة تجسد العشاء السري، والمائدة عبارة عن نصف دائرة، وعادة ترسم في ايقونات على شكل مستطيل، اضافة الى ايقونتين للسيد المسيح والعذراء وأيقونة يوحنا المعمدان، وتعود للعام 1778، وهي تجسد المعمدان يستريح ويضع رجلا فوق الاخرى مبتسما وهو يرمي المياه... وتوحي بأنه كان قد انهى للتو مهمته بتعميد السيد المسيح. ومن الايقونات: السيد الضابط الكل بريشة رسام مجهول، وأيقونة مريم العذراء وهي نسخة عن الايقونة الاصلية المنسوبة للقديس لوقا، وهي رسم يوناني... وأيقونة القديسة تقلا اولى الشهيدات وهي من تصوير ميخائيل الكريتي في العام 1820 ومريم العذراء رجاء وشفيعة المؤمنين، وهي ايضا لميخائيل الكريتي صورها في العام 1813، وسيدة النعم من رسم يوحنا صليبا القدسي سنة 1867، كما يحتضن الدير مجموعة اخرى من الايقونات التي تعتبر قطعا فنية نادرة بمختلف اشكالها وأنواعها الفسيفسائية والقماشية والخشبية والجدارية ووثيقة هامة في الفن العالمي.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة