As Safir Logo
المصدر:

»أن تكون أوروبياً يعني ألا تكون أميركياً«

المؤلف: الحجيري محمد التاريخ: 2003-07-05 رقم العدد:9538

في كتابه »شرق وغرب: الشرخ الأسطوري« يحاول جورج قرم دحض وجود شرخ بين الشرق والغرب، ويسعى الى فك رموز هذا »الهذيان« وتفكيك مقوماته من خلال نقد أهم مقولات كل من الفكر الغربي والفكر العربي او الاسلامي، اللذين أضحيا أسيري هذه الجدلية العقيمة. ويفند قرم المبررات والتلفيقات التي أدت الى ترسيخ هذا التصور »الموهوم« واستلهمت مفاهيمها من غرب »لاهوتي« وشرق سلفي. ولكن النرجسية الغربية التي ظهرت بقوة بعد أحداث الحادي عشر من أيلول 2001، أصابها الشرخ بسبب الحرب على العراق، فثمة من تحدث عن »أفول الغرب« وشقاقه الى غربين: أميركي يستند الى قوة عسكرية كبيرة تفرض عجرفتها في السياسة الدولية، وأوروبي يشكل قوة اقتصادية لكنه قزم سياسي، تقف في واجهته فرنسا »هي أوروبا« (فكتور هوغو) وألمانيا. والحق أن فرنسا تؤوي أقوى تيار معاد للولايات المتحدة بين الديموقراطيات، وحملة الرئيس الفرنسي جاك شيراك الأخيرة لمنع الحرب على العراق، يمكن رؤيتها في إطار »تقليد عميق الجذور« معاد للولايات المتحدة يعود الى القرن التاسع عشر، إضافة الى أن الكثير من فلاسفة الأنوار الفرنسيين كانوا قد بكروا بمعاداتهم لأميركا، باعتبارها نوعا من أنواع الاستعمار، فهم كانوا يبدون تعاطفا مع سكان أميركا الاصليين، وينتابهم الانزعاج من أميركا حتى قبل أن تتكون كدولة. ويعود ذلك الى أسباب عدة منها ان الفرنسيين في عصرهم الذهبي/ الامبراطوري كانوا ينظرون الى القارة المكتشفة حديثا على انها نذير شؤم. وحين ظهر العداء السياسي بين أميركا وفرنسا الى العلن بعد الحرب على العراق، بدأت تخرج من الأقبية الروايات والمواقف، فذكر الاميركيون فرنسا بقبور جنودهم الذين سقطوا دفاعا عنها في الحرب العالمية الثانية. واستحضر الفرنسيون قصة تمثال الحرية الذي أهدته فرنسا الى نيويورك وبقي سنتين كاملتين حتى يجد من يدفع له ثمن المنصة التي مكنته من أن يقف شامخا في قلب أميركا. نعلم، كما يقول إيمانويل تود، ان المجتمعات الأوروبية ولدت بجهد أجيال من الفلاحين، وكانت لمدة قرون عرضة لأهوال الحروب التي كانت تشنها الطبقات الحاكمة من الدينية الى الاقطاعية، ولم يكتشف الأوروبيون الثروة والسلام الا متأخرين. أما المجتمع الاميركي فهو، على العكس، نتاج حديث لتجربة استعمارية ناجحة جدا، ولكنها لم تخضع لتجربة الزمن. لقد نمت خلال ثلاثة قرون باستيراد سكان متعلمين من »مشاتل« العالم الى أرض بكر غنية بالموارد المعدنية وخصبة جدا. ولم تكن أميركا سوى اكتشاف، حين قام الفرنسي الشاب اليكس دوتوكفيل بزيارتها في العام 1831، وأدرك أنه ازاء تجربة جديدة انفصلت عن مصير أوروبا الأم. فكتب عن ديموقراطيتها ومؤسساتها ولم يخف إعجابه، بعكس سيد قطب الذي ذهب من مصر الى الولايات المتحدة فأصابته الصدمة وعاد ليصف الحياة في الغرب ب»جاهلية القرن العشرين« ويكون أحد وجهاء التنظير للأصولية الاسلاموية المريرة. أعجب توكفيل بالتجربة الاميركية، بحيث ان مايكل هارت وانطونيو نيفري في كتابهما »الامبراطورية« يبينان كيف أنه اي توكفيل في تحليله للديموقراطية في أميركا، ذهب الى الاعتراف باستحالة قدرة النخب الأوروبية على متابعة الاحتفاظ بمواقع التحكم بالحضارة العالمية، وكان هيغل قد توصل الى استنتاج شديد الشبه قائلا: »أميركا هي بلد المستقبل، وأهميتها التاريخية العالمية سوف تتكثف في الآتي من الأيام. انها أرض خصبة بالنسبة الى جميع اولئك الذين ملّوا من الترسانة التاريخية لأوروبا العجوز«. ويلاحظ نيغري هارت ان توكفيل فهم هذا المقتطف فهما أعمق بكثير، فالسبب الكامن وراء أزمة الحضارة الاوروبية، وممارساتها الامبراطورية، يقوم على عجزها عن مواكبة القوى الحيوية للديموقراطية. وهذا الامر ترافق مع تعابير كان يطلقها الفلاسفة من رثاء للواقع الاوروبي المرير. فنيتشه مثلا، بادر الى إطلاق التشخيص النهائي قائلا: »أوروبا مريضة«. ودأب كبار كتاب القرن التاسع عشر الاميركيين، على التغني بالابعاد الملحمية لحرية القارة الجديدة، وقام الفلاسفة الاميركيون، بفتح أبواب الهيغلية (او الدفاع عن أوروبا الامبريالية). وتم استقبال الحلم الاميركي بطرق مختلفة غير أنه فعل فعله في كل مكان من أوروبا القرن العشرين بوصفه مرجعية مركزية، وشكلت الحربان العالميتان فرصة كبيرة لأميركا لكي تبرز وتسيطر على الامبراطورية الاوروبية، وشكل هروب المثقفين الأوروبيين من النازية الى الولايات المتحدة محاولة لإعادة اكتشاف فردوس مفقود. وهذا لا ينفي أن أميركا أرض لا تحتمل الفكر والشعر، وها هو الشاعر »ت. س. اليوت« في بريطانيا متخليا عن جنسيته الاميركية، وها هو عزرا باوند في إيطاليا وهمنغواي في كوبا لكن الامر يختلف في السياسة. فالفيلسوفة الألمانية حنه ارندت التي زارت أميركا أعلنت ان الثورة الاميركية متفوقة على نظرتها الفرنسية لأن الاولى كانت سعيا غير محدود الى الحرية والسياسة، في حين كانت الثانية صراعا محدودا على اللامساواة. وبادرت حنه ارندت الى تمجيد الديموقراطية الاميركية بوصفها ساحة إبداع السياسة الحديثة بالذات. وعدا ذلك جاء التاريخ العسكري لعملية الانقاذ المزدوجة لأوروبا من قبل الجيوش الاميركية في الحربين العالميتين، متناظرا مع بوادر ثقافات جديدة. لقد أحس الفرنسيون بالمرارة عندما وجدوا أنفسهم يتدحرجون فجأة من مستوى الدولة العظمى الى مستوى الدولة المهزومة التي اضطرت الى طلب النجدة من دولة كانت عند خطواتها الاولى ولعل ذلك ما جعل شارل ديغول يقول ان باريس قد حررت نفسها بنفسها من الاحتلال النازي خلال الحرب العالمية الثانية. لقد أصيب الكبرياء الفرنسي بضرر بالغ. ومنذ نهاية الحرب الباردة ظهر تفاوت واضح ما بين بلدان حلف شمالي الاطلسي. فبينما لم تكن الولايات المتحدة تكف عن استثمار ثقتها ب»سياسة القوة« جعلت الدول الاوروبية تميل الى التخلي عن السلطان، والانصراف عنه الى »عالم مغلق من القوانين والقواعد، ومن المفاوضة والتعاون بين الدول والامم«، هو »جنة السلم والرخاء النسبي« (روبرت كاغان)، على مشروع الاتحاد الاوروبي فهو الاستراتيجية التي شاءت الدول الاوروبية ان تقدمها كمساهمة في النظام الدولي الجديد. وهذه التجربة أنتجت مجموعة من المبادئ المتعلقة بفعالية القوة تختلف تماما عن مبدأ القوة الاميركي، ذلك ان الولايات المتحدة تعمل تحت مبدأ أن العالم تحكمه فوضى ولا يقيم اعتبار للقوانين والقواعد الدولية الا إذا حملته القوة العسكرية، على اعتبارها. يلاحظ روبرت كاغان كيف أن إصرار أميركا على اتباع سياسة القوة، ليس محض تعبير عن نزعة عدوانية تسلطية (سلطانية) انفرادية فحسب، فهو وليد التاريخ السياسي الدولي نفسه الذي نتجت الاستراتيجية الاوروبية عنه. لكن »أوروبا الشيراكية« التي أصبحت ضعيفة لا تريد ان تعترف او تتصور ان اميركا غدت اليوم القوة العظمى في العالم. على ان إحدى علامات الشرخ الغربي النرجسية هي: »أن كون المرء أوروبيا يعني ألا يكون أميركيا« (إيمانويل تود).

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة