As Safir Logo
المصدر:

بتنا مستقلين بلا عقدة نقص إذا استعملنا غير لغتنا عبد الهادي التازي: العولمة قادمة... وهي لا تخيفني

المؤلف: الرماحي اموري التاريخ: 2003-08-16 رقم العدد:9574

الدكتور عبد الهادي التازي، وجه من أبرز وجوه الحركة الفكرية والتاريخية في المغرب، وأكثرها عراقة. فهو حين يتم الحديث عنه، أو يجري تقديمه في المحافل الفكرية التي كثيراً ما يكون له حضوره المتميز فيها يوصف بأنه رجل تاريخ وفكر، وفلسفة ودبلوماسية. وهو نفسه يجد شخصيته مكتملة بهذه العناصر كلها. كتب في التاريخ، وحقق العديد من أمهات الكتب التاريخية والفكرية وأعزها لديه وأكثرها إيثاراً منه »مقدمة ابن خلدون«. ومن هنا فإن حياته بذاتها تشكل سِفْراً كبيرا: إذا كان قد بدأ بالكتاب، ومع الحرف والكلمة.. فإنه يتواصل في ما عرف من حياة، وخبر من تجارب، وعاش أخرى.. كلها جعلت من »حياته الشخصية« منجماً متواصل العطاء. أما إذا أخذنا كتاباته، وما حقق وأَلّفَ، فإن سِفراً آخر، لا أغنى ولا أوسع سينبسط أمامنا.. إن أحطنا بما اتخذ له من عناوين، فإننا سنواجه الصعوبة في الإحاطة بما كان وراء تلك العناوين من علوم وفنون وفكر.. ÷ نحن نعرف عن الدكتور عبد الهادي التازي أنه رجل تاريخ، وفكر، وفلسفة ودبلوماسية.. ولكنني أسأل: أي هذه المجالات أقرب إلى نفسك..؟ { كلُّ هذه الحقول يُكَمّلُ بعضها بعضا، ولذلك فإنها جميعا كانت تصادف هواي، فالتاريخ نافع بالدرجة الأولى في فهم الأوضاع الحالية، ودبلوماسية أسلافنا سواء أكانوا بالمشرق أو بالمغرب، كانت دبلوماسيةً بالنسبة إلينا بمثابة مدرسةٍ عريقةٍ أفادتنا، وتفيدنا كثيراً في مسيرتنا اليوم، وما من شك في أن الفكر كفكر، والفلسفة كفلسفة، يظلان العنصر الجاد في تفعيل التحركات الخارجية للبيت العربي، ولدار الإسلام بصفة عامة . ÷ اهتمام الدكتور التازي بتاريخ المغرب الدبلوماسي كان ذا أثر كبير في تسليط الضوء على علاقات المغرب بالأمة العربية، ما الذي لفت نظركم في هذا التاريخ؟ { كان أبرز ما لفت نظري وأنا أعالج كتابة التاريخ تلك الصلات القوية والمتواصلة بين بلاد المغرب وبلاد المشرق، يدل على ذلك العدد الكبير من الرسائل المتبادلة بين قادة البلاد هنا وهناك، التي كانت تتناول سائر الموضوعات، وخاصة منها القضايا التي تتصل بالدفاع عن الكيان، وحماية البلاد من كل عدوان أجنبي يهدد السيادة الوطنية، ومن أجل كل هذا فقد حرصت على أن لا يُعتبر تأليفي عن (التاريخ الدبلوماسي) تأليفاً خاصا بالمغرب، بل يعتبر تاريخا دبلوماسياً لسائر الأمة العربية لأنه، بالفعل، كان يتناول تاريخ الأمة العربية جميعها. ونحن نعلم أن المغرب ظل يمثل ركناً قوياً من تاريخ الوجود العربي على الصعيد الدولي. فأنا عندما أتحدث عن مراكش مثلا، كنت كأنما أتحدث عن بغداد او بيروت أو دمشق الشام، وكل عاصمة عربية. ولعلكم تذكرون أن ابن خلدون كان في صدر المؤرخين القدامى، الذي كشف عن الخطابات التي نقلها الإمام ابن العربي من السلطان يوسف بن تاشفين في المغرب إلى المستظهر بالله الخليفة العباسي. ومن هنا كنت في كتابي المذكور أشعر بأن أحداث بغداد وبيروت تهمني على نحو ما كنت أشعر بأن أحداث فاس وأغادير تهم بغداد وبيروت! وهكذا مع كل عاصمة عربية، وهنا أعود للقول بأنني كنت أهدف من تأليفي لموسوعتي عن (التاريخ الدولي للمغرب) إلى التعريف بالتاريخ الدولي للمشرق كذلك! وأريد التأكيد على حقيقة، قد تَخفى على بعض الناس، تلك هي أن الكنيسة في حاضرة الفاتيكان كانت تعرف هذه الحقيقة، ومن ثم كنا نراها تتحرك مشرقاً ومغرباً على أساس أن المشرق والمغرب جهة واحدة ولو انهما، جغرافيا، متباعدان! لاحظوا مثلاً، وجود سفارةٍ من البابا إينو صانت الرابع (648 ه 1250 م) عند امبراطور التتار في أقصى آسيا لاستئلافه من أجل كسر شوكة بغداد، في حين نجد سفارةً لنفس البابا في مراكش من أجل الغرض نفسه: كسر شوكة المغرب!! هذا الكلام، لا أقوله من أجل إحياء حزازاتٍ أو نبشٍ في تاريخ ولّى وذهب، ولكن لأقول إن هناك واقعاً سجلته الوثائق بالأمس البعيد، ونحن لا نريد له أن يعود، بل نريد أن نستخلص منه العبر لنعيش اليوم حياةً مليئةً بالتفاهم، غنية بالحوار، وجديرة بعالم متطور أصبح يشعر بأنه بحاجة بعضه إلى بعض أكثر مما كان بالأمس، وان الصراع من أجل الهيمنة أضحى صراعاً متجاوزاً ولا يقبله أحد.. ÷ تعريب التعليم الجامعي، هل هو طريق محفوف بالمخاطر في تقديرك؟ { تعريب التعليم الجامعي، لا شك في أنه مبدأ سام رفيع، ولا يتناقش أحدٌ على وجاهته وضرورته، لكن السؤال الذي يبقى مطروحا ولا أكتمكم ذلك اننا أصبحنا، مع ضيق الفجوة في هذا الفضاء الذي نعيشه، بحاجة ماسة إلى لغة ثانية ولغة ثالثة ورابعة لتكون فائدتنا نحن العرب اكثر وامتن وأقوى. ومن اجل كل ذلك لا أرى أن تبقى بعض مواد التعليم الجامعي مقتصرة على لغة واحدة ما دام أداؤها باللغات الأخرى يضمن ارتفاع المستوى وجودة المعلومات. لقد أصبحنا اليوم مستقلين عن هيمنة الأجنبي الذي كان يستعمر أرضنا، ولهذا لم تبق عندنا عقدة أو مركب نقص إذا استعملنا لغة غير لغتنا! ومن أجل ذلك اسمحوا لي بأن أعبّر عن وجهة نظري، وأنا عضو في سائر المجاميع العربية، اسمحوا لي بأن أقول لكم: إنني من دعاة الحفاظ على المستوى الرفيع، ولو أن هذا الحفاظ يكون على حساب نقصنا في لغتنا الوطنية. وأرجو ألا يُفهم كلامي هذا خطأً، فإن تكويني الأصلي عربي وأعتز بأنني من المدافعين الصادقين عن العربية. ولكنني أقول برأي الفيلسوف الألماني كوت القائل: »من لا يعرف من اللغات إلاّ لغته فإنه يجهل حتى لغته!«. ÷ إلى أي مدى بلغت حركة التعريب في المغرب؟ { أنا من الذين عاشوا مع موضوع التعريب منذ استرجاعنا لاستقلالنا عام 1956 عندما أصبحت مسؤولاً. أستطيع أن أقول لك، ولا أفشي سراً بذلك، إن المراسلات التي كانت تتم وقتها، كانت 99 في المئة بالفرنسية! وأقول لك إن المراسلات اليوم تمثل 99 في المئة بالعربية! لا أكذبك ولا أخاتلك وأنا أقول لك هذا.. شبابنا اليوم وشابّاتنا وشيوخنا يتحدثون بعربيةٍ عالية.. وإن ما ينقل عن أن المغرب يتنكر للغة العربية، إنما يتحدث عن معلوماتٍ خاطئة.. هناك بعض من الناس يمزجون في حديثهم مفرداتٍ فرنسية بحديثهم العربي، ولكني أراه مزجاً على نحو ما أسمعه من بعض الناس في البلاد الشرقية عندما يخلطون العربية بالإنكليزية. نحن موجودون ÷ لأسباب متباينة كانت هجرة الكثير من أبناء الأمة العربية إلى بلدان أخرى، يا ترى كيف يتسنى لنا الحفاظ على الهوية القومية للمهاجرين في ظل العولمة؟ { شُغلنا كثيراً بالحديث عن العولمة، وعن هموم الهجرة والخوف على هويتنا وحضارتنا من جراء اختلاط أبنائنا بالحضارات الأخرى. أريد القول اولا: إن العولمة قادمة لا محالة، وهي لا تخيفني! تلك هي حقيقة لا ينبغي أن نهرب منها، ولا نخاف منها كما قلت. إن ما كنا نعيش عليه قبل خمسين سنة، ليس هو بحال ما نعيش عليه اليوم، بمعنى أن العولمة غزَتنا، وتغزونا من دون أن نشعر. غزتنا في لباسنا، في عاداتنا في البيت، وفي الشارع، وفي الجامعة. لكن السؤال الذي يبقى مطروحا، هو كيف نستطيع الحفاظ على هويتنا وعلى حضارتنا وأصالتنا مع هذا السيل الغريب الذي يقتحم بيوتنا من غير استئذان؟! يقتحمها عن طريق (ألبارَ ابول) الذي لا نملك أمامه حاجزاً. أعتقد أن الطريق الوحيد أن نتحصن نحن اولاً حول ما يتصل بهويتنا المتمثلة في أمرين: العقيدة واللغة، وهكذا نجعل من هذه العولمة وسيلةً لنا نحن لترويج بضاعتنا وفرْض طريقتنا، وأقصد إشاعة قيمنا الحضارية. ومن غير أن نسمح لأنفسنا بأن نذوب في الحضارات الأخرى. وهكذا ففي الوقت الذي نقبل فيه وجود الآخرين علينا نحن أن نُشعر ذلك الآخر بأننا موجودون هنا، وأننا لن نسلم أبداً في ماضينا، ولا نتنكر لأمسنا الزاهر، ولن نتنازل قيد أنملة عن التراث الحضاري الذي خلفه آباؤنا. وهكذا، فبهذا التماسك يمكننا الجمع بين التوجّهين. وإذا كنتم ألححتم عليَّ في ما يتصل بالعولمة وتداعياتها فإن معكم الحق، وخاصة بعد ما شاهدناه ويشاهده العالم كله من مضاعفات أحداث 11 أيلول 2001 التي نَسَلت وفرَّخت بمفاجأتها التي لم نكن نحسب لها حساباً قبل هذا التاريخ. إن الهجرة التي كنت تتحدث عنها بالأمس سوف لا تبقى هي الهجرة التي تتحدث عنها اليوم أو غداً. إن هناك كثيراً من الاعتبارات أضحت مطروحة في الساحة. ولا بد من أن نكون على بصيرة من كل تلك الاعتبارات التي جدّت أو تجدّ، وخاصة في موروثنا الحضاري. ولا شك في أنكم تعرفون ماذا أشير إليه! النصوص الظاهرة ÷ ولك تحقيق (النصوص الظاهرة في إجلاء اليهود الفاجرة)، هل تعطينا فكرة ولو مختصرة لذلك، أو لنقل فكرة عن هذا التحقيق؟ { في ما يتصل بالمخطوط الذي حققته بعنوان (النصوص الظاهرة في إجلاء اليهود الفاجرة) فإني لم أكن أتصور درجة الاهتمام به من سائر الذين قرأوه، وأنتم تعلمون أن مؤلفه من أهل اليمن، ويحمل اسم ابن أبي الرجال، لكن هذا المخطوط لا يوجد في اليمن، وإنما وجدته صدفةً في ليبيا، وأنا سفير لبلادي هناك. وجدته في المكتبة السنوسية بواحة (الجغبوب)، وهو يتناول قضيةَ مُقام اليهود في الجزيرة العربية، وكان مؤلفه مقتنعاً بما ورد من آثار حول الموضوع، تلك الآثار التي كانت تتنبأ بأن ذلك المقام لا بد من أن يجلب الشرور على المنطقة كلها! ولذلك فإن إجلاءهم عنها كان هو صمام الأمان لتلك الأقاليم.. وأنتم تشاهدون اليوم المآسي التي تحرق أبناء فلسطين في غيبة عن الضمير العالمي!! ÷ و»التحليق إلى البيت العتيق«؟ { »التحليق إلى البيت العتيق«: أنتم تعلمون أنني رجل مذكّرات، لا يمر بي يوم من دون أن أسجل في ما رأيت، ومن اجتمعت به، وكان أحد شيوخي ينعتني بالرقيب العتيد! ومن هنا كانت لي عن كل رحلة مذكرات. وقد كان في صدر الرحلات التي اهتممت بها رحلتي إلى البقاع المقدسة لأداء مناسك الحج لأول مرة في حياتي. وقد سجلت في هذه الرحلة مشاهداتي على ذلك العهد، أي قبل نحو من نصف قرن، عندما كانت المملكة العربية السعودية ما تزال تضبط وقت غروب الشمس فيها على الساعة الثانية عشرة، عندما كانت المجلة الوحيدة فيها هب منهل الشيخ عبد القدوس الأنصاري رحمه الله. كان جلالة الملك فهد وقتها أميراً ووزيراً للمعارف، استقبلني في مكتبه وأنا آنذاك مسؤول عن القسم الثقافي بوزارة التربية الوطنية المغربية. مذكرات (التحليق إلى البيت العتيق) تتحدث عن الحياة السياسية والحالة الأدبية والاجتماعية، عن حجاج ذلك العهد الواردين من بلاد الشام ولبنان والعراق والأردن والخليج، مثلا، ومن آسيا وإفريقيا، فهو إذاً وثيقة يمكن أن نتصور من خلالها الطفرة العظيمة التي تفصل ذلك التاريخ عن تاريخنا اليوم عندما أصبحت المملكة العربية السعودية على نحو ما نشاهده اليوم على مختلف الصُّعُد. ÷ تحدثت عن 1065 رحلة جوية قمت بها، فما هي أهم هذه الرحلات عربياً وما ذكرياتك عن البلدان العربية التي زرتها؟ { رحلاتي التي وصلت في هذا اليوم الذي أتحدث فيه إليكم 1105 رحلات.. كانت لي نِعْمَ الدرس. نِعْمَ الزاد ونِعْمَ الجسر الدائم الذي ربطني بالبلاد العربية أولاً ثم ببلاد إفريقيا، وأوربا وآسيا وأميركا... إلخ . وإذا ذكرت البلاد العربية، فلن أغفل ذكر لبنان الذي فيه أحبة لي من الأدباء والمؤرخين والشعراء ورجال الصحافة. لن أنسى البحر والجبل، والجنوب الشامخ بوجه العدو الإسرائيلي الهارب من وجه المقاومة الوطنية الباسلة، ولن أنسى هواء عاليه وبحمدون وسوق الغرب وصوفر وبكفيا وبيت الدين وفالوغا و... و... و... آه يا لبنان وأهل لبنان، ولا يمكن لي أن أزور لبنان من دون أن أقترح على إخواني أطباق المقبلات، وحلوى تحمل اسم الكُنافة! غافلاً عما ينصح به الأطباء والحكماء ممن يرهبوننا بأسماء الكوليسترول وتصلب الشرايين!! لقد كنت أعتمد على المقولة العربية السائدة التي سمعتها من أخي د. محيي الدين صابر: »ربَّ ضارة نافعة«!! فعلا: ربَّ ضارة نافعة! وحينما تسألني عن لبنان، لكأنما تسألني مرة أخرى عن زاوية من زوايا بيتي.. كل مرة أزور فيها لبنان، أشعر بأنني بين أهلي وذوي.. ولي قرايب وحبايب على كل مستوى هناك.. وسوريا الشام الحبيبة وبردى وبلودان والسيدة زينب والحميدية والجامع الأموي، والعراق الذي يربطني به رَحِم لا يبلى على ما أسلفت. ولن أنسى نهر دجلة الخالد وسمكه المسقوف، لن أنسى القباب المقدسة الشامخات، لن أنسى الأعظمية والمنصور والوزيرية وشارع الرشيد وسوق الصفارين، لن أنسى المستنصرية والمتحف الذي يحاكي التاريخ في التراث العراقي القديم.. ولن أغفل مصر أُم الدنيا، كما يقولون. ولن أنسى، كذلك بلاد الخليج.. في كل جهة وجدت ما يُغري، ولكلِّ في قبلتي منه جانب، كما يقول الشاعر. ÷ من خلال عملك الدبلوماسي سفيراً للمملكة المغربية في بغداد لمرتين 1963 1968، مما الذي تحمله من ذكريات عن تلك الفترة؟ وهل لك من الأصدقاء وذكرياتك عن الراحل الدكتور مصطفى جواد؟ وما هي ذكرياتك هناك؟ { أيامي في بغداد، وأسميها أياماً وليس أعواما، لأنها فترة قصيرة! فإنها بالنسبة لي مدرسة كان لها تأثير قوي على تكويني، السياسي والأكاديمي، وعلاقاتي الاجتماعية بالناس. فقد استفدت من الناحية الدبلوماسية لأنني عشت في بغداد فتراتٍ دولية دقيقة، وكنت أرى رؤية عين كيف كان تصرف قادة العراق في التعامل مع تلك الفترات، وأنهم كانوا مهرة في التغلب على المصاعب، وتجاوز المتاعب، بالرغم مما كانوا يتعرضون له من تحديات واستفزازات. من جهة أخرى استفدت أكاديميا، فقد كنت محفوفاً بطائفة كبرى من أقطاب العلم ورجال المعرفة، وهذا من حسن حظي، كانوا مختلفي التكوين والتخصّص: منهم المؤرخ والعالم الاجتماعي والطبيب والمحدث والشاعر والأديب ومنهم الصحافي ورجل الأعمال. وكان أكثر ما لفت انتباهي في هؤلاء الأصدقاء والرفاق نمو الشمولية الثقافية. فأنت، إلى جانب العسكري، قد تجد نفسك مع شاعر كبير، ومع راوية من رواة الأدب العربي الرفيع. والسيدة العراقية بالنسبة إلي، سيدة عالية الثقافة، سامية الخلق. كما هي السيدة اللبنانية. الحديث عن العراق والعراقيين لا تكفيه قعدة واحدة كما يقولون أو حتى قعدات، فقد كنت أطرب للأغنية العراقية، وما أزال، وإلى الآن اشعر بالحنين إلى زناتها وكلماتها. ولم أنس القبانجي والغزالي، ولا حتى عفيفة اسكندر، وكان وأخواتها، ولقد اعتدت المائدة العراقية لدرجة أنني أجد اليوم في تقديمها إلى زواري بروراً بالأيام الجميلة التي قضيتها على أرض الرافدين. وآسف، وتأسف معي (أم سعد)، على اننا حرمنا من (خبز العروك، والتشريب)(1)، وأعترف بأنني مهما تذوقت من تمور المغرب، بما فيها »المجهول« الذي سرق منا الأمريكان فسائله وحملوها إلى كاليفورنيا، ومهما تذوقت طعم أنواع التمور التي تمتلكها صحراؤنا، فإني لا أنسى حلاوة »الأشرسي«(2) الذي كان بالفعل شرساً في حلاوته، ذكياً في عرْفه، جميلاً في قطعاته! أرجو ألا تذكرني كثيراً بأعراس العراق، وأيام العراق، فقد كانت بالنسبة لي مصدر إلهام في صيفها وخريفها وربيعها وشتائها. أما عن معالم العراق، ومشاهد العراق، بما تعبر عنه، وما تبوح من أسرار وأخبار، أما شمال العراق وما يزدان به من جمال، فكلّ ذلك يحتاج إلى عودةٍ مني إلى الدفاتر التي كتبتها عن العراق ابتداءً من 1963 إلى 1973. (المغرب)

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة