As Safir Logo
المصدر:

لا يدعو إلى واقعية فوتوغرافية بل إلى أدب ينطلق من الواقع شوقي بغدادي: الشعر يلهث وراء التغيرات

المؤلف: الرماحي اموري التاريخ: 2003-08-14 رقم العدد:9572

حين تتحدث عن شاعر مثل شوقي بغدادي فإنما نتحدث عن تاريخ شعري، بدأ مع خمسينات القرن العشرين وما زال متواصلا: بنبرة واقعية، وحسّ إنساني رفيع المستوى، وعلاقة بالإنسان الذي يعيش إنسانيته ويفتح عن هذه الإنسانية في كل فعل وقول... بل أنت تتحدث عن نمط من الشعر، وعن علاقة بالشعر ظلت على تفردها: واقعية اللغة، واقعية التوجه فهناك واقعية الإحساس بالأشياء التي ترفد هذا كله، وتجعل من قصيدته قصيدة واضحة الصوت، واضحة التوجه. وفي حديثه كما في قصيدته: شاعراً إنساني الرؤية والموقف، تقدمي الروح والفكر، حيث كانت الأسئلة المطروحة عليه أسئلة بحث عن الإنسان وراء الشاعر فيه، وكانت جواباته عنها تأكيداً لهذا الذي نذهب فيه.. وأبعد: ÷ لنبدأ من »البحث عن دمشق« فأسألك عن علاقة الشعر بالمكان؟ عن علاقتك شاعراً بالمكان؟ وماذا أردت أن تؤكد من خلال هذا البحث؟ { أنا ومنذ زمان طويل أؤمن بأن البيئة، بمعناها المكاني والزماني، لا يمكن تجنبها أو تجاوزها في أي عمل نقدي، مثلا، النقد الذي يُظن أن الحقيقة نأخذها من النص وحده فقط، حسب ما يقوله اليمينيون واليساريون، انهم يعرفون نصف الحقيقة وليس كل الحقيقة، فساكن البحر، وسكان الشواطئ وسكان الجبال يختلفون عن بعضهم. سكان القرى غير سكان المدن من حيث ردود أفعالهم ومن حيث مشاعرهم ومن حيث تشبيهاتهم، عندما يقول أمين نخلة اللبناني مثلا: والله ما دخل التنور رغيف واستدار أفضل أو أكثر جمالاً من وجهك، فهو يشبه وجهها باستدارة الرغيف وليس باستدارة القمر. ونعرف علي بن الجهم عندما جاء ومدح الخليفة العباسي قال: أنت كالتيس في قراع الخطوب وأنت كالكلب في الوفاء. فقال الخليفة: خذوه واتركوه يعيش حياة المدينة فبدأوا يعتنون به ويرفهونه، بعد ذلك قال قصيدته المشهورة: »عيون المها بين الرصافة والجسر جلبن الهوى من حيث أدري ولا أدري!! هذا كله حصل من تأثير المكان والزمان طبعا. علاقتي بدمشق منذ بداياتي أشعر بأنها كانت علاقة عليها طابع واقعي جديد، وسحري أيضا، واقعي لأنه يلامس الحواس الخمس ويلامس الفكر، سحري لأن المدينة القديمة في دمشق تفترض فيها أطياف التاريخ بشكل عجيب، يعني جدار معين يعود إلى عصر قديم، كل هذا كان يغازلني وأنا أشاهد دمشق تتغير ويغزوها المتعايشون ويغزوها تجار وسماسرة البناء ويزيلون أحياء قديمة بكاملها وتلغى معها عادات وتقاليد وتاريخ، فكتبت مرة قصيدة عنوانها »البحث عن دمشق«، والذين سمعوها أحسست بردود أفعالهم أنهم يسمعون شيئاً جديداً يكتب عن دمشق غير ما يكتب عنها، يعني عشّاق دمشق كثيرون يكتبون فقط عن جماليات دمشق وبيوت دمشق، نزار قباني مثلاً يكتب عن النارنج في بيتهم وشرشف والدته وفنجان القهوة. دمشق عندي أعمق من كل هذا، ولكن المهم هو الخلفية التاريخية والتغييرات المريعة التي حصلت وتحصل على هذه المدينة الحبيبة، ومن ذلك الوقت فكرت أن كل قصيدة سأكتبها في المستقبل عن علاقتي ببردى، بجبل قاسيون والجامع الأموي والأسواق القديمة والغوطة، يجب أن أعزلها جانباً لأشكل منها محوراً شعرياً لديوان أنشره ذات يوم، وبقيت على هذه الحالة عشرين عاماً وأنا أجمع هذه القصائد حتى اكتملت وأصدرتها في »البحث عن دمشق«. هذا الديوان يمكن أن أقول عنه انه شاهد فني على العلاقة الحميمة والجدلية في تأثير البيئة والمكان في الشاعر وتأثير الشاعر أيضاً في التأثير على المكان. أزمة الشعر ÷ يتحدثون عن أزمة في الشعر.. فهل أنت مع هؤلاء المتحدثين، وماذا ترى في شعر اليوم.؟ { من يراجع التاريخ طبعا، يجد أن الشعر العربي كان يمر دائماً بأزمات، وملخص تلك الأزمة أن هناك تغيراً في هذا الكائن الحي الجميل، تغيراً يصادف صعوبات في طبيعة الحياة الجديدة التي تتراكم، والذي حصل في العصور الحديثة أن المتغيرات كانت كثيرة جداً ومعقدة جداً وسريعة جداً لدرجة أن هذا الفن العريق يبدو انه لم يستطع احتواءها تماما، ومن هنا بدأ تأثير الفنون المستجدة كالسينما والتلفزيون والكومبيوتر وبرامجه الفنية المتنوعة وغيرها في مزاحمة الكتاب المطبوع، ولهذا السبب أرى في أثناء بعض زياراتي إلى أوروبا وحواراتي مع الشعراء والأدباء وأصحاب دور النشر هناك، كلهم يعترفون بأن دور الشعر قد تراجع كثيراً في فرنسا وإنكلترا وإيطاليا وأسبانيا ولم يعد يطبع للشعراء إلاً نادرا، ودور النشر لا تتجرأ على ذلك وإذا طبعت تطبع 2000 نسخة فقط من الديوان حتى لأهم الشعراء، هذه التحولات وصلت أخيراً إلى الوطن العربي، وصلت إلى الشاعر العربي وإلى المتلقي العربي، ولكن الأزمة لم تأخذ الأبعاد نفسها في أوروبا، العلاقة بين الإنسان العربي وبين الشعر علاقة عجيبة وعمرها آلاف السنين، ومن هنا كانت تسمية (الشعر هو ديوان العرب)، الآن الأزمة بدأت تستفحل والشعر العربي يدافع عن نفسه ولكن يبدو أنه يدافع وهو يتراجع، لا يتراجع بالشكل الذي يتقدم فيه خطوات إلى الأمام، يخطو خطوة خطوتين إلى الأمام ولكنه يتراجع خمس خطوات، ولهذا نجد المشهد الشعري يختلط في العمودي التقليدي والعمودي المتجدد والتفعيلة التقليدية ثم أخيراً ما يسمى بقصيدة النثر، وتتكاثر التجارب ولكن دون أن تجد قراءها بالشكل الذي كان فيه قبل خمسين أو مئة سنة مثلا، فالأماسي الشعرية في الصالات التي نعرفها في دمشق أو حتى في الوطن العربي تبدو خالية دائما ولا يستطيع الشاعر، أي شاعر ما عدا اسمين أو ثلاثة، أن يجمع جمهوراً يصغي إليهم في قاعة كبيرة. هذا دليل واضح على الأزمة، وبيع الدواوين الشعرية في المعارض وفي المكتبات من الأرقام المعروفة أنه يتراجع أيضاً، ولكن مع ذلك فالشعر يقاوم، الشعراء يتكاثرون وإذا لم تطبع لهم دور النشر يطبعون على حسابهم ويوزعون بأسلوبهم ولكن التراجع مستمر، وفي اعتقادي أن الأزمة ليست أزمة الشعر وحدها بل هي أزمة الحضارة الإنسانية المعقدة الذي يتحول فيها كل شيء إلى بضاعة استهلاكية وإلى اللهاث السريع والمنافسة على اللقمة وعلى السلطة بشكل أن الإنسان لا يجد وقتاً للاسترخاء وقراءة الشعر. ÷ ويقولون أيضا، ان الحياة تغيرت، والحساسية الشعرية تغيرت، ولذلك لا بد أن يتغير الشعر.؟ { طبعاً الحساسية إذا عرّفناها بمعنى أن الإنسان الآن كيف يؤسس لعلاقاته مع غيره، كيف يؤسس لعلاقاته مع الطبيعة، هل هناك علاقات جديدة مع شروق الشمس، مع الأشجار، مع الأنهار، مع السيارات، مع الشوارع المزدحمة، نقول: كلها تعرضت لتغير وبما يجعل كلمة الحساسية يجب استخدامها الآن، فهذه التغيرات هي التي يجب أن تدرس جيداً لكي نفهم لماذا يتغير الشعر بالذات، الحياة اليومية مثلا، الأشياء الصغيرة مثلاً التي لم يكن ينتبه إليها كثيراً الشعراء، الخطابيون، الشعراء التقليديون، والتفتيش عن الجزالة والخطابة في الشعر تأثرت بهذه الحساسية، فالسرعة والجنون الذي ركبنا للتغيير والتجديد بسرعة، كل ذلك يجعل الشعر يلهث وراء هذه التغيرات بشكل أن حواسك الخمس وعقلك ووجدانك كلها لا تستطيع اللحاق بها، ومن هنا باعتقادي أن قصيدة النثر وجدت سبيلاً وانتشرت بسرعة لسهولة التعامل معها وقدرتها على استيعاب الحياة اليومية والحساسية الجديدة التي نتحدث عنها. ÷ لنعد إلى الشعر، وإليك بالذات شاعرا، أنت من الذين نادوا بالواقعية في الأدب، أما زلت تنادي بذلك.؟ { نعم، نعم، إن كلمة الواقعية واسعة جدا، ويجب أن لا تؤخذ بالمعنى الحرفي. أنا لا أدعو إلى واقعية فوتوغرافية إطلاقا، إنما أدعو إلى الانطلاق من الواقع، ثم التحليق في الأجواء التي نريدها، يعني أن يكتب الإنسان من انطلاقاً من الكتب. مثلا، يقرأ كتاباً يعجب به، يقرأ فلسفة يعجب بها، مثل الناس الذين يقرأون عن الصوفية، درجت موضة بعد أن تحدث أدونيس عن النُفّري، فصارت موضة الكتابة الصوفية في الشعر، وصار كل الشعراء صوفيين، وكلهم يشربون الخمرة ويعاشرون النساء ويعيشون حياة بوهيمية ولا يعرفون ما معنى المكابدة الروحية التي يكابدها الصوفيون سنين حتى يصلوا إلى ما يمكن أن توصف بالصوفية ويعبروا عنها ويتجرأوا، كل ما تقرأه شعراً صوفياً ليس واقعيا، يعني لا يصدر عن شخص صوفي أصلا. أنا أدعو إلى الواقع، أي أن ننطلق من واقع حي مجرب وليس من التأملات الفكرية، وأن تراعى البيئة، النكهة، أن يكون الشعر الغزلي نكهته نكهة شرقية وليس نكهة باريسية، أنا آخذ على نزار قباني أحيانا، أن كثيراً من قصائده ذات نكهة باريسية لندنية وليست شامية تماماً أو شرقية ولكنه هو يمكن كان انتبه إلى نفسه فله قصائد في غاية الجمال، لا يمكن إلاّ أن تسمى قصائد غزل إنسان شرقي بهذا الشكل، هذه هي الواقعية التي أريدها، واقعية شفافة، واقعية أسميها مرفرفة، واقعية إذا شئنا سحرية ولكن نقطة الانطلاق يجب أن تبدأ من واقع حي وتجربة حية وليست تأملات مجردة. ÷ في هذا المستوى ماذا حققت شعرياً؟ { في اعتقادي أن كل تاريخ حياتي كان كفاحاً لتحقيق هذه المعادلة، أن أكون وفياً لواقعي، وأن أكون وفياً لعصري في آن واحد، أن لا أقطع علاقتي بالتراث الذي أعشقه، وفي الوقت ذاته يجب أن أتجاوز كثيراً من التقاليد التراثية التي لم تعد مناسبة، ما هو المناسب وما هو غير المناسب؟ من يقرر ذلك؟ كيف تتم عملية التجديد؟ فربما أن كتابتي عموماً هي لحل هذه المعادلة. ان التجديد لا يجري في غرفة مغلقة، يجب أن يتم التجديد في غرفة مفتوحة النوافذ على العالم كله، أن تحافظ على خصوصيتك وفي الوقت نفسه أن تكون ابن عصرك، وباعتقادي أنني حققت في هذا الاتجاه بعض الإنجازات، ولكن لم أحقق كل ما أصبو إليه، ولكن حينما أجتمع بالشباب والذين يكتبون، يطلبون نصيحتي، أدفعهم في الاتجاه نفسه وأتمنى أن يصنعوا الشيء الذي عجزت أنا عن صنعه، هذا تأثيري في كتاباتي وفي علاقاتي أيضاً بالآخرين، فأنا من الناس المعروفين في سوريا أن علاقاتي بالأجيال الشابة علاقات جيدة، ولذلك، ما من شاب يخرج إلى الحياة الأدبية إلاّ تجدني متتبعاً لإنتاجه وحريصا على بناء علاقة معه معتبرهم من أبنائي، ولكن من العجب أن أجد بعض الشباب وهم يتحدثون ويقولون اننا بلا آباء، كلمات عنيفة متطرفة لا معنى لها، كثيرون قالوها ثم ندموا عليها لأنهم تعرفوا إلي. لم أكن أنا أباً روحياً لهم ولكن حين عاشرتهم وعاشروني وأجريت حواراً حقيقياً فهمنا ما هو دور الشاعر الحقيقي المتطور بشكل مقنع مع حياته ومع عصره، من هنا آمل، انه ما من جيل إلاّ وله آباء. (دمشق)

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة