يؤكد الباحث محمد سالم منصور الذي أعد رسالة دكتوراه في جامعة السوربون عن موضوع: »الأندية فكرة سياسية إطارها رياضي وعنوانها وطني«: أن سر التفاف الجماهير العربية حول الأهلي هو نشأته الوطنية، وأن الزمالك خسر بسبب نشأته الأجنبية في السنوات الأولى من عمره، وعوضها بدءا من مرحلة الستينيات! وهناك توزيع شبه معروف لجماهيرية الأهلي والزمالك في الدول العربية، فالسعودية والكويت وقطر والسودان والأردن والمغرب والإمارات يشجعون الزمالك، وفى سوريا وتونس ولبنان والبحرين والعراق والجزائر وليبيا يشجعون الأهلي. ومن أهم أسباب شعبية الناديين في الدول العربية ريادتهما، فلم تعرف الكثير من دول المنطقة لا سيما الخليج كرة القدم على المستوى التنافسي بينما كانت المنافسة على أشدها بين الأهلي والزمالك في الستينيات فجذبت أنظار الملايين من المشرق والمغرب العربيين! والعالم أيضا فيه ظاهرة القطبية أو ظاهرة الخصومة والندية والمنافسة، مثل برشلونة وريال مدريد في إسبانيا، ومانشيستر يونايتد ومانشستر سيتى، ويوفنتوس وميلان في ايطاليا واياكس وايندهوفن بهولندا، وباناثيناكوس واوليمبياكوس باليونان، ومرسيليا وموناكو بفرنسا، وسلتيك ورينجرز باسكتلندا، وساو باولو وسانتوس بالبرازيل، وريفر بلايت وبوكا جونيورز بالأرجنتين، وبايرن ميونيخ وهامبورغ في ألمانيا. ولكن قاعدة المنافسة في معظم دول العالم متسعة، إذ تظهر بين الحين والحين الفرق الشابة الجديدة التي تنافس الفرق الكبيرة على البطولات، وليس كما هو الحال في مصر، السباق دائما بين الأهلي والزمالك، من كرة القدم إلى تنس الطاولة، باستثناء فترات نادرة ولعبات محدودة ظهر فيها الأوليمبي أو الإسماعيلي والترسانة، ويكفي أن الأهلي فاز بالدوري 29 مرة والزمالك 10 مرات مقابل ثلاث مرات للإسماعيلي ومرة واحدة لكل من الأوليمبي وغزل المحلة والترسانة والمقاولون! والواقع أن حدة التعصب للأهلي والزمالك زادت بصورة واضحة بعد قيام ثورة يوليو، حيث بدأت الجماهير تتحزب إلى الناديين بعد إلغاء الأحزاب وظهور فراغ سياسي، وكانت الأحزاب قبل الثورة لها وجودها المؤثر في الشارع خاصة أن قضية الاحتلال والاستقلال كانت مطروحة، وكانت مقاومة الإنكليز، قضية الحركة الوطنية المصرية الأولى منذ مطلع القرن العشرين. وإذا كانت كرة القدم درسا في العمل والأمل والحياة والحرية، فإنها أيضا درس في تجسيد الانتماء. والمبالغة في الانتماء هو التعصب، وقد كتب ذات مرة الصحافي الكبير صلاح حافظ عن الأهلي والزمالك وقال: جماهير الكرة في مصر وفي خارج مصر تميل دائما إلى اقتصار المنافسة بين قطبين، وتكره أن تكون بين أقطاب متعددة، وليست هذه حقيقة مصرية وإنما عالمية في جميع صورها لا يبلغ قمة الإثارة إلا عندما يكون بين طرفين. واسألوا الذين ينظمون مباريات الملاكمة أو المصارعة أو التنس ويرتزقون منها، فهم سيقولون صراحة إن سحر هذه المباريات وسر جاذبيتها يكمنان في أنها تجري بين طرفين لا بين أطراف متعددة، ولو راقبنا الدعاية التي تسبق أي مباراة ملاكمة كبرى لوجدناها تنصب على تأكيد قوة كل من الطرفين، وعلى نشر ما يقوله كل منهما على الآخر، وعلى تأكيد كل طرف أنه هو الذي سيفوز! ويضيف صلاح حافظ: وهذا في اعتقادي السبب في إصرار الشعب المصري على ألا يكون له في عالم الكرة غير قطبين: (أهلى وزمالك). يبزغ نجم جديد، كالاسماعيلي ويسرق الكاميرا منهما ويظهر المقاولون مرة كأنه غول. ويزحف المحلة كأنه حرير، ويتدهور الأهلي أحيانا ويكاد يستجدي تسجيل هدف، ويتدهور الزمالك أحيانا حتى يكاد يستحق (معاش السادات). لكن الجماهير ترفض أن تعترف بغيرهما، لا حبا فيهما، ولكن حبا في متعتها وإصرارها على أن تتفرج على الصراع بين قطبين لا ثالث لهما حتى لا تحرم نفسها من الاستمتاع بدراما ساخنة. ودراما الأهلي والزمالك إذاً من صنع الجمهور، لا من صنع الناديين. والأهمية الخارقة التي تتمتع بها مباريات الفريقين ليس لها سبب رياضي مقنع، وإنما هى شيء صنعه الجمهور ليمتِّع نفسه. وصاحبها ليس اللاعبين، وإنما المتفرجون. وهؤلاء المتفرجون لا يلعبون أصلاً، ولكنهم يدفعون لكي يلعب الأهلي والزمالك وهم جالسون، ولكي يتهيأ لهم مناسبة ساخنة يلهثون فيها من دون أن يتحركوا، وفرصة يعاير فيها بعضهم البعض بانتصار لم يشاركوا فيه، ومناسبة يعيشون بعدها أسابيع وربما شهورا يتجادلون فيها حول أهداف لم يسجلوها، وأخطاء حسبها الحكام ظلما ضدهم وهم في المقاعد. الصراع بين الناديين يختصر تاريخا طويلاً من الحكايات الرياضية والاجتماعية والسياسية، فليست مباراة الأهلي والزمالك مجرد معركة بين 22 لاعبا يركلون بالونة منفوخة، ولا يمكن التعامل مع كرة القدم على أنها مجرد لعبة رياضية، لأن تاريخ الأندية في العالم يرتبط بصورة ما بصراعات سياسية واجتماعية ودينية أيضا. فعلى سبيل المثال عندما منح الملك ألفونسو الثالث في عام 1920 لقبا ملكيا إلى ريال مدريد فُسر ذلك في مقاطعة كاتالونيا على أنه تحيز إلى ريال مدريد كما استمر ذلك في أيام حكم الجنرال فرانكو الذي استغل الشعبية العريضة للنادي في الدعاية لحكمه. وكانت مقاطعة برشلونة خلال الحرب الأهلية الإسبانية في الفترة من 1936 إلى 1939 معارضة لحكم فرانكو واستخدم سكان برشلونة اللغة الكاتالونية خلال مباريات الفريق في نوكامب للتعبير عن هذه المعارضة! وأحيانا أخرى تكون الخصومة بين فريقين في شعب واحد لأسباب دينية، ففي عام 1948 في إيرلندا الشمالية في مباراة بين فريق بلفاست سيلتيك ذي الأغلبية الكاثوليكية وفريق لينفيلد الذي تشجعه أغلبية بروتستانتية، وقع شغب ديني وسقط الجرحى، ونفس الأمر في اسكتلندا بين سيلتيك الكاثوليكي ورينجرز البروتستانتي، وقد تكون المنافسة والخصومة بين فريقين في مدينة واحدة مثل ميلان في إيطاليا أو مانشستر في إنكلترا، فهناك منافسة بين فريقي المدينة الواحدة مانشستر، وهذه المنافسة ليست بسبب السياسة أو الدين أو صراع الغنى والفقر أو السلطة كما هو الحال في العديد من المنافسات بين أندية أخرى، ولكنها منافسة الجذور الاجتماعية أو طبقة عمال السكة الحديد التي يمثلها مانشستر يونايتد وطبقة الموظفين التي يمثلها مانشستر سيتى ! تأسيس الناديين... بين الأهلي والزمالك! وقد كانت قصة تأسيس الأهلي والزمالك من أسباب الخصومة الرئيسية بين الناديين وجماهيرهما في مصر والوطن العربي. ففي مطلع القرن العشرين كانت مصر تعاني من الاحتلال البريطاني وكانت تحت حكم الخديوي عباس حلمى الثاني الابن البكر للخديوي توفيق، وكان عدد سكان مصر 11 مليونا، وعدد سكان القاهرة أقل من 700 ألف، وكان مصطفى كامل يقود الحركة الوطنية المصرية. وبرغم أن القاهرة كانت عاصمة النور في الشرق، فلم تكن مصر تعرف السينما في مطلع هذا القرن، ولا تعرف الإذاعة، ولا تعرف الطائرة، ولا تعرف التلغراف، ولكنها عرفت الأندية الرياضية. ففي عام 1903 تأسس نادي هوكي بولاق (السكة الحديد)، ونادي النجمة الحمراء الذي أصبح نادي الموظفين ثم الأوليمبي السكندري وتأسس عام 1905، وعدة أندية أخرى انتشرت في العاصمة وفي مدن القناة، وكانت كل هذه الأندية للجاليات الأجنبية ولموظفي بعض الهيئات، وكبار رجال الدولة. وتأسس النادي الأهلي في أبريل عام 1907، تحت اسم (النادي الأهلي للألعاب الرياضية) وكانت عضويته موجهة أصلاً لطلبة المدارس العليا وهم وقود الحركة الوطنية التي كان يقودها مصطفى كامل في مطلع القرن العشرين. والواقع أن الكثيرين اختلط عليهم الأمر بشأن الاسم الذي تأسس به الأهلي، فقيل إنه (منتدى طلبة المدارس العليا)، وسبب هذا الخلط أن الهدف من تأسيس الأهلي في مطلع القرن كان جعله المنتدى الذي يلتقي فيه طلبة المدارس العليا، حسب ما جاء في رواية عبد الخالق ثروت باشا رئيس الأهلي في جمعيته العمومية التي عقدت يوم 6 فبراير عام 1919 وقد تغير اسم الأهلي في ما بعد، وتحديدا في عام 1908 واختير اسم: (النادي الأهلي للرياضة البدنية) لأن الرياضة البدنية أعم وأشمل من عبارة الألعاب الرياضة. وكان ذلك باقتراح من أمين سامي باشا عضو مجلس ادارة الأهلي في ذلك الوقت. وما زال الأهلي يحتفظ بهذا الاسم. وكان عمر لطفي بك هو صاحب فكرة إنشاء النادي الأهلي، وكان محاميا وصديقا للزعيم مصطفى كامل، ورئيسا لنادي طلبة المدارس العليا الذي تأسس عام 1905. وبعد 4 سنوات، عام 1911، تأسس نادي الزمالك، تحت اسم (نادي قصر النيل) وتغير اسمه ثلاث مرات، ففي البداية حين أسسه المستشار القضائي البلجيكي مرزباخ، الذي كان رئيسا لإحدى المحاكم المختلطة كان الاسم هو نادي قصر النيل، بسبب موقعه، فقد اختارت مجموعة المؤسسين وهم من البلجيك والألمان ضفة نهر النيل في مواجهة نادي الجزيرة، وكان بجوار مقر النادي واحد من أكبر معسكرات الاحتلال البريطاني في الشرق الأوسط وأفريقيا واسمه (ثكنات قصر النيل) ومكانه الآن فندق هيلتون النيل وجامعة الدول العربية. وقد اختار مرزباخ الاسم الأول نادي قصر النيل، بسبب وجوده بجوار ثكنات الإنكليز، ولأن المساحة كانت محدودة وضيقة ومرزباخ يسعى لتطوير النادي، فقد قرر نقل النادي إلى مكان آخر، وحصل باتصالاته وعلاقاته على مساحة كبيرة من الأراضي تشغلها الآن مباني دار القضاء العالي المطلة على شارع رمسيس و26 يوليو، ومعها مبنيا نقابتي المحامين والصحافيين. وانتقل النادي إلى المكان الجديد وتغير اسمه إلى نادي (المختلط) نسبة إلى اسم المحاكم المختلطة وكانت هذه المحاكم نوعا من القضاء الخاص أنشأه الانكليز في مصر للنظر والفصل في المنازعات القضائية المدنية والجنائية بين الاجانب المقيمين في مصر، وبعضهم البعض من ناحية، وبين هؤلاء الأجانب والمصريين من ناحية أخرى. وأصبح الاسم (المختلط) في عام 1913، ثم تحول إلى فاروق عام 1944، ولم يكن السبب في تغير هذا الاسم (مكان جديد) طبعا، إنما مباراة تألق فيها الزمالك وهزم الأهلي 6 صفر وجرت بملعب اتحاد القوات المسلحة بالقبة وكان يحضرها الملك فاروق، ومن فرط إعجاب الملك بأداء الزمالك فقد قرر أن يسميه نادي فاروق، هذا علما بأن ملعب النادي الأهلي بالجزيرة في ذلك الوقت كان يسمى ملعب فاروق أيضا! مشوار حجازي تأسس أول فريق لكرة القدم في النادي الأهلي عام 1909، وتأسس أول فريق لكرة القدم في نادي الزمالك عام 1913، ولكن أول لقاء بين الفريقين كان وديا، وذلك يوم 9 فبراير عام 1917 وفاز الأهلي 1 صفر. وفي 2 مارس من نفس العام لعب الفريقان مباراة على أرض الأهلي بالجزيرة وفاز الزمالك 1 صفر ومنذ ذلك الوقت التقى الفريقان عشرات المرات في الدوري وفي الكأس، وحتى في بطولة كأس السوبر الأفريقية، وفي حب مصر أيضا. كانت المباريات الساخنة بين الفريقين من أسباب ترسيخ القطبية التي بدأت في الواقع عام 1914، ففي ذلك العام عاد حسين حجازي إلى مصر بعد أن لعب لنادي فولهام الإنكليزي الذي يملكه الآن رجل الأعمال المصري الشهير المقيم في إنكلترا محمد الفايد، وقد لعب حجازي كمحترف هناك ومثل منتخب جامعة كمبردج حيث كان يدرس في بطولة الجامعات الدولية. وكان حجازي قد اشتهر كلاعب وهو طالب في المدرسة السعيدية قبل السفر إلى إنكلترا. المهم عاد حجازي إلى مصر عام 1914 ولم يشأ أن ينضم إلى أي ناد، وانما شكل فريقا خاصا به عام 1915 أطلق عليه اسم »حجازي إلفن« أي (حجازي 11) وأخذ يتحدى به الفرق الإنكليزية، وحدث أن تكونت فرقة من بعض جنود الاحتلال الذين كانوا يلعبون في أندية انكلترا قبل تجنيدهم، وأشرف عليهم رجل انكليزي يدعى ستانلي، وسمى الفريق باسم (ستانلي تيم) وتحدى بفرقته فرقة حسين حجازي على رهان قدره عشرة جنيهات، وفاز فريق حجازي، فجن جنون ستانلي وصمم على إقامة مباراة ثأرية ارتفع فيها الرهان إلى 180 جنيها، وكان هذا المبلغ يعتبر ثروة في ذلك الوقت، وبعد مباراة عنيفة حامية الوطيس كما يقال وفاز فريق حجازي، وكان هذا الفريق يضم كلا من حسين منصور لحراسة المرمى والظهيرين محمد حسنين زوبة ويوسف وهبة وخط الدفاع عبد الحميد محرم ومحمد جبر وسعيد المهندس ودكتور محمد أباظة وحسن علوبة وعبد الفتاح طاهر ويوسف محمد... وكان حسين حجازي يلعب بفريقه في الشوارع والميادين والأندية، ومنها النادي الأهلي ونادي السكة الحديد، ولعب بفرقته في الإسكندرية وطنطا، والمنصورة وأسيوط، والمنيا. ومع تألق حسين بك حجازي سعى النادي الأهلي إلى ضمه لصفوفه، وانضم حجازي بالفعل للأهلي عام 1917 ولحقت به مجموعة من فرقته، بينما انضم الباقون إلى المختلط أو الزمالك، وهذا الانقسام في فرقة حجازي، بين فريقي الأهلي والزمالك أضفى على الفريقين عناصر قوة وتميز وصنع الندية بينهما، وقد مكث حجازي في الأهلي لمدة عامين، ثم انتقل إلى الزمالك في عام 1919 فأصبح الزمالك أقوى الفرق المصرية، وزادت جذوة المنافسة والخصومة. وفي عام 1922 أقيمت بطولة كأس الملك فاروق وفاز المختلط (الزمالك) بالكأس، وفي عام 1924 بعد انتقال المختلط إلى مقره الثالث الجديد قرر حجازي أن يترك الفريق لأن المقر الجديد لا يوجد به مكان للعب البريدج والبلياردو، وانتقل حسين حجازي إلى الأهلي، وعلى مدى 4 سنوات متتالية هبط مستوى فريق كرة القدم في الزمالك لغياب حجازي، وارتفع مستوى فريق الأهلي لوجود حجازي! وكان حسين حجازي عندما ينتقل من الزمالك إلى الأهلي أو من الأهلي إلى الزمالك يقول محرر صفحة الرياضة في جريدة »الأهرام«: »دارت دورة الفلك«. وقد كان الانتقال من أسباب غرس جذوة المنافسة ونبتة الغرماء بين الأهلي والزمالك، فكلاهما كان قد بدأ يكون الشعبية والجماهيرية، وكان انتقال حجازي بين الناديين سببا مباشرا في غرس مشاعر الغضب والضيق لدى الجمهور الذي كان يحبه ويشجعه. وفي عام 1928 عاد حسين حجازي إلى الزمالك غاضبا من الأهلي الذي أوقفه بسبب واقعة عدم تسلم لاعبي الفريق لميداليات المركز الثاني من الفريق صادق باشا يحيى كبير الياوران ومندوب الملك بعد هزيمة الأهلي في نهائي الكأس أمام الترسانة. وعاد حجازي ليجدد شباب الزمالك (المختلط)، حيث كوَّن فريقا جديدا باسم المختلط الجديد، أسوة بفريق الأهلي الأبيض، وكان دوري منطقة القاهرة يتكون من خمسة أندية تتنافس في ما بينها على البطولة، وهي الأهلي والمختلط والسكة الحديد ونادي البوليس والنادي اليوناني. والواقع أن حسين حجازي ساهم في صناعة شعبية وجماهيرية الأهلي والزمالك، وكان انتقاله من هذا النادي إلى ذاك وراء روح التنافس والتحدي التي ظهرت بينهما، فمع انتقال حسين حجازي من الأهلي إلى الزمالك انتقلت معه جماهير كبيرة، وبقي عدد كبير آخر من الجماهير متمسكا بالالتفاف حول الأهلي، ومع انتقال حجازي من الزمالك إلى الأهلي، يحدث نفس الأمر، تذهب خلفه جماهير وتبقى جماهير ملتفة حول الزمالك، وكان الانتقال في حد ذاته يصيب الجمهور الباقي على حب فريقه الأصلي سواء الأهلي أو الزمالك، بالغضب من الفريق الآخر الذي انتقل إليه نجم الكرة المصرية الأول، وكان حب الجماهير والتفافهم حول حسين بك حجازي يرجعان إلى أن فريق »حجازي إلفن« أرضى الغرائز الفطرية الكارهة للاستعمار بكثرة ما كان يحققه من انتصارات على الفرق الانكليزية، وكان الكثيرون يتبعونه، فإذا لعب حجازي للأهلي فهم يشجعون الأهلي، وإذا لعب للزمالك فهم يشجعون الزمالك! هكذا وضع حسين حجازي بذرة التنافس والخصومة التقليدية بين الأهلي والزمالك، لكن هذا التنافس وهذه الخصومة أخذا ينموان تدريجيا، ولوقائع متشابهة خاصة بانتقالات اللاعبين بين الناديين أو بسبب أزمات أو مباريات عاصفة! فى عام 1936 كان عبد الكريم صقر طالبا في مدرسة فؤاد الأول الثانوية وتألق في دوري المدارس، وكان ابن عمه ممدوح مختار مديرا للكرة بالأهلي، فأقنعه بالانضمام للنادي ولم يكن عمره قد تجاوز 16 عاماً. وبعد 4 سنوات انتقل ممدوح مختار إلى المختلط مديرا للكرة، ولحق به عبد الكريم صقر، وأيامها كان حيدر باشا هو رئيس المختلط ورئيس اتحاد الكرة، وعندما نشبت أزمة بين الأهلي والمختلط بسبب عبد الكريم صقر الذي تمسك به الأهلي، قرر حيدر باشا أن يترك الأمر لعبد الكريم صقر ليختار النادي الذي يلعب له فاختار الزمالك. وزادت الخصومة بين الناديين وبين جماهير الناديين بسبب انتقال عبد الكريم صقر من الأهلي للزمالك، وتكررت القصة لكن بأسماء أخرى. فقد جذب عبد الكريم صقر صديقه محمد الجندي لاعب الأهلي إلى الزمالك، وفي عام 1951 انتقل يكن حسين وزكي عثمان من الأهلي إلى الزمالك، وكان موسم الاستقالات يسمح بانتقال اللاعب من ناد إلى آخر عقب نهاية كل موسم، غير أن اتحاد الكرة قرر في عام 1957 تطبيق لائحة جديدة، وبتطبيقها أصبح محرما على اللاعب الانتقال من ناد إلى آخر إلا بموافقة ناديه الأصلي وحصوله على استغناء منه. وحدد الاتحاد نفس العام ليشهد آخر موسم انتقالات في تاريخ الكرة المصرية، قبل تطبيق الاحتراف في مطلع التسعينيات، وشهد عام 1957 حركة انتقالات واسعة بين لاعبي الأندية، وفشلت محاولات الزمالك في ضم عادل هيكل حارس مرمى الأهلي، ونجح الأهلي في خطف ميمي الشربينى وطه إسماعيل قبل أن يقعا في شباك الزمالك، وقام عبده البقال كشاف النادي الأهلي بإخفاء الشربيني وطه إسماعيل في رأس البر لمدة أسبوعين بعيدا عن أعين الزمالك حتى تم لهما التوقيع للأهلي. نجوم القاهرة وبطبيعة الحال لم تولد المنافسة التقليدية بين الأهلي والزمالك من بطن الانتقالات فقط، ولكنها زادت بسبب الندية بين الفريقين، وصراعهما المستمر على البطولات، وبسبب الأزمات، ومنها أزمة أحسب أنها أضافت الكثير من أسباب الخصومة بين فرعي الأسرة الكروية الكريمة! كان ذلك عام 1943 عندما طلب ليفون كاشيشيان المحرر الرياضي في إحدى الصحف الفلسطينية، سفر النادي الأهلي للعب 3 مباريات ودية خلال الصيف، فأجرى الأهلي اتصالا باتحاد الكرة للحصول على الموافقة، فرفض الاتحاد، وتدخل فؤاد سراج الدين باشا، وكان عضوا بالأهلى ووزيرا للداخلية ووافق على سفر الفريق إلى فلسطين، وأرسل الموافقة إلى وزارة الشؤون الاجتماعية التي تشرف على الاندية، إلا أن رئيس اتحاد الكرة حيدر باشا ووزير الحربية حصل على هذه الموافقة ومزقها. ويبدو أن في الأمر خلافا بين حيدر باشا وفؤاد باشا، الذي علم بما جرى، فأمر بسفر الفريق واستخرج جوازات سفر للاعبيه، وأن يتشكل الفريق تحت مسمى »منتخب نجوم القاهرة« وليس فريق الأهلي. وبالفعل سافر فريق الأهلي إلى فلسطين تحت اسم »نجوم القاهرة« فقرر اتحاد كرة القدم برئاسة حيدر باشا شطب 14 لاعبا، وتوقف نشاط اللعبة في الأهلي لمدة شهر، وعندما جاء موعد كأس الملك تدخل أحمد باشا حسنين لكي يعفو الاتحاد عن اللاعبين بشرط الاعتذار للملك رسميا. وفى يوم 29 سبتمبر 1943 اجتمع مجلس إدارة النادي الأهلي في منزل جعفر ولي باشا رئيس النادي بمطرية الزيتون، وجرت مناقشة موضوع الإيقاف والشطب، وتناول الحضور مسألة سلطة الاتحاد على الأفراد وحقه في منعهم من اللعب خارج القطر، وانتهى الاجتماع باقتراح من فكري أباظة برفع مذكرة إلى اتحاد كرة القدم بملاحظات المجلس، التي تتلخص في أن العقوبة وهي الشطب، أبدية، وأن السبب لم يذكر في إنذار الشطب، وأن اللاعبين لم يحقق معهم، فإذا رأى الاتحاد ألا يؤخذ بوجهة نظر المجلس فإن النادي الأهلي مع الأسف الشديد لا يستطيع عمليا أن يدبر بحال إزاء شطب 14 من أبرز لاعبيه فريقا لائقا لمباريات الموسم. وانتهت هذه الأزمة بعد أن وصلت للذروة بتهديد الأهلي بالانسحاب من اتحاد الكرة، وتدخل فيها القصر وأمر الملك فاروق وزير حربيته حيدر باشا بإنهاء المشكلة، ولعب الأهلي والزمالك نهائي كأس الملك وفاز الزمالك 6 صفر وهي المباراة التي أُعجب بنتيجتها الملك وبعدها تحول اسم الزمالك إلى فاروق! (*) تنشر بالترافق مع مجلة »الكتب وجهات نظر« القاهرية