في غمرة امتحاننا الإلهي والبشري في الصبر على المأساة العبثية، المتفاقمة سنة إثر سنة، فقدنا قبل أول أمس، آخر نغم جميل في جعبة المرحلة. أسلم كمال الطويل روحه، لعلّ فضاءات تتلقفها بعد أن ضاق المكان وذوت الأحلام. ولعل أهل »الفن« الحالي، سوف لن يلاحظوا رحيله، هم الغارقون في صخبهم وقرقعتهم وتوسّل جماهيرهم في كمّ الجنون الذي »يبدعونه«، وكمّ الركاكة التي يصفعون الآذان بها. رحل الموسيقار الهادئ المتلطي خلف نجاحاته، عاجزا عن مزيد البقاء في بقعة الظل التي أملاها انتصار الشر على الخير في معادلة الزمن الراهن. ومنذ أن استبدل الرئيس الراحل السادات الأيقونة الوطنية (والله زمن يا سلاحي) لكمال الطويل والتي كانت تيمة عهد جمال عبد الناصر، بنشيد »بلادي بلادي« لسيد درويش، عرف العالم العربي أنه ترجّل عن حصانه، وأن وقت الاستكانات قد أزف، وأزفت مراحل التطبيع التي أبدى العرب فيها، وحدها، بأسا وقوة في الخضوع. شرخ حين استضافه »النادي الثقافي العربي« لمناسبة »معرض الكتاب« هرعنا لنرى آخر ما بقي من أحلامنا، لنأنس بحضور حقيقتنا الوحيدة، التي عرفناها في القامة والخيلاء والخجل الداخلي، وتواضع الكبار. »إحنا الشعب« و»بالأحضان« و»صورة« و»حكاية شعب« كانت جهد ثلاثة رحل آخرهم منذ يومين، عبد الحليم حافظ وصلاح جاهين وكمال الطويل، وسوف لن تكون قيامة للأغنية الوطنية بعدهم، لأن مضامين العلاقة بالوطن والعلاقة بالموسيقى والعلاقة بالكلمة قد شابها الشرخ حتى لو غنّى فنانو الحاضر »حلمهم العربي« الذي لا يعدو أن يكون أضغاث أحلام، وسط غياب الكلمة الحرة والموسيقى النبيلة والأصوات الواثقة. في مجرى الانقطاع العام الذي دهم حياة الأمة العربية، حيث لم يعد التلحين حرفة الملحن ولا الغناء للمغنّي ولا الكلمة لصاحبها، شاب الفتور نشاط الفنان الكبير وإبداعه، فانكفأ الى تفاصيل في حياتنا الفنية، لا تُعبّر عن صاحب »على قد الشوق« التي أعطاها لصوت عبد الحليم حافظ رفيق عمره ودربه. ولعل التباسا في ذهن البعض من التصاق الطويل وحافظ في كل أعمالهما، يستدعي فكرة مغلوطة تقول بأن الطويل قصّر عن التراث الضخم الذي ضمّ أعمال الملحنين الرواد الذين شيدوا صروح الموشحات والأدوار والقصائد والطقاطيق والمونولوغات الغنائية والألحان المسرحية. الأمر محض افتراء بالطبع، فتلك الاطلالة للطويل، مع عبد الحليم، لم تخف اجتهاده اللحني الذي وزّعه على الأصوات كافة ابتداءً بسيدة الغناء الى سواها من المطربين الكبار. فشهرة عبد الحليم عبر ألحان الطويل، مبعثها ميل الملحن الى اللون الغنائي الوسطي بين عبد الوهاب وأم كلثوم، والى موجة غنائية جديدة عن طريق صوت عبد الحليم، افتتن بها الجمهور العربي ولم يزل حتى الساعة مفتونا. لم يستسلم الطويل الى جبروت كلاسيكية عبد الوهاب وأم كلثوم وارتكاسهما نحو شرقية طاغية، بل عمل في مسار الحداثة الراقية في رشاقة جملته اللحنية وأذكى المد القومي وانتصار الثورة المصرية بكل الجديد الذي قدّمه لعبد الحليم في إنجاز متواز مع أعمال بليغ حمدي آنذاك. لقد تبنّى الاتجاه القومي في الموسيقى، في رهافة توزيعاته العالية والى نسيج الموسيقى نفسها وأيضا الغناء، الأمر الذي بدا قادرا على إخراج الموسيقى العربية الصارمة من ركودها الذي قبعت فيه طويلا نحو الراسخ والمضمون من العربي الحداثي. استنهاض الموسيقى العربية رحل إذن، عن 81 عاما، آخر المبدعين الموسيقيين الأحياء، الذين صنعوا وقفة تأمل في استنهاض جانب من موسيقانا، محللا في ملامحها الأساسية التي استجابت الى أسلوبه الرقيق الذي يتغلغل في ثنايا الغناء والكلام. ومن الجدير أن نذكر مفارقة ظلت تحوم في ذهن الطويل، معتقدا فيها أن رحمه الفني هو محمد عبد الوهاب، ليكتشف أن تأثره الأساسي هو بمحمد فوزي خصوصا في الألحان ذات النبض الحيوي والسريع والمدة الزمنية القصيرة. في رحم التحولات السياسية والاجتماعية والفنية، تكوّنت قامة كمال الطويل الإبداعية في معادلة إنسانية موازية هي مزيج من رقي السلوك الأرستقراطي (عمه باشا) وحرارة وعفوية الروح الشعبية. وهو من ناحية الانتاج الفني، كان مشبعا في شبابه الباكر بعظمة الموسيقى الأوروبية الكلاسيكية الملمح التي انعكست في كثير من ألحانه (خصوصا لعبد الحليم ونجاة الصغيرة) كما انعكس رصيده الوجداني المشبع بالألحان الشعبية المصرية وتراث التواشيح الدينية والتجويد القرآني. وهو لم يترفّع عن طرق باب المونولوج أيضا، حين عرض لحنا للمونولوجيست محمود شكوكو. الأغنية الاستعراضية استنطق كمال الطويل الأوركسترا العربية، للتعبير عن أشكال حديثة فيها، ولكن ذات هوية عربية واضحة لم تستبعد أيا من المقامات، الحاوية ثلاثة أرباع الصوت والخالية منها على السواء. ولعل أهم إنجازات كمال الطويل المحجوبة بغبار التغطية الاعلامية السطحية، هي نمط الأغنية الاستعراضية الخفيفة الظل، في الأفلام والمسلسلات التلفزيونية، فهذا لون يخرج على كلاسيكية الطرب ليطلق العنان للخيال التعبيري الحر، وفقا للمواقف الفنية المتبدلة في الأعمال السينمائية والتلفزيونية (خلي بالك من زوزو). الفنان الراحل كمال الطويل، كان شاهدا على عصر في تحوّل تاريخه الفردي والشخصي الى تاريخ عام وتاريخ أمة. في أدائه السهل البسيط الرقيق، أشعل رومانسية متوقدة، في أفئدة الشباب العربي، شكّلت حالا من الوجد لم تفارقها حال السخونة التي صنعتها ألحانه الوطنية التي أنتجت جديدا ومختلفا عن كل ما سمعه العرب في باب الدعوة الى الاتحاد والنصر. وعبر »البيانو« آلته، كانت ولادة »والله زمن يا سلاحي« التي أسمع لحنها الى صلاح جاهين عبر التلفون، فما كان من الأخير إلا أن استمهله دقائق شهدت ولادة كلماتها عبر جاهين. طال صمت كمال الطويل ما يفوق 23 عاما، بعد رحيل عبد الحليم، ليطلع علينا بنبرات تململ حضاري، لم تستطع أن تكون معلما بارزا وثابتا كسيرته الخصبة الاولى. ولعله كان محقا في انسحابه لفترة زمنية طويلة، بكل غناه وفرادته، بعد مسيرة حياة مبدعة أبى أن يهادن فيها، او ينضوي في قطيع تبييض الأموال في الفن. غاب صاحب الألحان المهمة التي طورت الأغنية العربية في توازنها المطلوب بين الكلمة والنغم، في تمام النسيج الجميل غير المختلّ.