As Safir Logo
المصدر:

جمع في أرشيف السينما الفلسطينية 70 فيلماً وفي الفيلموغرافيا 700 فيلم الزبيدي: أفلامنا تشكيل حقيقي لذاكرتنا وجزء من تاريخنا

قيس الزبيدي القائمة كبيرة.. والعمل مستمر (مصطفى جمال الدين
المؤلف: ج ن التاريخ: 2003-07-10 رقم العدد:9542

منذ تخرّجه من معهد السينما في ألمانيا الديمقراطية (سابقا) في العام 1968، بشهادتي مونتاج وتصوير سينمائي، قدّم العراقي قيس الزبيدي مجموعة من الأفلام الوثائقية والروائية، بدءا من »بعيدا عن الوطن« (1969)، الذي أراده شهادة بصرية عن حياة الأطفال الفلسطينيين في المخيمات. وضع مؤلّفات وكتبا نقدية في الشأنين السينمائي والتلفزيوني، وثابر في بحثه الدؤوب عن أرشيف السينما الفلسطينية، فأعدّ كتابا هو عبارة عن فيلموغرافيا خاصة بهذه السينما (يُتوقّع صدوره في الأشهر القليلة المقبلة عن »مؤسسة الدراسات الفلسطينية«)، كرديف لمشروعه الأهمّ: تأسيس أرشيف سينمائي فلسطيني، بالتعاون مع جهات ألمانية وفلسطينية. قبل أسبوعين، زار قيس الزبيدي بيروت للمشاركة في الفيلم الوثائقي الجديد للمخرجة الفلسطينية عزّة الحسن، الباحثة هي أيضا عن ذاكرة فلسطينية دمّرها الإسرائيليون في حلقة من حلقات هذا المسلسل الدموي الطويل الذي صنعوه بمطارداتهم الدائمة للفلسطينيين في فلسطين وخارجها. التقى السينمائيان عند الرغبة في استعادة هذه الذاكرة: عزة الحسن بإنجازها فيلما عن الصُوَر القديمة الموزّعة في أكثر من عاصمة عربية، وقيس الزبيدي باستكماله مشروعيه الاثنين: الأرشيف والكتاب. »السفير« التقت قيس الزبيدي في حوار أريد له أن يكون اختزالا للمشروعين، إنطلاقا من مشاركته في الفيلم المنتظر لصاحبة »زمن الأخبار« و»3 سم أقلّ« (عُرض هذان الفيلمان في الدورتين الأولى والثانية لمهرجان »فلسطين في السينما الجديدة«، الذي نظّمه »مركز المعلومات العربي للفنون الشعبية الجنى«، عامي 2001 و2003). بدأ قيس الزبيدي تنفيذ مشروعه السينمائي، القاضي بتأسيس »الأرشيف السينمائي الفلسطيني«، في منتصف الثمانينيات الفائتة، إثر الاتفاق الذي جرى بين »دائرة الثقافة والإعلام« في »منظمة التحرير الفلسطينية« و»إدارة السينما« في ألمانيا الديمقراطية (سابقا). مرّت أعوام عدّة، قبل أن يُقدّم الزبيدي مشروعه هذا إلى »دائرة الحفاظ على التراث والثقافة« في وزارة الخارجية الألمانية، الذي تبنّى المشروع لمدّة سنة واحدة، تمّ تجديدها لسنة ثانية. هذا الدعم المتواضع سمح للزبيدي بالحصول على نسخ والحفاظ عليها في »الأرشيف الاتحادي الألماني« في برلين، مؤقتا، إلى أن يستتبّ الأمن في فلسطين، وتنشأ الدولة الموعودة، ويصبح ممكنا تأسيس مقرّ خاص بالأرشيف الفلسطيني في فلسطين نفسها. البحث عن الذاكرة في الوقت نفسه، عمل قيس الزبيدي أعواما طويلة على جمع مواد الأفلام كلّها التي أنتجت في العالم، والتي تمحورت حول فلسطين، بهدف إصدار كتاب يُعنى بهذه السينما، من خلال المقالات والمقابلات والبطاقات الفنية والتقنية الخاصة بكل فيلم على حدة، مما يعني أن عدد صفحات الكتاب لن تقلّ عن الألف. حين وافقت »مؤسسة الدراسات الفلسطينية« في بيروت على إصدار الكتاب، اقتصرت مادته على الناحية التوثيقية البحتة: البطاقات الفنية والتقنية، والتعريف بمادة كل فيلم. في هذا المجال، واجه الباحث صعوبات جمّة، خصوصا في الإنتاج العربي، إذ إن مصادر المعلومات تكاد تكون غائبة. في حواره مع »السفير«، قال الزبيدي: »أنت محتاج ليس فقط إلى معلومة واحدة، بل إلى معلومات عدّة، كي يتسنّى لك التأكّد من أن بطاقة الفيلم صحيحة مئة بالمئة. عليك أن تتأكّد من اسم الفيلم وأسماء المخرج والممثلين والتقنيين. فالتوثيق عملية دقيقة للغاية، لا يمكن التساهل فيها أبدا«. بدأ الحوار مع قيس الزبيدي، من الفيلم الوثائقي الذي تنجزه عزّة الحسن، فأشار إلى أنها أرادت أن تصنع فيلما عن الأرشيف الفلسطيني المفقود منذ العام 1982: »محاولتها هذه قديمة، لكنها استقرّت في النهاية على لقاء مجموعة من السينمائيين الذين عملوا في »مؤسسة السينما الفلسطينية«، وآخرين أنجزوا أفلاما فلسطينية. اختيارها لي جاء بسبب إنجازي أفلاما عن فلسطين، وأيضا لأني أمضيت سنوات عدّة في العمل على تأسيس نواة للأرشيف السينمائي الفلسطيني. في الوقت نفسه، أبحث عن نسخ أفلام أنتجتها المؤسسة المذكورة، وهي نسخ فُقدت في العام 1982. حصلت على نسخ لم تكن كثيرة، منها أفلام لمصطفى أبو علي، وواحد أنتجه عدنان مدانات. بحسب ما فهمته من طبيعة فيلم عزّة، أن المخرجة استمعت إلى قصص وحكايات متعلّقة بموضوعها، وأنها زارت أماكن عدّة في بيروت ارتبطت بالسينما الفلسطينية، بشكل أو بآخر«. لا شكّ في أن مشروع تأسيس نواة لأرشيف سينمائي فلسطيني محتاج إلى جهود كبيرة. ذلك أن الزبيدي بحث »عن أفلام فلسطينية كثيرة أنتجتها فصائل فلسطينية مختلفة، بدءا من العام 1970، وهي الأفلام الأولى التي أُنتجت حينها، وصولا إلى الوقت الحالي، وما أنتجه الأوروبيون أيضا. حصيلة هذا كلّه كانت سبعين فيلما وضعتُها الآن كوديعة في »الأرشيف الاتحادي الألماني« في برلين تحت يافطة »الأرشيف السينمائي الوطني الفلسطيني«. غالبية هذه الأفلام من أصول سينمائية 16 ملم. هناك أيضا نسخ »فيديو بيتاكم«، صُوّرت أساسا بهذه التقنية. على كل حال، أكانت النسخ 16 ملم أو 35 ملم، فإني نسختها كلّها على أشرطة »بيتكام« و»VHS«، كنواة للأرشيف الموعود«. أضاف الزبيدي أن مشروعه هذا »سيكون في برلين، مؤقتا. أريده أن يكون حافزا في المستقبل لحثّ أي جهة فلسطينية على دعم فكرة بناء مقرّ ثابت لهذا الأرشيف في فلسطين نفسها. في حال تمّ هذا الأمر، يكون مشروعي هدية من ألمانيا، حيث أن قسم »الحفاظ على الثقافة والتراث« في وزارة الخارجية الألمانية قدّم دعما أوليا جيّدا ومهمّا. هذه رغبة عميقة في أن يحفظ الأرشيف ذاكرتنا. شخصيا، أنا مستمر في البحث والعمل في هذا الإطار، سواء حصلت على دعم فلسطيني أم لا. ومهمّتي الأساسية: البحث عن الأفلام نفسها وليس فقط عن الأصول، والسعي إلى شراء حقوقها«. أما بالنسبة إلى »أفلام فُقدت أصولها، يُمكن في المستقبل سحب نسخ أخرى، والاحتفاظ بها في هذا الأرشيف. فالأهم في هذه المسألة كلّها، كامن في الحصول على مادة بصرية قابلة لإعادة النسخ من النسخة السالبة، والمحافظة عليها. المشكلة أن هناك أفلاما كثيرة اختفت ولم يُعثر عليها أبدا«. أضاف الزبيدي: »استعنت بخبرات عدّة في ألمانيا للاستفادة منها بخصوص كيفية تأسيس هذا الأرشيف، وبناء مركز له وفق المواصفات الدولية المعتمدة«. ورأى أن »هذه الأفلام تسجيل لحياة الناس. إنها أيضا تشكيل حقيقي لذاكرة الفلسطيني. كما أنها جزء من التاريخ الاجتماعي والسياسي لفلسطين، وجزء من تاريخها العام«. فيلموغرافيا فلسطينية في الوقت نفسه، أنجز قيس الزبيدي كتابا أمضى سنوات عدّة في التحضير له، سيصدر قريبا عن »مؤسسة الدراسات الفلسطينية« في بيروت: »إنه فيلموغرافيا بعنوان »فلسطين في السينما«، تضمّن نحو سبعمائة عنوان جمعتها من أنحاء مختلفة من العالم، التقت كلّها عند معالجتها الموضوع الفلسطيني. هناك أفلام أكثر، لكن الشرط الوحيد الذي وضعته على نفسي هو أن تكون معالجة المواضيع المتعلّقة بأي جانب من جوانب فلسطين موضوعية، غير صادرة عن أي منحى صهيوني«. أضاف في هذا الإطار: »عدت إلى التاريخ، وبحثت عن الموعد الأول لولادة السينما الفلسطينية. فهل أبحث عن السينما في فلسطين، التي أنجزها فلسطينيون فقط؟ لم تكن هناك نسخ من الأفلام القديمة جدا، بل أسماء أشخاص، مما ساهم في تضارب المعلومات، وفي صعوبة التأكّد من صحتها أو من عدمه. في النهاية، ارتكزت على فكرة الإنتاج السينمائي في فلسطين، بغضّ النظر عمن أنتج«. هذه الفيلموغرافيا عمل مرادف لمشروع الأرشيف، إذ إنها تضع لائحة طويلة من الأفلام المطلوبة أمام مسؤولي الأرشيف للبحث عنها وضمّها إليه: »اللائحة الطويلة الموجودة في الفيلموغرافيا تعين على البحث عن الأفلام المفقودة، والحصول على نسخ منها لحفظها في الأرشيف، وجعلها صالحة للعرض في مناسبات مختلفة: أسابيع سينمائية خاصة، احتفالات ثقافية وفنية معينة، أقسام خاصة بفلسطين في هذا المهرجان أو ذاك. سبق لي أن أشرفت على تظاهرات سينمائية فلسطينية مستقلّة، في دمشق والإسماعيلية، ومؤخرا في روتردام (مهرجان الفيلم العربي)، تحت عنوان: »فلسطين في السينما الأوروبية«. التحضير لهذه التظاهرة كشف لي وجود أفلام أوروبية كثيرة تناولت فلسطين في أعمال متنوّعة الأشكال والأساليب، أنجزها مخرجون في فرنسا والدانمارك وألمانيا وإنكلترا وهولندا وكندا ودول أوروبية أخرى، وهي أفلام غير معروفة في الوطن العربي. لم يكن أحد يعرف أن هناك أفلاما عن فلسطين في كندا، مثلا. فالمعلومات المتوافرة لم تتضمّن أدنى إشارة تُذكر في هذا المجال، لكن الصدفة لعبت دورا في ذلك، حين أدركت في زيارة لي إلى هناك وجود مثل هذه الأفلام، فعملت للحصول عليها، وتوصّلت إلى شراء حقوق سبعة أفلام فقط. هناك أيضا أفلام أنجزها مخرجون إسرائيليون مقيمون في فرنسا، تناولوا فيها فلسطين بشكل موضوعي. هنا الفرق: لا يمكنك أن تتجاهل فيلما تناول فلسطين موضوعيا، حتى ولو أن مخرجه إسرائيلي. فالموضوعية، كما أشرت سابقا، أساس مشروعي، وأساس بناء الأرشيف السينمائي المعني بفلسطين«. على الرغم من الجهود الجماعية التي يُفترض بفريق عمل متكامل أن يقوم بها، إلا أن »الأرشيف السينمائي الفلسطيني« ظلّ مرتبطا بجهد فردي لقيس الزبيدي نفسه، الذي وصفه المصري محسن ويفي ب»عاشق فلسطين«، في كتاب صدر عن »صندوق التنمية الثقافية« التابع لوزارة الثقافة في مصر، بمناسبة الدورة الرابعة ل»مهرجان الإسماعيلية للأفلام التسجيلية والقصيرة« (24/30 تموز 1995). في حين أن الناقد الفلسطيني فيصل درّاج اعتبر أن الزبيدي مزج »في نصّه الفني الأخلاقي الكبير الأزمنة الفلسطينية المختلفة، من دون أن يمنعه ذلك من كتابة التاريخ الفلسطيني«، مشيرا إلى أنه انصرف »إلى تاريخ التراجيديا الفلسطينية سينمائيا، منتهيا إلى نص فني واسع، يسأل ويحاور ويوحي، وإلى وثيقة شاسعة تعرف الماضي وتتوجه إلى المستقبل«، كما جاء في مقالة له منشورة في »كاتالوغ« الدورة الثالثة (حزيران الفائت) ل»مهرجان الفيلم العربي في روتردام«، بمناسبة تكريم الزبيدي، بعرض ثلاثة من أفلامه، هي: »شهادات الأطفال الفلسطينيين في زمن الحرب« (وثائقي، 1972)، »اليازرلي« (روائي طويل، 1974) و»وطن الأسلاك الشائكة« (وثائقي، 1980). إذا، اشتغل قيس الزبيدي لوحده في البحث والأرشفة: »لوحدي، استقصيت وبحثت واتصلت بالمخرجين وبالجهات المنتجة. وبفضل حصولي على إمكانيات مالية متواضعة، استطعت السفر بين عواصم عدّة، والحصول على الأفلام. القائمة كبيرة، والعمل مستمر. المرحلة الأولى أفضت إلى تأسيس هذه النواة المطلوبة، والمخرجون الذين أنجزوا أفلامهم في السبعينيات والثمانينيات تعاونوا معي كثيرا، إذ إنهم قدّموا نسخا من أفلامهم للأرشيف لقاء مبالغ زهيدة للغاية، هي عبارة عن تكاليف الطبع وحقوق التسجيل في الأرشيف، فقط«.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة