»أبصقُ في وجه يهوذا«. هكذا كانت ردّة فعل شولوخوف على إعلان منح باسترناك جائزة نوبل للآداب! وعلى الرغم من إغراء النظر في علاقة حائزي نوبل الروس واحدهم بالآخر، إلاّ أنّ ما سيأتي الحديث عليه يتعدى علاقة شولوخوف بباسترناك، إلى علاقة نظام بشخص، علاقة تكررت مع سولجينتسن الذي أسهم بدوره بالتشهير بشولوخوف. ولد بوريس ليونيدوفيتش باسترناك في العاشر من شباط 1880 في عائلة فنان تشكيلي وعازفة بيانو، ومات ليل 3130 أيار 1960. كان يجتمع في بيت باسترناك الأب موسيقيون وفنانون تشكيليون وكتّاب كبار من أمثال الكاتب العظيم ليف تولستوي (19101828) والفنانين التشكيليين الشهيرين نيقولاي نيقولايفيتش غي (18941831) وفلاديمير ألكسندروفيتش سيروف (19111865). تعلّم باسترناك في طفولته الرسم، ثم بين عامي 1903 و1908 خضع لإعداد جدّي في التأليف الموسيقي. وبعد أن تخرج من كلية الآداب بجامعة موسكو الحكومية لم يمارس عملاً سوى الكتابة والترجمة (ترجم الكثير من قصائد الشعر الجورجي الكلاسيكي والمعاصر كما ترجم العديد من أعمال شكسبير وغوته وغيرهما). لوحظ في أعمال باسترناك الأولى تأثّره بأعمال الشعراء الرمزيين: أندريه بيلي (19341880) وإينّوكينتي أنينسكي (19091856) وفياتشيسلاف إيفانوف (19491866) وألكسندر بلوك (19211880). وفي بداية العشرينيات صار باسترناك واحدا من الشعراء البارزين، وكان له أثره الواضح في إبداعات الكثير من الشعراء الشباب المعاصرين من أمثال بافل أنتوكولسكي (19781896) ونيقولاي زابولوتسكي (19581903) وقسطنطين سيمونوف (19791915) ونيقولاي تيخونوف (9791896)... »أنا لم أقرأ الكتاب، ولكنني أعتقد بأنه ضار«. أمّا الصفحة التي تحضرني في ذكرى رحيل باسترناك، فتبدأ مع روايته (دكتور جيفاكو). من المعروف أن هذه الرواية، التي أمضى باسترناك في كتابتها ما يقارب عشر سنوات (19551946)، مُنعت في حينها من النشر في الاتحاد السوفياتي، فأرسلها للنشر في دار إيطالية لتظهر إلى النور عام 1957 باللغة الإيطالية. أعقب ذلك إصدارها بالروسية والإنكليزية والفرنسية والألمانية والسويدية... أما في الاتحاد السوفياتي فلم تنشر إلا مع حلول عام 1988. في عام 1958 أعلن عن منح باسترناك جائزة نوبل للآداب. الأمر الذي جرى التعامل معه كفعل سياسي بحت. وبدأت حملة تسميم الشاعر على صفحات الصحف السوفياتية. فُصِل باسترناك من اتحاد الكتّاب وهدد بالطرد من البلاد ونظّمت ضده دعوى قضائية بتهمة خيانة الوطن، ما أجبره، بالنتيجة، على التخلي عن جائزة نوبل. أمّا شهادة نوبل والميدالية فقد تسلّمهما ابنه عام 1989، بعد حوالى ثلاثة عقود من موت أبيه. جاء في الفصل الخامس من كاتب (آدا فيديرولف بالقرب من آلاّ) (آ. إيفرون، موسكو، دار فوزفروشينيه، 1996)، على لسان إيرينا إيميليانوفا ابنة أولغا إيفينسكايا صديقة باسترناك: »كانت إيرينا قد أطلق سراحها من المعتقل... وها هي تبدأ بتذكر بعض المحطات من تاريخ تسميم باسترناك إثر الإعلان عن منحه جائزة نوبل. بدأت الحملة مع مقالة كتبها زاسلافسكي في جريدة (البرافدا) تحت عنوان »ضجيج ودعاية رجعية حول عشبة أدبية ضارة«. ثم بدأ نشر الرسائل في »ليتيراتورنايا غازيتا« (الجريدة الأدبية). جاء في رسالة تحمل اسم أحد العمّال: »أنا لم أقرأ الكتاب، ولكنني أعتقد بأنه ضار«، وراح الآخرون يكررون هذه العبارة في رسائلهم. أطلق كوتشيتوف على باسترناك لقب »المرتد«، وألّف ميخائيلكوف قصيدة تسخر منه، وأرسل شولوخوف برقيته الشهيرة إلى اتحاد الكتّاب: »أبصق في وجه يهوذا«. كما تحدّث في مؤتمر الكومسومول، قائلاً على وجه التقريب: »يتغوط الخنزير حيث يأكل« و»لن نضع العراقيل في وجه الكاتب إذا كان يريد أن يذوق طعم الجنة الرأسمالية«. وأخيراً قدّم بوليكاربوف من اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوفياتي نصيحة إلى باسترناك بكتابة رسالة توضيح إلى خروشوف يتخلّى فيها عن الجائزة. وبالفعل، كتبتْ آلاّ نص الرسالة ثم أجرى عليها بوريس تعديلات طفيفة. دُقت الرسالة على الآلة الكاتبة وأوصلتها إيرينا إلى كوة بريد اللجنة المركزية للحزب. في تلك الأثناء كتب باسترناك: »ليس جميلاً أن تكون شهيراً«. وعلى الرغم من ذلك راحت الحملة على باسترناك تتصاعد. ألغيت من ريبورتوارات المسارح جميع المسرحيات التي كانت ترجمات نصوصها تحمل اسمه. وفي السابع والعشرين من تشرين الأول فُصِل باسترناك من اتحاد الكتّاب، وقامت منظمة موسكو لاتحاد الكتّاب بتصديق القرار في الحادي والثلاثين منه مطالبة بنزع الجنسية السوفياتية عن الكاتب. لقد استولى الرعب المعروف على الكتّاب. وفي يالطا قام واحد من الشعراء كان قبل ذلك يعلن نفسه تلميذا لباسترناك وأخرى صديقة سنوات طويلة، قاما بنشر مقالة في الجريدة المحلية تهاجم بشدة الشاعر. و رأى م. سفيتلوف كيف حطّم الزعران نافذة بيت باسترناك الصيفي بالحجارة، الأمر الذي جعل إيرينا إيميليانوفا، التي كانت طالبة في معهد الآداب آنذاك، جعلها تنظّم حراسة مستمرة للبيت. فقد خاف الطلاب أن يتعرض بوريس »لحادث« ما، فقاموا، بصورة غير ملحوظة، بحراسته أثناء سفره من المحطة في موسكو إلى منزله الصيفي وحراسته أثناء تنزهه كما قاموا بحراسة المنزل أربعا وعشرين ساعة في اليوم«. كوحش مطارد أنتهي لا ناس لا حرية لا ضوء وحده ضجيجهم يتعقّبني لا مخرج لي من الحصار... وبعدها جاءت حملة أخرى من الاستدعاءات الأمنية تلت إحضار الناشر الإيطالي مكافأة النشر. ففي آب 1960 استدعيَ ميتيا أخو إيرينا إلى ال»ك.ج.ب.« ومن ثم قام المحقق اليكسانوتشكين باستدعاء آلا. أمّا شقة إيفينسكايا فكانت، كما تبيّن لاحقاً، مزروعة بأجهزة التنصت والتسجيل. فأثناء المحاكمة تم استعراض شريط مسجّل لأحاديث دارت في البيت بين آلاّ وإيرينا. مرض بوريس ليونيدوفيتش في أيار 1960 ومات بعد أيام قلائل. وحين مات عزف ستانيسلاف نيغاوز ابن زوجته زينائيدا نيقولايفنا مقطوعات لشوبان. وهناك تجمع الكثير من الناس. فإلى جانب أولئك الذين يسفّهون المبدعين ويطعنونهم بخنجر الطاغية ثمة آخرون يزيد الطغيان من إصرارهم على الصمود والدفاع عن تفرّدهم وصون كرامتهم وكرامة الآخرين، وبفضل هؤلاء تغدو الحياة ممكنة رغم الطغيان. أمّا بصقة شولوخوف فلتكن في وجوه الطغاة.