أصدر السينمائي الفرنسي كلود بيري، مؤخرا، كتابا بعنوان »صورة ذاتية«، روى فيه فصولا عدّة من سيرته الحياتية والمهنية، التي أمضاها مخرجا ومنتجا سينمائيا لمخرجين فرنسيين وأوروبيين وأميركيين. بهذه المناسبة، نشرت المجلة السينمائية الفرنسية »دفاتر السينما«، في عددها الصادر في حزيران الفائت، حوارا طويلا معه أجراه جان مارك لالان وشارل تيسّون، انطلق من الكتاب في رحلة لاستعادة التجربة والعلاقات والأفكار. هنا ترجمة عربية لمقتطفات عدّة من الحوار. في كتابه هذا، ذكر كلود بيري أنه أصبح منتجا سينمائيا بشكل عرضي، إذ إن الإنتاج لم يكن يوما هدفه: »هذا ليس دقيقا بالضبط، إذ إني ورّطت والدي وبعض أصدقائه من بائعي الفراء في إنتاج مسرحية بعنوان »سلوك الأزواج في عائلة برادبوري«، التي لم تعرف نجاحا. فكرة أن أصبح منتجا جاءتني باكرا، لأن أحدا لم يرغب في إنتاج فيلمي الروائي القصير الأول »الدجاجة«، بعد أن رفضه منتجو الأفلام القصيرة، ومنهم بيار برانبيرجي. ساعدتني صديقتان لي، هما هيلين فاجي (صمّمت العديد من أزياء بريجيت باردو حينها) وكاتارينا رين (مثّلت معها في مسرحية »تشن تشن«)، إذ أعطتني كل واحدة منهما عشرة آلاف فرنك. يومها، أنشأت شركتي الخاصة بالإنتاج، وأسميتها »رين«، وذلك منذ فيلمي الروائي القصير الأول هذا. إذا، تحوّلي إلى الإنتاج لم يكن بإرادتي بل لأني لم أكن أملك خيارا آخر«. في المقابل، أراد بيري أن يصبح ممثلا، قبل الإخراج والإنتاج: »لم أكن أريد أن أصبح بائع فراء، بأي شكل من الأشكال. هذا طموحي الأول، الذي تلاه طموح ثان هو: أن أصبح ممثلا. مثّلت أدوارا مسرحية قصيرة، وفي العام الذي شهد ولادة فيلمي الروائي القصير الأول، مثّلت مع سيمون سينيوري في »الثعالب الصغيرة«. شجّعني موريس بيالا على ذلك، لكنه لم يكن الوحيد. أناس، أمثال آلان كافالييه، قرأوا النصوص التي كتبتها في ذلك الوقت، في حين أن السيناريو الأول لي كان بعنوان »مثلما نهيّئ السرير، ننام«. رفضوني كممثل في »اللجام على العنق«، لكني حين شاهدت روجيه فاديم في بلاتوه التصوير، شعرت بضرورة الفصل في مجالات العمل. في هذه الفترة، ادّعى الممثلون أن الكتابة لم تكن في متناول أياديهم، على النقيض الكلّي لما هم عليه الآن«. لم تمارس السينما إغواءها على كلود بيري الطفل، بل المسرح: »شاهدت شارل دولاّن في »الأرض مدوّرة« لآرمان سالاكرو، والتقيت جيرار فيليب في »المسرح الوطني في باريس«. بدأت كممثل في المسرح. لم أكن هاوي سينما، ولم أذهب إلى »المكتبة السينمائية«، مع أني شاهدت أفلاما عدّة في الصالات. تكويني مسرحي أكثر (...)، إلى درجة أني أتمنّى العودة إلى المسرح، ولو لمرة واحدة فقط«. أضاف بيري أن أفلامه، بجودتها وأخطائها على حدّ سواء، تملك تنويعا بين السينما والمسرح، مشيرا إلى أن كل ما يتجلّى عن المسرح، كإدارة الممثلين والعمل على إظهار أحاسيسهم، »أنجح في الجانب الشكلي. الدليل على ذلك: حصلتُ على نتائج جيّدة للغاية مع دانيال أوتوي وكولوش وجيرار ديبارديو وغيرهم«. وعمّا إذا كان جان فيلار مهمّا بالنسبة إليه، قال بيري إنه حاول العمل في »المسرح الوطني في باريس« كعامل تنظيفات: »أقول هذا كي أعبّر عن المدى الأقصى الذي كان يمكنني أن أذهب إليه، من أجل فيلار«. في مطلع الستينيات، بدأت »الموجة الجديدة« في السينما الفرنسية في واحدة من مراحلها الخصبة والمهمة. فهل شعر كلود بيري بأن هناك عقدا ما في صنع الأفلام، كونه جاء السينما من أفق آخر غير النقد، كما هي حال صانعي هذه الموجة؟ قال بيري: »لم أفكّر هكذا. حين شاهدت »سيرج الجميل« لكلود شابرول، كنت لا أزال متدرّبا في مجال التمثيل. أنا لا أفكّر بهذه التعابير. فالمهم بالنسبة إليّ أن تستمر معاينة التقدّم الحاصل. ما يجري اليوم كامن في أن الذين ينتقلون إلى الإخراج هم الممثلون وليسوا النقاد. لا أقول إنهم يصنعون تحفا، لكنهم عديدون: آلان شابا، إيفان آتال، جوزيان بالاسكو، ميشال بلان، وغيرهم«. أما لماذا ينتقل الممثلون إلى ما وراء الكاميرا، فهذا عائد، بالنسبة إلى بيري، إلى كونهم »يعرفون الكتابة«، مشيرا إلى أن ما ينقص السينما، حاليا، هو السيناريو، في حين أن لا وجود لكتّاب سيناريوهات محترفين في فرنسا اليوم، باستثناء جاك فياتشي وجيروم تونّير، مثلا. على الرغم من علاقاته المتعدّدة بكبار صانعي »الموجة الجديدة«، إلاّ أن العلاقة الأعمق والأكثر ودّية نشأت بينه وبين فرنسوا تروفو: ار»تبطت بعلاقة صداقة ما مع شابرول، لأني صوّرت في أفلامه (نساء مسنّات، الخط الفاصل، البخل، إلخ.). شاركت في إنتاج »ليلتي عند مو«. ساعدت (لا أحبّ هذا التعبير، وأفضّل استخدام تعبير آخر هو شاركت) في تمويل ريفيت«. صداقته بتروفو ولدت من الحماسة المدهشة التي أبداها هذا الأخير ل»الرجل العجوز«، لكن بيري يفضّل بعض أفلام صديقه وليس كلّها: »الطفل المتوحّش« و»الغرفة الخضراء«. ومع أن »المترو الأخير« عرف نجاحا كبيرا، إلاّ أنه لا ينتمي إلى لائحة الأفلام التي يحبّها أو يفضّلها بيري. إلى ذلك، تحدّث بيري عن ظروف إنتاجه أفلاما لغير الفرنسيين، كميلوس فورمان ورومان بولانسكي: »هناك جان جاك آنو وباتريس شيرو، أيضا. الإنتاج هو سؤال العلاقات، لكني لم أسع إليها. التقيت فورمان في حفلة عشاء دعاني إليها جيروم كابانا، ابن جان كابانا من الحزب الشيوعي. كان فورمان يومها في باريس لعرض فيلمه الأخير حينها »Au feu les pompiers« أمام لولوش، بهدف البحث عن موزّع له، ولمناقشة تمويل مشروعه الجديد. هذا كان مغامرة كبيرة جدا، مع أنها »كارثية« على المستوى الاقتصادي، بسبب »فالمونت«: فيلم جميل، فشل تجاريا. بالنسبة إلى بولانسكي، فالأمر نفسه تقريبا: نعرف بعضنا البعض منذ نهاية الخمسينيات، ولدينا صديقان مشتركان هما بيتسي بلير وكاريل رايز. التقيته إثر وصوله إلى باريس، بعد إرغامه على مغادرة الولايات المتحدة، بسبب مشاكله مع الفتاة المراهقة«.