قبل ان تتوقف سيارة »التاكسي« في حي »الزعيترية« تمر تباعا في احياء الدورة، سد البوشرية، مار تقلا وصولا الى الفنار.. احياء ذات غالبية مسيحية.. كل شيء يدل على ذلك.. صور القديسين.. اسماء المحلات والابنية والمدارس وكل ما هو قائم على الارض.. حرص لافت للانتباه على شيء من »العام« يتبدى ذلك في »الاخضر« من حول »الزعيترية« ولا سيما في الفنار.. فجأة تجد نفسك وسط ابنية مكدسة.. مشهد يذكر بصور المدن والاحياء الفقيرة لولا زي النساء المحجبات يعطي هوية للمكان لا تحتمل اي التباس: انت الآن في الحي الشيعي اليتيم في الشطر الشرقي للعاصمة.. تتوقف السيارة ويتلقفك سائق »تاكسي« ثانية وثالثة ورابعة »توصيلة او تاكسي يا ست«.. لازمة تتكرر آلاف المرات في حي استجدت عليه مهنة جديدة في ايام »المازوت«.. عدد الشبان الذين يعملون سائقي أجرة تزايد، وتلك ظاهرة لم تكن موجودة قبل الحرب.. يتجمعون في الساحة وينتظرون ركابهم لنقلهم الى الأحياء المجاورة انطلاقا من موقف خاص وُلد قرب كنيسة مار تقلا في سد البوشرية اسموه »موقف الزعيتريين«. ربما لم يسمع الكثير من اللبنانيين ب»حي الزعيترية«، ويبدو من المستغرب وجوده في مثل ذلك المحيط الذي يدل الى أحوال ساكنيه الميسورة، كما يبدو مستغربا عودتهم بعد الحرب الى حي بقي حيا، وكان من الممكن هدمه مثلما هدمت مناطق أخرى بعد الحرب مثل تل الزعتر والمسلخ والكرنتينا ولم يعد اليها سكانها. ليس فقط لم يهدم الحي انما كان أهله من اوائل الذين اعادتهم وزارة المهجرين اليه بعد الحرب في العام 1993 »كتجربة لمعرفة امكانية العيش من جديد في مناطق التهجير« يقول علي زعيتر. لكن الملاحظ انه لم يتم بناء مساكن جديدة في الحي »لأن بلدية الفنار منعت البناء من دون ترخيص بانتظار ايجاد الحل للمساكن المبنية هناك والذي يبدو أنه معلق الى أجل غير مسمى« يضيف زعيتر. ويقول الشيخ شوقي زعيتر إمام الجامع ان حزب الكتائب كان ينوي هدم الحي في العام 1976 لكنه تراجع عن ذلك بعدما نزح اليه مهجرون من الدامور والمناطق المسيحية التي طالتها الحرب في الشمال والبقاع، واستجد على الحي في خلال فترة الحرب بناء عدد من المعامل التي تصنع فيها مواد التنظيف »وهي مواد خطرة على البيئة والتنفس لأنها تحتوي على الكثير من المواد المبيضة وقد لاحظنا أن ألوان الثياب التي تنشر بالقرب من المعامل تبهت وتصبح موشحة باللون الأبيض لشدة انتشار تلك المواد في الهواء. كما يوجد مصنع ل»الفيبر غلاس« ومعمل لحجر الرخام ينشر الغبار في الهواء«. يتميز حي الزعيترية، عن غيره من مناطق السكن العشوائي المحيطة ببيروت، بأنه أكثر تهوئة، أي أن مبانيه ليست الحائط على الحائط.. يسميه أهله الحي لكنه عبارة عن أحياء عدة متفرعة من الساحة، تتعرج نزولا وصعودا حسب طبيعة الأرض في المنطقة، وتشبه مبانيه بعضها البعض، يغلب عليها اللون البني والرمادي وبينها مبان لا تزال على الباطون لأن أصحابها ينتظرون تعويضات الترميم من وزارة المهجرين منذ عودتهم ولم تصلهم بعد. معمل العسيلي أولاً اول نزوح الى »الزعيترية« بدأ في العام 1950 عندما قدم أحد رجال قرية الكُنيسة للعمل في معمل للنسيج تابع لآل العسيلي في منطقة الجديدة ويعرف ب»معمل العسيلي«. كان البقاع يعيش في حينها سنوات جفاف قاسية استمرت سبعة أعوام سماها الأهالي »سنوات المُحل«، وقد ساهم ذلك الرجل في نزوح أهالي قريته، عائلة تلو الأخرى، للعمل في معمل النسيج وفي معمل آخر لصناعة أكياس الخيش كانت تتشارك فيه عائلتان من آل جبر وشمعون. ويقول محمد بناء لرواية والدته ان نصف سكان القرية قدموا للعمل في هذين المعملين وسكنوا في البداية في تخشيبات بنوها قرب نهر بيروت، وعمل العديد منهم في حينها في رفع البحص من النهر وبيعه من أجل البناء، لكن قوى الأمن ما لبثت أن طردت الأهالي من الأراضي التي بنوا عليها التخاشيب، وكان محمد مخيبر زعيتر أول من بنى مبنى في سد البوشرية أجره لأهل القرية ومن ثم أخذت العائلات التي تربطها صلات قرابة تبني مباني مشتركة وتقطن فيها. لذلك فإن آل زعيتر سكنوا في البداية في سد البوشرية، وعندما تزايد عددهم انتقلت العائلات الجديدة الى مكان مجاور لرخص أسعار الأراضي فيه، وذلك المكان هو الحي الذي يقطنونه اليوم، وكان عبارة عن أحراج صنوبر يبلغ سعر متر الأرض فيها ما بين الليرة ونصف الليرة والليرتين، وقد اتبعوا في بناء منازلهم الطريقة نفسها التي اعتادوا عليها في البناء، يبني الأب لولده البكر ومن ثم يساعد الأخ الأكبر أشقاءه الذين يصغرونه سنا. وعندما انتقل الأهالي الى الحي عمل ثلاثة أرباع رجاله كما يقول محمد في حفر شبكة الخطوط الهاتفية التي كانت الحكومة تُدخلها الى لبنان في بدايات الستينيات. وعندما انتهت الحفريات »بقي معملا النسيج والخيش »ضابين« شباب الحي« كما يقول محمد حتى بداية الحرب الأهلية في العام 1975. لم تتغير بعد الحرب نوعية الأعمال فقط، انما نوعية السكان أيضا.. كان يقتصر الحي تقريبا على عائلة زعيتر من قرى الكنيسة (الأكثرية) وريحا وحدث بعلبك والسعيدة والهرمل وعدد قليل من بلدة الفاكهة المجاورة، وأصبحت تقطن فيه عائلات بقاعية أخرى بالاضافة الى لاجئين سوريين ومصريين وأتراك وآسيويين. ويقول علي زعيتر: في كل صباح تجدين السريلانكيات خارجات من المنازل الرخيصة الأسعار اللواتي يقطنّ فيها الى منازل الأغنياء التي يعملن فيها، أما أهل الحي فأصبحوا يعملون في البناء ومحلات الحدادة والنجارة وبعض المعامل المجاورة، وقد انتشرت في الفترة الأخيرة محلات الحدادة وتصليح السيارات في حين يتزايد عدد الموظفين في الجيش وقوى الأمن، كما يعتاش معظم السكان القدامى من عائدات ايجار منازلهم للوافدين الجدد. وقد بُنيت تلك المنازل خصيصا للايجار وهي تتكون في معظمها من غرفتين ومطبخ وحمام. وأحصت وزارة شؤون المهجرين ألفا وستمئة وحدة سكنية تسكنها عائلات يبلغ المعدل الوسطي لأفرادها ما بين ستة وسبعة أشخاص أي ما يقارب الأحد عشر ألف نسمة، مع الأخذ بعين الاعتبار وجود المهاجرين الذين يسكنون أيضا مجموعات في معظم الأحيان. »كزدرة« ومخدرات! فداء صبية من الفاكهة لم تتجاوز العقد الثاني يميزها في تنقلها في الحي بنطال »الجينز« و»التي شرت« المكشوف الذراعين.. اضطرت للانتقال من بلدتها البقاعية للعمل في محل للألبسة العسكرية في منطقة مار تقلا براتب أربعمئة ألف ليرة شهريا لتوفير دخل اضافي لعائلتها بينما تدرس العلوم الاجتماعية في فرع الجامعة اللبنانية في زحلة: »إذا قصدت الحي عصرا فستلاحظين وجود عدد من الفتيات الصغيرات السن بين الرابعة عشرة والسادسة عشرة يتمشين على جانبي الطريق متظاهرات بأنهن »يكزدرن« لكنهن في الحقيقة ينتظرن اشارات من شبان ورجال للذهاب معهم في نزهات مدفوعة الأجر«، تقول فداء. وغالبية اولئك الفتيات يعشن مع أمهات مطلقات أو هجرهن أزواجهن يمارسن بدورهن النوع نفسه من الأعمال. وعندما تستقبل الأم رجالا في منزلها فلا بد من أن تقلدها ابنتها، لكنها تقول ان اولئك النسوة لسن من سكان الحي الأصليين انما من الوافدات اليه بعد الحرب وهن لسن لبنانيات فقط. لا يرغب أهالي »الزعيترية« بأن يذكّرهم أحد بالحشيشة التي كانوا يتاجرون بها قبل ان تعلن الدولة حربها على الزراعات الممنوعة، لكن أحد السائقين الذي كان يسكن في الحي يصر على استمرار تجارة المخدرات (لم يقل الحشيشة فقط) وكذلك تجارة »سرقة السيارات«. ويقول ان سيارته سُرقت »لكنني اعرف الوسائل لاستعادتها من سارقيها« وقد استعادها فعلا بعدما دفع فدية مئة دولار. يرفض محمد صاحب أحد محلات السمانة ما يقوله السائق: »من أين لنا بالحشيشة لكي نتاجر بها طالما أنها لم تعد تزرع في البقاع أو على الأقل تزرع في مناطق خاصة جدا ولا يستطيع سوى المحميين التجارة بها. وإذا كان يوجد تجار في الحي فانهم قليلون جدا وسريون، لذلك لا يمكن القول ان هناك تجارة مخدرات في حينا«. يتعلم أولاد »الزعيترية« في مدارس المناطق المجاورة: الفنار، سد البوشرية، برج حمود والدكوانة، لأنه لا توجد أي مدرسة رسمية او خاصة في الحي، وتقتصر الطبابة داخله على مستوصف تابع لجمعية صوت المرأة اللبنانية، وأقرب مستشفى اليه هو مار يوسف في الدورة. ويقول علي زعيتر وهو أب لثمانية أولاد ما بين الجد والمزاح: »نحن آل زعيتر ضد العلم أعلى مرحلة يمكن أن نصل اليها هي البريفيه، وكما تعرفين فإن متطلبات العمل اليوم تستلزم الشهادات الجامعية واللغات الأجنبية. ومن بين أولاد علي الثمانية يتعلم الثلاثة الصغار فقط في احدى المدارس المجاورة والباقون لم يكملوا مرحلة التعليم المتوسط، اثنان منهم عاطلان عن العمل كانا يلعبان الورق مع أصدقاء لهم أثناء الحديث مع والدهم، ولدى علي شاب في الجيش وآخر موظف في شركة الهاتف فيما تعيش العائلة من عائدات الشقق المؤجرة وتقدر بألف ومئتي دولار شهريا (يتراوح ايجار الشقة بين مئة وخمسين الف ليرة ومئتي الف ليرة). البلدية والأبنية غير المرخصة توفر بلدية الفنار الخدمات لكنها خدمات بشق النفس ما دام الحي غير معترف به قانونيا لأن الأرض تم شراؤها بقانون الأمر الواقع، بطريقة مشابهة لمناطق النازحين الأخرى عندما كان يتم شراء قطعة أرض وراء قطعة كلما زاد عدد الوافدين. تُعتبر مشكلة البناء غير المرخص من أهم المشاكل التي يعيشها أهالي »الزعيترية«. ويقول علي زعيتر ان تلك المشكلة لا طاقة لأهالي الحي على حلها، يجب على البلدية المعنية وهي بلدية الفنار ايجاد حل شامل لها يقضي بتطبيق قرار تسوية مخالفات البناء على الأبنية التي يمكن تسويتها... لكن هل يمكن هدم الأبنية المخالفة كليا التي بُنيت بشكل عشوائي على مساحات غير صالحة للبناء؟ سؤال لم يكن بإمكان الشيخ علي زعيتر راعي الحي تقريبا الاجابة عنه ولا رئيس بلدية الفنار جورج سلامة الذي قال: نحن نقوم باجراءت التسوية لكل من يتقدم بطلب بذلك شرط أن يكون البناء قبل العام 1994 ولدى اكثرية أبناء الحي رخص بناء لكنهم بنوا زيادة عن المساحات المسموحة ضمن العقار. لكن ما يطرحه رئيس البلدية بأن يتقدم أهل الحي من تلقاء أنفسهم لتسوية المخالفات، »فهو طلب لن تناله البلدية ولا في الخيال« كما يقول عدد من القاطنين. كان الحي يشرب من مياه ضبيه، لكنه أصبح يشرب الآن من بئر ارتوازي تم حفره في عين الشيخ في منطقة الفنار، وتحتوي تلك المياه على نسبة عالية من مادة الكلور. كما تم حفر آبار ارتوازية لمناطق السبتية وسد البوشرية والدكوانة. ويقول رئيس بلدية الفنار جورج سلامة ان البلدية قامت بمد قساطل لجر المياه الى الحي على مسافة أربعة كيلومترات بعد اهتراء الشبكة القديمة ويفترض بناء للقوانين البلدية أن يدفع المتعهد خمسة وعشرين ألف ليرة ضريبة على جر كل متر مياه، لكن البلدية سامحته بالضريبة من أجل اتمام المشروع. كما تعمل البلدية على رفع النفايات من الحي ويتوجب عليها لشركة »سوكلين« ثلاثة مليارات ليرة خلال ست سنوات، حصة حي الزعيترية منها بحدود المليار وسبعمئة ألف ليرة لبنانية، وقد توسط سلامة لدى كل من النائبين غازي زعيتر وعمار الموسوي لكي يدفع أهل الحي الضرائب المتوجبة عليهم، لكنهم لم يدفعوا شيئا منها حتى الآن وهي ضرائب لا تتعلق فقط برفع النفايات وانما بالضرائب البلدية الأخرى. وبالمقابل وعدت البلدية بإنارة الشوارع بالكهرباء لكن الإنارة لم تصل اليها حتى الآن.