أن يتحدث أحدنا اليوم عن الدبلوماسية اللبنانية والعربية لهو أمر يندرج في نطاق المغامرة. فنحن من جهة نعيش زمنا أصبح فيه المشهد الدبلوماسي عرضة لمتغيرات بالغة السرعة، ومن جهة ثانية نعايش عهدا دخلت فيه مفاهيم جديدة على اللعبة الدبلوماسية بفعل تسلّط القوة الأحادية بعد انهيار الاتحاد السوفياتي والكتلة الاشتراكية، من نوع جواز اختراق سيادة الدول واستقلالها، والتدخل في شؤون الغير بحجة ضمان حقوق الانسان ونشر الديموقراطية، وهيمنة سياسة العولمة وفرض أنماط حياتية واحدة على مجتمعات متمايزة متعددة، وشنّ الحروب الاستباقية. وهي أمور قلبت المعادلة، وأدت بصورة خاصة الى »عسكرة الدبلوماسية«. الدبلوماسية اللبنانية والعربية في واقعها وقد يتساءل المرء عن أية دبلوماسية لبنانية وعربية يتحدث، وتاريخها خلال السنوات الخمسين الماضية يبدأ بمصاب العرب بنكبة فلسطين في أواسط القرن الآفل وينتهي بمصاب العرب بزلزال العراق في أوائل القرن الطالع. وبين النازلتين فترة مليئة بالخيبات، ولكنها غير خالية من بعض النقاط المضيئة. فقد كان همّ الدبلوماسية اللبنانية والعربية في مراحلها الأولى التي واكبت نشوء جامعة الدول العربية انطلاقا من مؤتمر الاسكندرية في 25 أيلول 1944، العمل على التحرر من نير الانتداب والحماية والاستعمار، والحصول على الاستقلال والسيادة، ومن ثم المحافظة على هذه السيادة، ومكافحة الصهيونية التي ما لبثت ان فرضت نفسها وتجسّدت في دولة إسرائيل. 1 نظرة سريعة على بدايات الدبلوماسية اللبنانية: إذا كانت طبيعة الدبلوماسية ثابتة فإن مساكلها وأهدافها تتغير تبعا للتطورات وللمعطيات الخاصة بكل قضية او حالة طارئة. بهذا المفهوم مارس لبنان شتّى أنواع الدبلوماسية وفقا لمقتضيات كل مرحلة. في مرحلة تجسيد الاستقلال وتثبيته، توجّه لبنان عبر ما هو معروف بالدبلوماسية الثنائية الى العواصم الفاعلة في السياسة الدولية، فأقام أولى بعثاته الدبلوماسية في باريس ولندن وواشنطن والقاهرة والقنصلية في نيويورك والقاهرة، وذلك خلال العامين 1944 و1945. واهتم في الوقت نفسه باللبنانيين المنتشرين في بعض بلدان العالم فأتبعهم بالمفوضيات الدبلوماسية والقنصليات لحماية مصالحهم وتسهيل شؤونهم والمحافظة على روابطهم بالوطن الأم، في الارجنتين والبرازيل والمكسيك وكولومبيا، وذلك في إطار ما يمكن أن نطلق عليه اسم »الدبلوماسية الاغترابية«. وفي مرحلة لاحقة انشأ اتحادا للمغتربين تحت اسم »الجامعة اللبنانية الثقافية في العالم«، كان لها انطلاقة جيدة، قبل ان تمتد اليها وتشرذمها التيارات والتجاذبات التي عصفت بالساحة اللبنانية. وفي مناسبات »دبلوماسية المؤتمرات« وإنشاء المنظمات الدولية والاقليمية، شارك في مؤتمري الاسكندرية في أيلول 1944 والقاهرة في شباط 1945 لتأسيس جامعة الدول العربية، وفي مؤتمر سان فرنسيسكو في حزيران 1945 لإنشاء الأمم المتحدة، وفي مؤتمر باندونغ في نيسان 1955 لإطلاق حركة عدم الانحياز، وفي جدّة عام 1971 لإقامة منظمة المؤتمر الاسلامي، وغيرها كثير من المؤتمرات الخاصة بإنشاء عدد من المنظمات الفرعية والوكالات المتخصصة، ومن المؤتمرات العالمية حول البيئة، والتنمية الاقتصادية، ووضع المرأة، والحفاظ على التراثات الحضارية والثقافية. ومارس كذلك ولا يزال »الدبلوماسية البرلمانية او دبلوماسية المنظمات الدولية« بمشاركته المستمرة في الدورات الموسمية والاستثنائية لسائر المنظمات والتجمعات التي يتمتع فيها بالعضوية. محطات في الدبلوماسية اللبنانية بعد الطائف أ وثيقة الوفاق الوطني والعلاقات المميزة مع سوريا: شكلت فترة المحنة اللبنانية بين 1975 و1980 نفقا مظلما بالنسبة للدبلوماسية اللبنانية، زاده جحودا العدوان الاسرائيلي عام 1978، والاجتياح الاسرائيلي عام 1982 واتفاق 17 أيار البائس، الى أن كان مؤتمر الطائف (1989) الذي وضع لبنان من جديد على طريق النهوض واسترجاع الاستقرار. وللحقيقة نقول ان الطائف ما كان لينجح في إقرار »وثيقة الوفاق الوطني« لولا جهد مشترك وطني عربي دولي. ومن بين أبرز ما كرسته هذه الوثيقة على مستوى علاقات لبنان الخارجية العلاقة المميزة مع سوريا، حيث جاء فيها: »ان لبنان الذي هو عربي الانتماء والهوية، تربطه علاقات أخوية صادقة بجميع الدول العربية، وتقوم بينه وبين سوريا علاقات مميزة تستمد قوّتها من جذور القربى والتاريخ والمصالح الاخوية المشتركة، وهو مفهوم يرتكز عليه التنسيق والتعاون بين البلدين وسوف تجسده اتفاقات بينهما في شتّى المجالات بما يحقق مصلحة البلدين الشقيقين في إطار سيادة واستقلال كل منهما«. وبالفعل أبرم الجانبان في ما بينهما في حزيران 1991 »معاهدة الأخوة والتعاون والتنسيق« التي نصّت في مادتها الخامسة على أن تعمل حكومتا البلدين »على تنسيق سياساتهما العربية والدولية وتحقيق أوسع التعاون في المؤسسات والمنظمات العربية والدولية وتنسيق مواقفهما تجاه مختلف القضايا الاقليمية والدولية«؛ وفي مادتها السادسة على تشكيل لجنة للشؤون الخارجية من وزيري الخارجية في البلدين تكون مهمتها العمل على »تنسيق السياسة الخارجية للدولتين في علاقاتهما مع جميع الدول كما تعمل على تنسيق نشاطاتهما ومواقفهما في المنظمات العربية والدولية...«. وشكلت هذه المعاهدة إطارا أتاح للبلدين عقد سلسلة من الاتفاقات في المجالات كافة من أمنية واقتصادية وجمركية وتنموية وثقافية وعلمية وإعلامية وغيرها بما يحقق »مصلحة البلدين ضمن سيادة واستقلال كل منهما«. وأصبحت العلاقة المميزة مع سوريا ركنا من أركان الدبلوماسية اللبنانية والسورية بل قوة دافعة لهما في مواجهة التحديات الكثيرة والضخمة التي زخرت بها مرحلة السنوات العشر الماضية من تاريخ هذه المنطقة، وخاصة في مؤتمر مدريد للسلام في الشرق الأوسط. ب مؤتمر مدريد للسلام في الشرق الاوسط: بعد اتخاذ القرار بالمشاركة في هذا المؤتمر كان هاجس الدبلوماسية اللبنانية حياله، الحفاظ على استقلالية القرار 425، وتأمين تلازم المسارات بحيث تأتي التسوية شاملة وعادلة ودائمة، وعدم التفريط بحق العودة للاجئين الفلسطينيين وبالتالي تكريس عدم توطينهم. فعلى إثر العدوان الاسرائيلي تحت اسم »عملية الليطاني« في 14 آذار 1978 توصّل لبنان في 19 منه الى أن يستصدر عن مجلس الأمن القرار 425 القاضي بالاحترام الصارم لسلامة أراضي لبنان واستقلاله وسيادته ضمن حدوده المعترف بها دوليا، وبوقف إسرائيل عملها العسكري وسحبها قواتها على التوّ من الاراضي اللبنانية، وبإنشاء قوة مؤقتة تابعة للأمم المتحدة خاصة بجنوب لبنان، وغايتها التأكد من انسحاب القوات الاسرائيلية، وإعادة السلام والأمن الدوليين، ومساعدة حكومة لبنان على ضمان استعادة سلطتها الفعلية في المنطقة. ومنذ ذلك الحين أصبح هذا القرار، والتمسك به، وإحباط محاولات تجاهله او تعديله او تبخيسه، والسعي الدؤوب لتنفيذه بمعزل عن قضية الشرق الاوسط، العمودَ الفقري للدبلوماسية اللبنانية، لدرجة أصرّت معها هذه الدبلوماسية عندما قرر لبنان المشاركة في مؤتمر مدريد، على إثبات استقلالية هذا القرار في متن »رسالة التأكيدات« المؤرخة في 18 تشرين الاول 1991، والتي وجهتها الولايات المتحدة الاميركية الى الحكومة اللبنانية، بفقرة جاء فيها: »إن موقف الولايات المتحدة هو أن التنفيذ الكامل لقرار مجلس الأمن الرقم 425 لا يتوقف على تسوية جامعة وشاملة في المنطقة ولا هو مرتبط بها، وإنما هكذا تسوية يمكن ان تسهم في تدعيم السلم والاستقرار في لبنان«. وقد رحبت الحكومة اللبنانية بهذا الموقف في رسالتها الجوابية المؤرخة في 22 تشرين الاول 1991 الى الولايات المتحدة الاميركية. وقد حرص الجانبان اللبناني والسوري على تدارس رسائل التأكيدات الاميركية وتنسيق موقفيهما تجاهها وجوابيهما عليها. وكان رأيهما أنه ينبغي تنسيق التحرك العربي، أي مواقف جميع الاطراف العربية المشاركة في مدريد بحيث يأتي توقيع الجميع على التسوية متزامنا ويكون الحل مرضيا لكل منهم وبالتالي شاملا وعادلا ودائما. وسنرى في ما بعد أن الفكرة كانت سليمة والانطلاقة جيدة، قبل ان تفرّق الغنائم المتوهمة مَن جمعتهم المصائب الحقيقية. أما موضوع اللاجئين الفلسطينيين في لبنان فقد كان منذ البداية من بين الاسباب الموجبة التي تحمل الدبلوماسية اللبنانية على اتخاذ الموقف بضرورة المشاركة في المؤتمرات الدولية الخاصة بنزاع الشرق الاوسط. وحقهم بالعودة وعدم توطينهم وجهان لعملة واحدة. لبنان يدعو الى احترام هذا الحق، وإسرائيل ترفضه بصورة قاطعة، والسلطة الفلسطينية تؤكده في العلن، وتتجاهله في الاتفاقات، وتبدي »ليونة« حياله في الغرف المغلقة. وقد جعل لبنان من القرار 194، وفي المطلق من إيجاد الحل العادل لقضية اللاجئين المتضمن عدم توطينهم على أرضه، شرطا مانعا يشكل عدم تحقيقه قنبلة موقوتة تهدد باستمرار ثبات السلام الموعود واستقرار المنطقة بأسرها. ج الاحتلال الاسرائيلي للجنوب والبقاع الغربي: كانت اسرائيل تؤجّل دائما بحث هذا الموضوع، ولا تعتبر وجودها في لبنان احتلالا بل تدبير أمني لردع المقاومة وإفشال عملياتها حمايةً لمستوطناتها الشمالية، ولم تعترف طوال 22 سنة بالقرار 425. والحال أن الدبلوماسية اللبنانية خاضت معارك متكررة على مستوى الأمم المتحدة وخاصة في مجلس الأمن، وفي إطار المفاوضات التي انبثقت من مؤتمر مدريد للسلام للحفاظ على القرار 425، والحق بالمقاومة، ولتبرير عمليات المقاومين الذين أزعجوا اسرائيل فألصقت بهم تهمة الارهاب، ولإقناع المجتمع بأن المقاومة ليست إرهابا، فهي حق والارهاب جريمة. وبما أن الادارة الاميركية تعتبر ما يزعج إسرائيل مزعجا لها، فقد انساقت معها في وصف المقاومة بالارهاب، وكانت تؤيد في وجهنا مطلب إسرائيل تجريد هذه المقاومة من السلاح وتسريح عناصرها وبسط الهدوء في الجنوب لمدة لا تقل عن تسعة أشهر قبل ان توافق على بحث مسألة انسحابها. (*) المدير العام الأسبق لوزارة الخارجية