في السابع والعشرين من أيلول 1999، انطلقت الدورة الأولى لمهرجان سينمائي لبناني مختلف، أراده مؤسسه ومديره العام محمد هاشم حيّزا فنيا لنتاج سينمائي لم يحظ يوما بالاهتمام الجماهيري والنقدي اللائق به. مرّت أربعة أعوام، أقام هاشم في خلالها أربع دورات متتالية. إنه »مهرجان بيروت للأفلام الوثائقية«، الذي تقام دورته الخامسة بين السادس والثالث عشر من تشرين الثاني المقبل، في »مسرح المدينة« (كليمنصو)، حيث أقيم المهرجان بدءا من العام 2001، والدورة الثالثة، بعد إحدى صالات مجمّع »أمبير« في »فندق ماريوت« (الجناح) للدورة الأولى، وقاعة »إروين هال« في »الجامعة اللبنانية الأميركية« للدورة الثانية. أفلام وثائقية، لبنانية وعربية وأجنبية، تناول مخرجوها مواضيع إنسانية متنوّعة. طلاب لبنانيون تنافسوا في مسابقة لا تزال لغاية اليوم محصورة بأفلامهم. ضيوف عرب وأجانب قلائل، ناقشوا بعض المعنيين بالهمّ السينمائي الوثائقي، بمستوياته المختلفة، وأحيوا ورش عمل مختصّة. في أعوامه الأربعة هذه، أشاع المهرجان السنوي مناخا ثقافيا وفنيا متواضعا، بتأسيسه حيّزا للقاء والتواصل بين أساليب واتجاهات وأهواء. التحضيرات جارية لإقامة الدورة الخامسة. أفلام عدّة حصلت عليها إدارة المهرجان، لكن اللائحة النهائية لن تعلن إلا بعد نهاية آب المقبل، الموعد الأخير لاستقبال الأفلام. اختار محمد هاشم فيلمي الافتتاح (»بولينغ من أجل كولومباين« لمايكل مور، بنسخة 35 ملم، بعد حصول هاشم، رسميا، على حقوق عرضه اللبناني طوال أيام المهرجان الخامس فقط. في حين أن المخرج راغب في زيارة بيروت والمشاركة في المهرجان، في حال أنهى العمل على فيلمه الجديد قبل موعد الافتتاح) والختام (»فورد ترانزيت« لهاني أبو أسعد، »في حال عدم حصولي على فيلم أفضل«، كما قال هاشم). تألّفت لجنة التحكيم من كريس ماكدونالد (مدير »مهرجان تورنتو للأفلام الوثائقية«، كندا) وميشال تريغان (مدير »مهرجان مارسيليا للأفلام الوثائقية«، فرنسا) وميشيل تيّان (منتجة ومُوَلّفة لبنانية) وكلاس دانيالسن (من »ديسكوفري كامبوس«، كلية متخصّصة بالفيلم الوثائقي، تابعة للمحطة التلفزيونية »ديسكوفري«. ألمانيا). هناك اتصالات تُجرى حاليا مع المصري علي أبو شادي، رئيس »المركز القومي للسينما« ومدير »مهرجان الإسماعيلية للأفلام التسجيلية والقصيرة«. قبل تأسيسه »مهرجان بيروت للأفلام الوثائقية«، أدرك محمد هاشم أهمية التخصّص والاستمرارية والثبات. سعى إلى كسب ثقة الجمهور. عرف أن البدايات صعبة دائما، خصوصا في ظلّ الفوضى الثقافية والفنية في بلد تعاني السينما فيه أزمات صاخبة، كبقية النتاجات الثقافية الجادّة. أصرّ على تأسيس حيّز مختلف. وجد في الفيلم الوثائقي ضالته. هذا نوع سينمائي مغبون في لبنان والدول العربية. هذه أفلام لا تعثر على صالة تجارية واحدة لعرض نتاجاتها، في حين أن المحطات التلفزيونية العربية، المتكاثرة كالفطر، لا تُبدي أدنى اهتمام بها، عرضا وإنتاجا. فرض المهرجان حضوره وشخصيّته. استقطب مجموعة من المهتمّين بالسينما وبالفيلم الوثائقي. ظلّت دائرة الجمهور واحدة. فالمُشاهدون المتابعون ل»مهرجان بيروت للأفلام الوثائقية« هم أنفسهم المهتمّون بالمهرجانات السينمائية الأخرى. النقد الذاتي منذ البداية، آمن محمد هاشم بضرورة مراجعة كل دورة سابقة، وقراءة يومياتها. أراد النقد الذاتي أداة للتطوّر. قال في حوار »السفير« معه: »لا توجد كلية أو مدرسة عليا لتدريس كيفية تنظيم مهرجان سينمائي. هذا لا علاقة له بالتخصّص الأكاديمي. مشاركتك الدائمة في مهرجانات دولية لا تفيدك على هذا المستوى. هناك طريقة واحدة لذلك كلّه: إقامة مهرجان. فتنظيم مهرجان ما كفيل بتدريبك على كيفية تنظيم مهرجان. هذه هي المعادلة، المكتملة بالنقد الذاتي الدائم. التقييم ضروري، والخطأ الأكبر كامن في الاتكال، فقط، على آراء الأصدقاء الذين يعتقدون أن التشجيع مفيد. إذا قلت: حسنا، هذا عمل جيّد (أكان مهرجانا أم فيلما)، فإن صاحب العمل لن يرى الأخطاء، ولن يصحّحها. النقد السوي، والنقد الذاتي، أمران ضروريان للغاية، وأداتان مهمّتان للتطوّر«. في هذا الإطار نفسه، لم يتردّد محمد هاشم عن الاعتراف ببعض الثغرات والخلل: »يظنّ البعض أن ما فعله في البداية هو كل شيء. أن هذا هو المهرجان بحسب ما أنجزه في الدورة الأولى. لكنه سرعان ما يكتشف أن أشياء كثيرة لا تزال غائبة، وأن هناك مسافة ما بين ما أحبّ أن يحقّقه، وما يجب على المهرجان أن يكون عليه، خصوصا على مستوى الدور المناط به. بالنسبة إلى »مهرجان بيروت للأفلام الوثائقية«، فالخطة لا تزال كما هي عليه منذ البداية: السعي إلى جعله مهرجانا دوليا، والإبقاء على مسابقة الأفلام الطالبية اللبنانية، من دون تناسي أهمية إضافة فئات جديدة، مرة كل عام، على الأقلّ. وصولا إلى السنة الثامنة، التي يُفترض بها أن تشهد مسابقة دولية مفتوحة«. أضاف هاشم: »لا أستطيع القول إن كل شيء كامل. في مختلف فئات التنظيم والإدارة، حصل خلل ما. مثلا: اختيار فيلمي الافتتاح والختام. كيفية تنظيم وقت الفراغ الحاصل بين عرضين متتاليين. ضرورة تنظيم عملية إضاءة الصالة وإطفائها بين فيلم وآخر. هناك أيضا تأليف لجنة التحكيم، واختيار الأفلام اللبنانية والعربية. لا مشاكل في اختيار الأفلام الأجنبية. ما أرغب في تحقيقه أيضا، كامن في توسيع دائرة المُشاهدين. فجمهور المهرجان هو نفسه جمهور المهرجانات الأخرى. لا بأس في ذلك. لكنّي أطمح إلى فئات أخرى، إلى شريحة أكبر من المُشاهدين. لا أريد للمهرجان أن يبقى نخبويا. في دورة العام الفائت، عُرض فيلم »كلمات من صمت« لليونانية لوتشيا ريكاكيس، خاص بالصُمّ. امتلأت القاعة بجمهور مختلف تماما. لعلّها المرة الأولى التي يأتون فيها إلى صالة، لمُشاهدة فيلم سينمائي. هذا ما أسعى إليه: جمهور لا علاقة له بالصالات والمهرجانات«. أبدت إدارة المهرجان، في خلال الأعوام الأربعة الفائتة، عنادا في مواجهة التحديات المختلفة، التي يُمكن اختصارها ب: التمويل المفقود. الجمهور المتواضع. الصالات غير السينمائية. غياب أدنى دعم رسمي، باستثناء مبلغ زهيد (مليونا ليرة لبنانية) قدّمته وزارة الثقافة اللبنانية في العام ألفين، من »فضلات« ميزانية »بيروت عاصمة ثقافية عربية لعام 1999«، كما قيل لهاشم حينها. هناك أيضا الصالة الكبرى في »قصر الأونيسكو« لحفلتي الافتتاح والختام (مع آلة عرض سينمائي)، التي تقدّمها الوزارة مجانا، كما تفعل غالبا في نشاطات متنوّعة أخرى. أضف إلى ذلك مشكلة العثور على أفلام لبنانية وعربية ذات سوية إبداعية جيّدة: »كل مخرج عربي يعتقد أن فيلمه أفضل، وأن على إدارة المهرجان أن تختاره«، كما قال هاشم. أضاف أن المشكلة موجودة في لبنان أيضا: »منذ البداية، أردتُ منح الجميع فُرَصاً متساوية. لكن، حين تبذل جهدا كبيرا للحصول على أفضل الإنتاجات الحديثة في العالم، فإنك تسأل نفسك عن سبب غياب هذه الأفلام الأفضل في لبنان. لا أقول إن النتاج اللبناني كلّه ليس مهما، أو إنه لا يستحق المشاركة. هناك أفلام جميلة ومهمة، لكن هناك أيضا أفلام غير جيّدة، لست مُضّطرا لعرضها بأي شكل من الأشكال«. مشاكل وتحديات إذاً، هناك مشاكل عدّة عاشها المهرجان في دوراته الأربعة المتتالية: »بالنسبة إلى التمويل، أبدأ بالقول إن ميزانية كل دورة تتراوح بين 10 آلاف و15 ألف دولار أميركي، تُدفع كمصاريف خاصة ب: إيجار المسرح وأجهزة العرض، البريد وشحن الأفلام، المطبوعات وتكاليف دعوة الضيوف من إقامة وبطاقات سفر. هناك مصاريف أخرى لا تدخل في هذا الحساب، تُدفع في خلال التحضير لكل دورة. غير أن التحضيرات تتطلّب جهدا أكثر مما تحتاج إليه من أموال. طبعا، بات الجميع يعرف أن لا مردود ماليا، إذ إن الدخول مجّانيٌ«. أضاف هاشم: »هناك مصادر تمويلية عدّة: أولا، السفارات والمراكز الأجنبية العاملة في لبنان، إذ إنها تتكفّل بمصاريف إقامة ضيف مدعو تابع لدولتها. مثلا، تكفّلت السفارة الكندية بتغطية تكاليف سفر مدير »مهرجان تورنتو للأفلام الوثائقية« كريس ماكدونالد، وإقامته في بيروت طوال فترة الدورة الرابعة. ثانيا، هناك بعض المُعلنين الذين اشتروا صفحات إعلانية في »كاتالوغ« المهرجان، ك»البنك اللبناني الكندي«، الذي اشترى صفحة إعلانية في دورة العام الفائت، وهو مستمر في ذلك في دورة العام الجاري. إن »مهرجان بيروت للأفلام الوثائقية« يسعى جاهدا إلى إثارة اهتمام المُعلنين، الراغبين في مساحات إعلانية خاصة بسلعهم التجارية، تسمح لهم بالوصول إلى فئة محدّدة من المُستهلكين، هي فئة جمهور المهرجان. هو بحاجة إليّ كما أنا بحاجة إليه. يدفع نقدا (ما أحتاج إليه) لقاء مساحة إعلانية (ما يحتاج هو إليه)«. في مُقابل هذا كلّه، أنتج المهرجان إيجابيات عدّة: »الإيجابية الأولى: استمراريته. استطعتُ، بما لديّ من إمكانيات متواضعة، أن أستمر في إحياء المهرجان على مدى خمسة أعوام متتالية. في الدورة الثانية، تنازلتُ قليلا، أو بالأحرى ضحّيتُ بأمور عدّة، كي أستمر: انتقلت إلى صالة مجانية، لا علاقة لها بالسينما، وضحّيت ببعض الأفلام، إيمانا مني بأن الاستمرارية وحدها تخلق المصداقية. الإيجابية الثانية: الثبات. الموعد الثابت لإحياء دورة كل عام مهم للغاية، تماما كثبات الموضوع: هذا مهرجان خاص بالفيلم الوثائقي. لو أفسحت المجال لمشاركة أفلام روائية قصيرة وأفلام تحريك، لارتفع عدد المُشاهدين. أليس كذلك؟ غير أني عرفتُ منذ البداية ما أريد: الفيلم الوثائقي، فقط. الإيجابية الثالثة: حضوره في خريطة المهرجانات في بيروت. بحصوله على نحو مئتي فيلم، استطاع أن يثبت حضوره في المشهد الدولي، أيضا. إنه مهرجان صغير ومتواضع، ومع هذا، فرض وجوده في المشهد الثقافي والفني. الإيجابية الرابعة: اهتمام محطات تلفزيونية عربية بالفيلم الوثائقي. أعرف أن المحطات التلفزيونية العربية لا تبدي أدنى اهتمام بالفيلم الوثائقي، خصوصا على مستوى إنتاجه وتسويقه. غير أن محطتي »العربية« (دبي) و»الجزيرة« (الدوحة) تحديدا اختارتا عددا من الأفلام، بحسب ال»كاتالوغ« الخاص بالمهرجان، وطلبتا شراء حقوق بثّها. مما يعني أن المهرجان قادر على التحوّل إلى سوق للفيلم الوثائقي. هذا ما أحاول تحقيقه في الدورات القليلة المقبلة. هذا أمر مهم للغاية. الإيجابية الخامسة: تعلّمت أكثر في مجالي صناعة الفيلم الوثائقي وكيفية تنظيم مهرجان. راكمت تجارب وخبرات مفيدة. اطّلعت على التفاصيل الدقيقة للمراحل كلّها المتعلّقة بكيفية إنجاز فيلم وثائقي، في الخارج، على مستويي التقنيات والمضمون. هناك أفلام تعالج مواضيع مربحة ماليا، أي قابلة للتسويق التجاري، لكنها مصنوعة بطريقة تحول دون ذلك. تعلّمت هذه »المعادلة الرابحة«، التي تقضي باختيار مواضيع يُمكن تسويقها، في حال تمّ إنجازها بالشكل التقني المطلوب«. لا تزال المسابقة الرسمية ل»مهرجان بيروت للأفلام الوثائقية« متعلّقة بالأفلام الطالبية: »هناك رغبة في تشجيع الطلاب، وإفساح المجال أمامهم لتقديم أعمالهم. بدأت المسابقة بأفلام طالبية لبنانية فقط (الدورات الثلاث الأولى). في العام الفائت، شاركت أفلام طالبية من فرنسا وإيطاليا، إلى جانب الأفلام اللبنانية. في الدورة الخامسة (2003)، ستشارك أفلام من عشرين دولة عربية وأجنبية (الإمارات العربية المتحدة، مصر، تونس، سلوفاكيا، روسيا وغيرها). هناك توجّه إلى تخصيص جائزة واحدة بالمحترفين اللبنانيين، في دورة العام المقبل«.