ثمة مقارنة شاعت بعض الشيء في الثقافة العربية هي مقارنة بين حدثين وقعا مع تصفية الاستعمار الفرنسي في كل من سوريا والفيتنام. ففي عام 1947، تجمع في الساحة الرئيسة من إحدى المدن السورية، بناءً على نداء شاعر بارز، »مثقفو« تلك المدينة وطلابها حاملين معهم مايملكون من كتب فرنسية وأحرقوها باعتبارها أثراً من آثار الاستعمار البغيض. وهذا ما تكرر في المدن السورية الأخرى في مذبحة ثقافية يرى فيها ياسين الحافظ تدشيناً لسيرورة نزع الثقافة الحديثة من البلدان العربية. أما في فيتنام، ومع تصفية الاستعمار الفرنسي عام 1954، فقد عبر أحد قادة الفيتناميين عن الأمر بالقول: »في نفس الوقت الذي كنا نقاوم فيه السياسة الغاشمة للاستعماريين الفرنسيين، لم نكن قط ننسى أن نستفيد من الثقافة الحقة للشعب الفرنسي. وخلافاً لتوقعات المستعمرين، استطعنا أن نتعلم... التفكير والتصرف والعمل حسب الطرق والمناهج العلمية«. والعبرة في الأمر هي الاختلاف بين رؤيتين، أولاهما تطابق بين الأمور وتراها كتلة واحدة خالية من التناقض، فتوحّد وتماهي بين الاحتلال وجميع البلد المحتل، وكل ما يمكن أن يكون هذا البلد، بفئاته المختلفة والمتعددة والمتناقضة، قد أنجزه عبر تاريخه من مآثر حضارية في الفكر والمعرفة والعلم والثقافة والأخلاق؛ وثانيتهما تنظر بعكس ذلك فترى أن ثمة نتاجاً مهماً على جميع هذه الصعد، وأن أفكار فولتير وروسو وميرابو... الخ سلاح شديد المضاء في مقاومة الاحتلال الفرنسي. هكذا شاع الكلام في الثقافة العربية، ولى سبيل المثال،عن »الغرب« بوصفه كلاً مقابل »الشرق« بوصفه كلاً آخر مضادا، وذلك بمنطق لا يختلف في جوهره عن منطق المستشرقين الأوروبيين الذين عملوا في ظل، وفي خدمة الاستعمار الأوروبي لمناطق العالم المختلفة. ومن المعروف بالطبع أن إدوارد سعيد كان قد ركّز مشروعه في كتاب »الاستشراق« وسواه على نقد منطق المستشرقين هذا، ومن المنطقي أن نتوقع منه انتقاده حيثما وجده، وأن ننتظر منه اتساقاً في تمسّكه بالمنطق النقيض على طول الخط. وهذا بالفعل ما نجده لدى إدوارد سعيد بدقة والتزام معرفي وأخلاقي قلّ نظيرهما. ومن الأمثلة على ذلك رؤيته إلى مدينة نيويورك التي وصلها فتىً طري العود في خريف العام 1963 ولا يزال يعيش، ويكتب، ويحاضر، وكافح فيها إلى الآن. وفي الوقت الذي يمكن الكلام فيه على نيويورك كما يراها العديد من الكتّاب العرب الذين قاموا بتأويلها، إذا جاز القول، ومن بينهم أدونيس مثلاً، فإن نيويورك إدوارد سعيد تظل مختلفة. فهي، كما يعترف سعيد، بادئ ذي بدء، متعددة وليست واحدة، متقلّبة وليست ثابتة، تستمد أهميتها من غرابة أطوارها ومن ذلك المزيج الخاص المتنوّع من الصفات والخصائص التي تميّزها. وهي صفات وخصائص ليست إيجابية وحسب، بل سلبية أيضاً، خاصة بالنسبة لمقيم فيها غير مرتبط بشركة عالمية، أو بملكية فعلية، أو بعالم الإعلام وأمبراطوريته. وهذا ما يؤدّي بهامشية الغريب وعزلته لأن يتغلّبا على إحساسه بعادية وجوده فيها. غير أن سعيد يعترف أيضاً بأن نيويورك قد لعبت دوراً مهماً في ذلك الضرب من النقد والبحث الذي قام به. ولا يقتصر الأمر في ذلك على أن الجامعات الأميركية بصورة عامة، ومنها جامعة كولومبيا التي عرف قسمها للأدب الإنكليزي والمقارن إدوارد سعيد طالباً ومعلماً، تكاد أن تكون بمثابة اليوطوبيا الأخيرة الباقية سواء بالنسبة لهيئتها التدريسية أو بالنسبة لكثير من طلابها، بل يتعدّاه إلى كون نيويورك، بحسب سعيد، هي تلك المدينة القلقة، المضطربة، المتنوعة بغير انقطاع، والمفعمة بالطاقة، والمتقلّبة، بل والمقاومة، والتي تمثّل ما كانت عليه باريس منذ مئة عام، عاصمة العصر. هوية متعددة لقد بدت حياة نيويورك الثقافية لإدوارد سعيد على أنها تتبع عدداً من السبل المميّزة تماماً، معظمها مستمدّ من الخصيصة الجغرافية للمدينة بوصفها ميناء الدخول الأميركي الأكبر. فنيويورك غالباً ما كانت أول مكان يقيم فيه الوافدون إلى المجتمع الأميركي، ومعظمهم من الفقراء، بل كثيراً ما كانت أيضاً محطّهم الدائم. وهؤلاء كانوا إيطاليين، وإيرلنديين، وأوروبيين شرقيين، وأفارقة، وكاريبيين، ومن الشرقين الأوسط والأدنى. وهذا ما جعل المدينة تستمدّ من جماعات المهاجرين هؤلاء قدراً كبيراً من هويتها كمركز للحياة السياسية والفنية الراديكالية التي تجلّت في الحركات الاشتراكية والفوضوية، وفي نهضة هارلم السوداء، ولدى العديد من الرّواد والمبدعين في الرسم، والتصوير الضوئي، والموسيقى، والدراما، والرقص، والنحت. حيث تمكّن هؤلاءالمغتربون من احتلال مكانة عالية الشأن تجلّت في المتاحف، والمدارس، والجامعات، وقاعات العزف، ودور الأوبرا، والمسارح، وقاعات العرض، وفرق الرقص التي حققت لنيويورك مكانتها المعتبرة كنوع من المقصد المسرحي الدائم، كل ذلك مع تضاؤل الصلة الفعلية لهذه المجموعات بجذورها المهاجرة شيئاً فشيئاً بمرور الزمن. بيد أن نيويورك تغيّرت أيضاً، وشيئاً فشيئاً بمرور الزمن. وعلى سبيل المثال، فإن نيويورك بوصفها مركزاً للنشر لم تعد ذلك المكان الذي غامر فيه الصحافيون والكتّاب ذات مرّة وخاضوا في مجال جديد، بل غدت موقعاً رئيساً من مواقع الأمبراطوريات الإعلامية والتكتلات الضخمة. هكذا قضت معظم المجلات الصغيرة والجماعات الفنية التي كانت تمدّها بأسباب الحياة والاستمرار. لكن نيويورك بوصفها مدينة المهاجرين والمنفيين لا تزال قائمة على الرغم من كل التغيّر الحاصل، ولا تزال في توتر مع المدينة نفسها بوصفها المركز الرمزي، بل الفعلي، لاقتصاد العالم الرأسمالي المعولم الذي توضح قوته الفجّة، بإسقاطاتها العسكرية، والاقتصادية، والسياسية الموجودة في كل مكان، أن أميركا هي اليوم القوة العظمى الوحيدة. هكذا تبدو نيويورك لإدوارد سعيد أكثر من مدينة واحدة. فثمة، على الأقل، نيويورك المركز الاقتصادي العالمي ونيويورك الأخرى، نيويورك جماعات الشتات العالمثالثي، وسياسات المنفى، والسجالات الثقافية التي سيطرت على الحياة الأكاديمية في ثمانينيات القرن العشرين وما بعدها. وهذه النيويورك الأخرى عادةً ما تكون مجهولة، مختفية خلف مقابلتها الرسمية التي تزدريها وتستخف بها. ولقد شكّل التغيّر الذي اعترى مثقفي نيويورك المعروفين جزءاً أساسياً مما وجد سعيد أنه طرأ على المدينة. فحين وصل إلى نيويورك كان لا يزال لدى تلك الجماعة من مثقفيها المعروفين بعض الحيوية الباقية، وقد تجمّعوا حول »البارتيزان ريفيو« وفي »السيتي كوليج« و»جامعة كولومبيا«. غير أن سعيد راح يكتشف، منذ مرحلة باكرة فصاعداً، أن المعارك التي كان مثقفو نيويورك لا يزالون يخوضونها حول الستالينية والشيوعية السوفياتية لم تكن تهمّه كثيراً أو تهمّ معظم أبناء جيله الذين وجدوا في حركة الحقوق المدنية ومقاومة الحرب الأميركية في فيتنام أمراً أهمّ بكثير وأمراً كان له الأثر الفعال في تكوين ذاك الجيل. بل ان مثقفي نيويورك بينما كان سعيد يعيش تجربة 1967، وانبثاق الشعب الفلسطيني كقوة سياسية، وانخراطه في تلك الحركة، وما جرّه عليه ذلك من تهديدات متكررة بالقتل، وأعمال تخريب متعمّدة، وسلوك رديء تجاهه وتجاه عائلته راحوا يسوّدون صفحتهم بتورطهم البشع في الحرب الباردة الثقافية كما أدارتها وكالة المخابرات المركزية الأميركية مما كشفته فرانسيس ستونر سوندرز في كتابها »المخابرات المركزية الأميركية والحرب الثقافية الباردة« (صدر بالعربية في ترجمتين، أولاهما مصرية والأخرى سورية). أصدقاء لكن نيويورك ذاتها، وجامعة كولومبيا على وجه التحديد، وقسم الأدب الإنكليزي فيها، جادت على سعيد بصديقين حميمين وزميلين متشددين ومدققين كانا أقدم منه في الجامعة، وهما ليونيل تريللنغ وف.و. دوبي. ومع أن سعيد يحتفظ لتريللنغ بعاطفة عظيمة كصديق وزميل، إلاّ أنّ روح ف. و. دوبي الأشدّ راديكالية وانفتاحاً هي التي حظيت لديه بأعظم الأهمية وهو يباشر كتابته وتدريسه. حتى إنّ وفاة دوبي عام 1979 شكّلت لسعيد، كما يقول، خسارة شخصية فادحة ما زال يشعر بها إلى اليوم. كان دوبي كاتب مقالات من الطراز الرفيع (شأن تريللنغ)، وكان مخرّباً حقيقياً بالمعنى الفكري والسياسي، ورجلاً ذا سحر لا يضاهى ومواهب أدبية مذهلة تختلف عن مواهب زملائه من الأوساط التي راح يغزوها ضرب من النرجسية المملة وميل قاتل إلى الاتجاهات اليمينية المعتدّة بنفسها. ودوبي هو الذي شجّع سعيد على اهتمامه بالتنظير الفرنسي وبالاتجاهات التجريبية في الشعر والرواية، وكذلك بفنّ المقالة التي برع فيها سعيد ورأى فيها طريقة لاستكشاف ما هو جديد وأصيل بعيداً عن قيود الاختصاص الأكاديمي. بل إنّ دوبي هو الذي قدّم لسعيد الدعم بعد 1967، حين حلّت بالعرب تلك الهزيمة المرّة، فناصره في قتاله المتوحّد دفاعاً عن القضية الفلسطينية. كما كان دوبي وزوجته أندي الصديقين الوحيدين، ممن عرفهم سعيد في حياته الأكاديمية في نيويورك، اللذين قاما بزيارته في بيروت، وفي وقت كانت فيه بيروت مركز السياسات الثورية في الشرق الأوسط (خريف 1972). ولا بد من أنّ دوبي قد لعب دوراً أساسياً في فتح الطريق أمام إدوارد سعيد لاستجلاء نيويورك الأخرى. نيويورك الهجرة البشرية الضخمة التي ارتبطت بالحرب العالمية الثانية، وإزالة الاستعمار، فضلاً عن المجاعات، والتطهير العرقي، ومكائد القوى العظمى. نيويورك الثقافة والمثقفين، والمهاجرين، واللاجئين، والمجتثّين من أوطانهم، حيث شكّل الإبداع والحزن الذي يمكن تبيّنه في ما يبدعونه واحدة من التجارب التي لا تزال تنتظر مؤرّخيها على الرغم من كلّ ما قيل فيها.