As Safir Logo
المصدر:

لاهوت إدواردو غاليانو

المؤلف: UNKNOWN التاريخ: 2003-08-15 رقم العدد:9573

الرب عندما كانت في الخامسة من عمرها، سألت فيرا نافراتيل أمها وهي تنظر الى سماء مونتيفيديو ليلا: هل يصعد الموتى الى السماء؟. نعم وعندما يموت الرب، الى أية سماء يصعد؟ هل يصعد الى سماء أعلى؟. في نفس الليلة، على بُعد فراسخ شمال مونتيفيديو، في ريبيرو بريتو، كان ماركوس عواد، الذي هو بعمر فيرا، ينظر الى النجوم ذاتها حين سأل أمه: من الذي صنعنا؟. الرب هو الذي صنعنا. والرب؟ ما به؟ من صنعه؟ لا أحد، الرب صنع نفسه. ولكن ماذا عن ظهره! كيف استطاع ان يصنعه؟. الجنة ثور »التاميرا« لا يزال شاردا، الموناليزا لا تزال تبتسم ابتسامتها المخادعة. أنبياء »أليخادينهو« يزعقون غضبا وألما، وضحايا غويا لا يموتون رغم إطلاق الجنود النار عليهم، ولا يذبل عباد شمس فان غوغ أبدا. عندما يمنح الفنانون الخلود لإبداعاتهم، حتى وإن كان مجرد خلود إنساني ودنيوي، فإنهم يتحدون القوانين الإلهية. يظن الرب بحق أنهم يحاولون منافسته، ولا يعجبه ذلك. يعرف النخاس »تولا اينفيرنيزي« ان احتمال دخوله الجنة ضئيل جدا، لكنه لم يفقد الأمل، إذ سمع من مصادر موثوقة ان قوانين الهجرة الى الجنة قد تغيرت مؤخرا، فلن يرفع القديس بطرس يده مرة اخرى ليقول: »لم تكن صالحا الى هذه الدرجة كما تقول«. وبدلا منه سوف يُرحب حارس بوابة الرب بكل وافد جديد، بتربيتة لطيفة على كتفه: »لم تكن شريرا الى الدرجة التي تعتقد«. ويذكر تولا ان سبب سن القوانين السماوية الجديدة هو فراغ الجنة إلا من أرواح عدة، معظمها طاهرة، لم يعد يحتمل ضميرها الصالح التنعم بالهواء المكيف، بينما يُشوى الآخرون بالنار. ورغبة بالتضامن معهم، تخلت عن ملكوت الخلاص الأبدي ورمت نفسها في أتون النار. أما الملل فقد دفع الأرواح التي ليست طاهرة كثيرا الى الهرب بعد السأم من قضاء كل الخلود على غيمة واحدة يستمعون الى نفس العزف المنفرد للملاك الطفل نفسه. في حين ظلت بعض الارواح تصدق الاعلانات الكاذبة القادمة من جهنم، واعدة إياهم بمشروب وحب مجانيين وإغواءات اخرى. جهنم أعلنت شركة مغامرات لتنظيم الرحلات السياحية الى مملكة الظلام إفلاسها. لم تعد أعمالها مربحة. بعد رحلة طويلة وشاقة من جحيم الى آخر، ووصولهم الى أعمق لجِّ في الكون، عاد السياح منهكين تزكم أنوفهم الروائح النتنة، مقتنعين بأن الرحلة لم تكن تستحق المال الذي دفعوه ولا العناء الذي تكبدوه. كانوا يتوقعون رؤية خفافيش بحجم الطائرات، وأنهار كبيرة تفور مياهها وتغلي، وتنانين بسبعة رؤوس تبصق نارا أبدية، وأفاعٍ توزع تفاحاً مشويا، وآثمين مكبلين بالسلاسل على قضبان حديدية محمّاة حتى الاحمرار. ولكن لا شيء من هذا القبيل، فقد اقتصر العرض على طابور واحد طويل. اصطف الناس من مختلف الأعمار، ومختلف العصور، من رجال الكهف حتى رجال الفضاء، في رتل واحد امتد عبر المسافات متلويا، لا تُرى نهايته وسط الدخان المتصاعد من الجروف. صاح السائحون متسائلين: »ولكن ماذا عن جهنم، أين جهنم؟«. فأشار الخدم الأنيقون بأرديتهم البوليستر الحمراء الى صف الأرواح التي حُكم عليها بالانتظار الى الأبد. خطايا أخرى في عام 1992، أثناء الاحتفال بمرور خمسمئة عام على ما يشبه خلاص أميركا من الخطايا، وبعيدا في جنوب شرق المكسيك دخل كاهن كاثوليكي بين حشد من الناس. وقبل ان يبدأ القداس أصغى للاعترافات. أقر الهنود بخطاياهم بلغة »توجو لوبال«. حاول كارلوس لنكرسدورف ان يترجم قدر استطاعته اعترافا تلو الاعتراف، ولم يطل به الوقت حتى أدرك ان لا أحد يمكنه فك طلاسم هكذا ألغاز. ترجم كارلوس: »يقول انه هجر الذرة، ويقول ان حقل الذرة حزين جدا. أيام عديدة مرت منذ ذهب آخر مرة«!. reXH8H*H8 يقول انه أساء معاملة النار. لقد لعن ألسنة اللهب لأنها لا تتألق توهجا!. يقول انه انتهك حرمة الطريق، إذ قطعه في العودة دونما حاجة!. يقول انه قطع شجرة دون ان يخبرها لماذا قطعها!. يقول انه ضرب الثور!. احتار الكاهن ماذا يفعل مع هذه الخطايا التي لم ترد في لوائح موسى. الصمت وداعات كان جد خوسيه ساراماغو صامتا. إنسان من تراب البرتغال. لم يدرس مطلقا، لكنه كان ذا معرفة تغنيه عن الكلمات. عندما ساءت حال الجد جيرونيمو وعرف، بصمت، ان وقت الوداعات قد حل، مشى في بستانه، توقف قليلا أمام كل شجرة، وعانقها شجرة شجرة. احتضن شجرة التين، والغار، والرمان، وشجرات الزيتون الثلاث أو الأربع. عانقها جميعا فعانقته هي أيضا. سيارة انتظرته عند الطريق. حملته الى لشبونة، حيث الموت. أحلام هيلينا، ترقص داخل صندوق موسيقى حيث السادة الصغار المتأنقون بشعور مستعار يدورون وينحنون ثم يدورون مرات أخرى. كانت هذه الدمى الخزفية المتحركة سخيفة بعض الشيء لكنها ساحرة، وكان الانسياب مع أنغامها مفرحا، حتى زلت قدم هيلينا وهي تدور فسقطت وانكسرت. نفخة في البوق جعلتها تصحو، أصيبت قدمها اليسرى. أرادت ان تقف لكل كاحلها تورم فلم تستطع المشي. قالت لي: »لقد سقطت في بلد آخر، وزمن آخر«. ولكنها لم تخبر الطبيب. أصدقاء طاولة كبيرة يلتف حولها الاصدقاء في المطعم، ويسمونها المنبر، كانت ملاذ توم جوبيم من شمس الظهيرة ومن ضجيج شوارع ريو دي جانيرو. ذات يوم، جلس توم على طاولة اخرى، في الزاوية، يشرب الجعة مع زي فرناندو. تشارك الاثنان طاقية من القش لسنوات طويلة، يلبسها توم يوما، ويلبسها زي فرناندو في اليوم التالي، كما اشتركا في بضعة اشياء اخرى ايضا. لا. أنا في خضم حديث هام. »قال توم عندما اقترب منه أحد الاصدقاء«. وعندما دنا منه صديق آخر قال: »اعذرني فلدينا الكثير لنتناقش به«. ومرة اخرى: »عذرا نحن نناقش قضية هامة«. في تلك الزاوية لم يتفوه توم وزي بكلمة واحدة. زي فرناندو كان يقضي يوما روتينيا، واحدا من تلك الايام التي تمر في التقويم وتمحوها الذاكرة، بينما يوفر له توم صحبة صامتة مع الجعة. بقيا غارقين في موسيقى الصمت حتى انقضاء فترة الظهيرة. لم يكن قد بقي أحد عندما نهضا ببطء وخرجا من المطعم. شاهد دوّن رين فيشلر شهادته. عام 1975، كان بريتن بريتنباخ الابيض الوحيد بين العديد من السجناء السود المحكومين بالاعدام في سجن بريتوريا. آخر كل ليلة مشى أحد الرجال المحكومين الى المشنقة. وقبل ان تفتح الارض تحت قدميه كان الرجل الذي وقع عليه الاختيار يغني. وكل صباح أيقظت أغنية جديدة بريتن. وحيدا في زنزانته استمع الى صوت الرجل الذي على وشك ان يموت، كما أصغى الى هؤلاء الذين يستمعون. أصغى الى صمت باقي السجناء، كل منهم ينتظر دوره لمواجهة الحبل المتدلي. دوي الصمت غطى على الصوت. نجا بريتن، بقي على قيد الحياة كي يستمر في سماعه ويخبر عنه. مراسل حربي تم أسر ابنة دون فرانسيسكو في جبال تشواكيوس. جرها أحد ضباط الجيش الغواتيمالي في الصباح الباكر الى بيت والدها، وضعها قبالة دون فرانسيسكو وسأله: هل رجال العصابات على حق؟ لا، ليسوا على حق. أجاب دون فرانسيسكو. وما الذي يجب ان نفعله بهم؟ صمت دون فرانسيسكو!. هل يجب قتلهم؟. بقي دون فرانسيسكو صامتا وهو ينظر الى الارض. كان ابنته جاثمة على ركبتيها، رأسها مغطى، ويداها مقيدتان خلف ظهرها، ومسدس الضابط ملتصق بصدغها. كرر الضابط السؤال: هل يجب قتلهم؟. ربما فكر دون فرانسيسكو بأن يقول لا، لكن كلمة واحدة لم تخرج من فمه، بقي صامتا، وعيناه مسمرتان الى الارض. بكت الفتاة تحت الغطاء قبل ان تحطم الطلقة جمجمتها. بكت من أجله. ترجمة/ موفق اسماعيل

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة