As Safir Logo
المصدر:

»تسعة وتسعون حجاباً« ل أمل الجبوري: تأملات وكوابيس امرأة محجوبة

المؤلف: شمس الدين محمد علي التاريخ: 2003-07-04 رقم العدد:9537

الحجب التسعون والتسعة، لأمل جبوري، الشاعرة العراقية المقيمة، ربما قهرا وليس اختيارا في برلين، والصادرة لها عن دار الساقي في بيروت 2003، مفتوحة على ما يتجاوز العدد من تأملات وكوابيس امرأة وحيدة، غريبة، على صورة يوميات لا تخلو من الالتماعة، والفكرة، خاصة الفكرة، وربما وقعت على المألوف والاعتيادي من الكلمات والأفكار، مما لا يصلح ليكون نصا إبداعيا، أو قصيدة نثر، لكنها في مواقع ونصوص أخرى، استطاعت أمل أن تصعّد في الشحنة التعبيرية، فتلامس ذروة شعرية أكيدة وموحية. ففي حجاب الصحراء، مثالا، تكتب: »الصحراء ليست أرملة البعد ولا أرملة الخطيئة الصحراء تهمس للريح الآن أنا أرملة اللا أحد لأنني أرملة الواحد«. وفي حجاب الأرملة أيضا، وهو عن الصحراء، تتوالى صيغ النفي في النص تواليا هندسيا، فالصحراء ليست أرملة المعنى وليست أرملة العراء ولا هي أرملة الماء أو الزرع أو المعنى ولا أرملة الأمل أو الهواء أو اللغة.. ما هي إذن؟ هي أرملة اللا أحد.. وتعني الواحد. لعبة ذهنية تأملية سكبتها أمل جبوري في لغة هندسية ذات تصميم وسمْت وصيغة، أصل وهدف.. وبذلك تكون قد خططت وفكرت وقليلا ما هي انفعلت بالكتابة، على غير عادتها في ما نعرف من نصوصها السابقة، خاصة تلك التي انطوى عليها ديوانها السابق »لك هذا الجسد لا خوف عليّ« الصادر لها العام 1999 عن دار الساقي نفسها، حيث تلك الشحنات العاطفية، الطقسية والكربلائية، وكان ذاك الحزن القاطع كشفرة يحز أوردة الكلمات، وتنفر من النصوص دماء الأنثى القرمزية... الدماء المقطرة في الجسد الشفاف، الجسد المأسور في حجابه، والروح القلقة والمتوثبة كفرس في زنزانة. هنا، في حجبها، تتأمل أمل جبوري وتفكر أكثر مما تدفع بأحاسيسها ونزواتها وانفعالاتها في مسيل الكلام. وكأن هذا الكتاب، هذا السيل من التسميات والحجب، مفتوح على مصراعيه ويتدفق: حجاب.. حجاب.. حجاب.. الى ما لا نهاية.. كالدوران.. وليس غريبا أو مستهجنا أن يكون، في حومة هذا الدوران، أو اللهاث وراء الحجب، أن يكون للحجاب حجاب، منفتح مع أمل جبوري، في الالتباس الأساس: أيها الحجاب ما تكون؟ ونسأل أنفسنا أيضا، مع النصوص المغمضة، هل الحجاب ليحجب.. ليستر، ليخفي.. أم ليُبين؟.. هل الحجاب كثيف أم شفاف؟ هل هو للحض والتحريض وبالتالي هو خدعة المتحجبة، أم هو للمنع وإسقاط الليل على صورة النهار الواضحة فتطمسها وتعميها؟ لا شك في اننا أمام فاتحات حوار من خلال النصوص. فمن خلال الحجب تعقد الشاعرة حوارات مع كل شيء، ومع ذاتها أيضا، ومع المجهول. وقد تغيّرت هذه المرأة كثيرا مع الزمن والتشرّد. ربما صارت سيدة الخسارات، وربما عقدت مع الحزن بل اليأس آصرة صداقة وكينونة. فالعراقية الجميلة، التي نفرت من بغداد أو شرّدت منها، من بغداد الحارة، الروح، التراث والأهل، حط رحالها في بلد الصقيع، برلين. وما العمل؟ الأيام تقرض الجسد والنفس كأرضة، ولا تنطوي الأنثى إلا على حجبها. سيكون من اللافت الانتباه هنا لضرورة الكتابة، وليكن الشعر أو التأملات أو المذكرات، في حال امرأة كأمل جبوري. سيكون لازما ان تندلع في برودة الصقيع البرليني جذوة الشعر المشرقية.. جذوة العذاب والصوفية أيضا.. وليس غريبا ان تنحاز الشاعرة، هناك، الى غوته (الالماني المشرقي) والى آنا ماريا شيمل (الالمانية المتصوفة مشرقيا)، وتظهر بصمات هذين الرائيين على جلدها وأحجبتها أو أقنعتها... ففي حجب عشتار غوته، تقول: »الماضي الذي يسحبني الى عينيك حجاب ما الذي سترى فيَّ وأنا مدينة محاصرة؟ بلد مهدّم وشعب ينوح على الأيام؟ هناك، التهمتني عضواً عضواً وجئت بي كمثل سبيّة بابلية لأنام في متحفك العتيق؟ بوّابة يعبرها الزائرون دون ان يلمحوا في كل حجر حكاية ألف طاغية وطاغية ألف عاشق وعاشق بانتظار عشتار من وراء حجاب«. ان النُصب العراقي البابلي القديم، المسمى »بوابة عشتار«، نقل من مكانه في العراق، خلال عمليات السلب والنهب الغربية وخلال الحربين العالميتين، ليوضع في مدخل متحف برلين المسمى »المتحف العتيق«. ليس في هذه الأيام (أيام الحرب الأخيرة على العراق)، وحدها، يُسبى التراث العراقي، سبيا مشينا، بل ثمة ما يشبه سبيا بابليا متواصلا للروح العراقية والجسد العراقي، لا ينفك يتتالى منذ سقوط بغداد على يد المغول، حتى اليوم. أمل جبوري التقطت هذه المفارقة، وتجسّدت فيها incaruation لقد أسقطت عشتار في جسدها، هي، ونقلت جسدها (كما لو كان ذلك بفعل السبي) من بغداد الى برلين، ثم نصبت نفسها على باب المدينة، أسيرة حيّة من لحم ودم وعصب، كما نصب تمثال عشتار على باب المتحف العتيق في برلين. والبصمات الالمانية على كتابة أمل جبوري لا تقف عند هذا الحد، بل تتغلغل في إهابها الأنثوي من جهة، وفي دواخلها الثقافية من جهة أخرى.. »أيها الآثاري الباحث عن سر الشرق في سواد العيون/ حينما رميت بحجبي الممتدة من كف الرافدين حتى حضن بافاريا/ خجلت الشمس وسالت في الغياب. ليبقى القمر حاجبي في ليل النهار... .../ يصون جسدي من برابرة قادمين«. هي تخاطب نيتشه، مثلاً، صاحب كتاب »هكذا تكلم زرادشت«، من حيث أن زرادشت أحد أقنعة نيتشه، وكلاهما حجاب أو قناع للشاعرة، تناديه: »الأعالي الأعالي الكبير الكبير الخالد الأوحد..« وتدير مع كل من الحكيم والفيلسوف حواراً فيه من التعقل والحكمة أكثر مما فيه من قلق الشعر وغصة الحقيقة. تقول مخاطبة نيتشه: »القوة هرم جلست فوقه الشعارات والخيال المريض ... ... أما أنت فقد وصلت إلينا متجسداً في هرم وغاب صاحبك ليبقى كختم فوقه لابساً وجه »زرادشت«. ولا يغيب الشاعر الخائن باول سيلان عنها... كان سيلان يهودياً خائفاً في ألمانيا، أشبه ما يكون بحشرة كافكا... وتمسك أمل جبوري بتلابيب هذا الخوف في ما تسميه »حجاب باول سيلان«، عاقدة أواصر من الخوف بين بلادها هي (العراق) وبلاده هو. تقول: »الخوف سيد في بلادي/ فيما كان الموت سيداً من بلادك«... ... أحببت الأعداء... زرعت في موتك بذور تاريخك المر/ .. مسرعة تأخذني الآن إليك«. في الحجب، على العموم، كابوسية، وحزن بل سوداوية، ومن البداية، في السطر الأول من القصيدة الأولى من حجب الأسماء، تكتب الشاعرة »الديوان مقبرة... والقصائد قبور... ولا أجد غير المجهول في وجوه تلك الحجب«. وفي النصوص، تباعا، أقنعة: أقنعة للأسماء وللمعاني وللرموز وللحقائق. وهي أحيانا، تعمل على الأساطير والحكايات الدينية أو الشعبية، فتستعيد قصة قتل قايين لأخيه هابيل، وحواء الواحدة تغدو في »حجاب حواء« متعددة »لحواء لسانان وأربع شفاه«. ولدى جبوري أحيانا جرأة على المقدس تقول: »ألهذا شعر الرب بذنبه حيال هابيل؟ ... فأي جنون استحوذ على الرب ليجعل من خطيئتك فرجك؟ وتقول في حجاب آدم: »حينما انسحب الله من جسر مريم/ ترك ندوبه ألغاماً ووروداً... ونلمس الجرأة عينها في نص »حجاب عائشة«، ولا يفوتها انتهاكات لا أحسب أن الأنثى المشرقية ترتكبها في المشرق، فالغرب يمنحها إطار الحرية لتكتب »الحجاب خطيئتي التي تحج إلى كعبة الجسد« »ولتتخيل ثلاثة في سرير واحد« ولتقول في حجاب الغيوم إن »الأرض غير عادلة وكذلك السماء«... هذا وسواه، وليست اللغة دائما بطيّعة في كف أمل جبوري. هي، سلبا، تستسلم في بعض المواقع لإنشائيات عادية لا تستحق ملكوت الشعر أو الإبداع، كقولها في »حجاب الحجارة«: كلماتها أطفال تحاول استعادة قلوب معلقة في الجدار..« أو كقولها في نثرية لافتة، حتى ولو رتبتها بصورة الشعر: »أيها العالم جنوبك في الاماكن كلها ساخن، ضيق، عاشق، ثائر، متطرف..« وهلمجرا. إلا انها في أماكن اخرى، ربما لعبت لعبة اللغة في الكلمات والحروف والجناس والطباق والتداعي، تقول مثلا في حجب حضرموت: »يحضر ليرفع الموت عن حضور الموت في حضرموت« وربما دخلت في لعبة الدور، كما في »حجاب الغائب«: »ارقد في غيابك ايها الغائب فظهورك يبطل نظرية الغياب«. وربما في الكابوسية: »الصدق حبة انثراكس نبوح بها مرسلة في بريد الكذب«. لكنني، لو كان لي ان أختار من مجموعة حجب أمل جبوري التسعة والتسعين، الكلمات الجوهرية فيها، والعبارات التي تفكر او تتأمل او تتوتر، لاخترت العبارات التالية، من اجساد النصوص: »قبري في كلماتي« من »حجاب الكلمات »في الطائرة تتسارع الافكار مثل نبض رجل أتم للتو شهوته أو امرأة خبأت للتو رجلا في خزانة رجل آخر« (من حجاب الطائرة). »أجدني في سرة المعنى على أريكة الكلمات« (من حجب اللغات). »الفرح لذة غير شرعية معلبة في ثلج اسود« (من حجاب الكآبة) »السواد حقيقة« (من حجاب السواد). »الوفاء توأم الخيانة« (من حجاب الخيانة) »الساعات قرى تطير« (من حجب اللغات) »الصحراء ارملة اللا احد« (من حجاب الارملة) »فراغ صغير فيه خراب كبير« (من حجاب الصورة) »عملة بوجهين هو الوداع وجه الالم وجه الانتشاء« (من حجاب الوداع) »أرقدْ في غيابك ايها الغائب« (من حجاب الغائب) »اقترب انني شبيهتك ايها الموت« (من حجاب الوثبة الاخيرة). »الفصول غجر يطوفون الارض في مراعي الوقت الاوطان تهمة جوالة«.. وهكذا... الى آخر الحجب.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة