1 يدور الآن صراع قوي على توزيع الغنائم في »عراق ما بعد صدّام«. وهذا الصراع تدور رحاه على مستويين: المستوى الأول: يدور بين الشركات العالمية (وخاصة الأميركية) للحصول على أكبر نصيب من غنيمة عقود »إعادة إعمار العراق«. والمستوى الثانى: يدور حول استغلال وإدارة الموارد النفطية العراقية. ويلاحظ بهذا الصدد أن المندوب الأميركي في مجلس الأمن قد اعترض على تعبير »حق الشعب العراقي في موارده النفطية«، وتم استبدال ذلك بعبارة غامضة تتحدث عن »حق الشعب العراقي في الاستفادة من استثمار تلك الموارد النفطية«. وشتان بين ما يعنيه كلا التعبيرين. وتهدف الإستراتيجية الأميركية فيما يخص مستقبل استغلال وإدارة قطاع النفط في العراق إلى تأمين إمدادات نفط رخيص للبلدان الغربية المستهلكة للنفط. وفي الوقت ذاته تسعى هذه الإستراتيجية في الأجل المتوسط لكسر قوة منظمة »أوبك« للبلدان المصدرة للنفط، التي ترسم السياسات التسعيرية وتحدد السقوف الإنتاجية لصادرات الخام لبلدان الأوبك. وبهذا الصدد، كتب »لوتز كليفمان« الذي يعمل مراسلاً في نيويورك لجريدة »دير شبيغل« الألمانية مقالاً لصحيفة »ذي إندبندنت« البريطانية تحت عنوان: »اللعبة الكبرى الجديدة للسيطرة على النفط«، يشير فيه إلى أن ثمة »صراعاً إستراتيجياً مشهوداً يدور الآن لتقرير من سوف يسيطر على إحتياطي الطاقة في العالم«. ومن المعروف أن مستوى الطاقة الإنتاجية الحالية في العراق يدور حول 32 ملايين برميل من النفط الخام يومياً، ولكن بضخ استثمارات قدرها 20 بليون دولار أميركي، يمكن زيادة الإنتاج في غضون بضع سنوات إلى سبعة ملايين برميل يومياً. وسوف يشكل هذا الإنتاج نحو عُشر الاستهلاك العالمي، الأمر الذي سوف يؤدي إلى انخفاض في مستوى السعر، وهو ما تحتاج إليه الاقتصادات الغربية المتباطئة. ومما لاشك فيه أن بترول العراق يشكل الكعكة الكبرى التي يخطط الأميركيون لالتهامها دون شريك. فمنذ الأيام الأولى لعملية الغزو الأميركي البريطاني للعراق كان أحد الأهداف العسكرية الأساسية هو تأمين حقول البترول في الجنوب والشمال والحيلولة دون إحراقها، كما كانت هناك توقعات كثيرة تشير إلى ذلك قبل بداية الحرب. ويرى فريق من خبراء البترول أنه قد ينسحب العراق في المستقبل من منظمة أوبك للدول المصدرة للبترول، التي يعد العراق فيها المنافس الأول للسعودية من حيث إمكانيات الإنتاج وحجم الاحتياطي. وبذلك ينضم العراق لفريق تصدير البترول »من خارج أوبك« الذي يضم روسيا على رأسه. وفي هذه الحالة، ستحدث حالة من الإغراق النفطي في السوق العالمية يمكن أن يدفع بأسعار البترول إلى مستوى شديد الانخفاض قد يصل إلى 15 دولاراً للبرميل (بالأسعار الجارية). الأمر الذي سوف يؤدي بلا شك إلى إفقار البلدان النفطية الخليجية. ويشير »يحيى سادوفسكي«، الخبير في شؤون الشرق الأوسط، إلى أن الذين يملكون طموحات واضحة في مجال النفط هم الأكثر حماسة للحرب داخل الإدارة الأميركية، أي عصبة المحافظين الجدد المتحلقة حول بول وولفويتز، مساعد وزير الخارجية، والسكرتير المساعد في وزارة الدفاع دوغلاس فايث. إنهم أصحاب المشروع الذي يسعى إلى تحقيق الزيادة السريعة للقدرة الإنتاجية للعراق من أجل إغراق السوق العالمية في أسرع وقت ممكن. وهم يعرفون أن ذلك سوف يؤدي إلى انهيار أسعار النفط الذي سيصل إلى ما دون ال15 دولارا للبرميل بعدما كان يدور في منتصف مارس عام 2003 حول حاجز الثلاثين دولارا. وهم يراهنون على هذا التراجع في أسعار النفط من أجل تحفيز النمو في الولايات المتحدة وتدمير منظمة الدول المصدرة للنفط، أوبك، وتخريب اقتصاد الدول »المارقة« (إيران، سوريا، ليبيا) وبالتالي إيجاد شروط جديدة لتغيير الأنظمة (يحيى سادوفسكي، حقائق وأكاذيب حول الرهان النفطي، مايو 2003). ومن ناحية أخرى، يرى فريق آخر من المحللين أن الرئيس الأميركي وصحبه قد حافظوا على شبكة من العلاقات الشخصية ليس مع الشركات النفطية الكبرى »المتعددة الجنسية« بل مع عشرات الشركات الصغيرة. والعديد منها متمركز في تكساس وتقوم باستخراج النفط من باطن الأرض الأميركية أو من الأعماق البحرية. لكن هذه الشركات بحاجة لأسعار نفط مرتفعة كي تستمر في نشاطها. ففي السعودية لا تزيد كلفة إنتاج البرميل من النفط عن الدولار ونصف الدولار، بينما تكلفة استخراج البرميل الواحد في خليج المكسيك قد تزيد على الثلاثة عشر دولارًا. وبالتالى فإن هذه الشركات الصغيرة تخشى قبل كل شيء انهيار أسعار النفط. كما سارعت إلى التحذير من ذلك جماعات الضغط الوطنية داخل الولايات المتحدة، بتأكيدها على أن الولايات المتحدة تكون عندئذ مرتهنة أكثر فأكثر للواردات البترولية الأجنبية »غير الموثوق بها«. ووفقاً لهذه الرؤية، فإن البترول العراقي وارد بلا شك في حسابات واشنطن العراقية ولكن كمورد إستراتيجي أكثر منه موردًا اقتصاديًا. فالحرب على صدام كانت تهدف في الأساس إلى ترسيخ الهيمنة الأميركية في منطقة الشرق الأوسط، وفتح الطريق أمام خصخصة شركة البترول الوطنية العراقية. 2 من المعروف للجميع أن الإدارة الأميركية قد بدأت للتخطيط لعملية إعادة إعمار العراق منذ فترة طويلة، وأنها عهدت إلى اثنتين من الوكالات الحكومية الأميركية هما: الوكالة الأميركية للتنمية الدولية (USAID) وسلاح المهندسين التابع للجيش الأميركي (USACE) لتنسيق تلك العملية بعد إسقاط نظام »صدام حسين«. وكانت الوكالة الأميركية للتنمية الدولية قد اختارت شركة »بكتل«، ومقرها سان فرانسيسكو، كمتعاقد أساسي لإعادة بناء البنية التحتية العراقية في عقد تبلغ قيمته الأوّلية 680 مليون دولار. ويتم تنفيذ هذا العقد على مدى 18 شهراً، ويتعلق بإعادة بناء المطارات والمرافئ والطرقات والسكك الحديدية ومنشآت المياه والصرف الصحي. وكما هو معروف للجميع أن وزير الخارجية الأميركي الأسبق »جورج شولتز« هو عضو في مجلس إدارة شركة »بكتل«، كما أن رئيس مجلس إدارتها هو عضو حالي في »مجلس التصدير« وهو هيئة استشارية تقدم النصح للرئيس الأميركي في مجال التجارة الدولية. وقد بدأت شركة »بكتل« الأميركية العملاقة مقابلات في واشنطن لآلاف الشركات في الواحد والعشرين من شهر مايو الماضي بهدف التعاقد معها لتنفيذ عقود في مشاريع جزئية (من الباطن) في العراق، باعتبارها كبير المقاولين الأميركيين المعتمدين في مجال »إعادة إعمار العراق«. ولقد كان مشهداً مثيراً حقاً حيث اصطف آلاف من ممثلي الشركات في إحدى الساحات في واشنطن أمام المبنى الذي تجري فيه المحادثات، مما اضطر »بكتل« إلى إعادة النظر في الجدول الزمني لهذه المداولات وتقرير عقد جلستين مكثفتين، مدة الواحدة منهما ساعة ونصف الساعة، عوضاً عن جلسة واحدة مدتها ثلاث ساعات. 3 إن مشروع »إعادة إعمار العراق« ليس مجرد مشروع مقاولات، بل هو مشروع إعادة بناء سياسي واقتصادي واجتماعي ومؤسسي، بكل ما يحمله ذلك من معانٍ ومضامين. وبهذا الصدد، يمكن إبداء بعض الملاحظات: أ. لا شك أن مشروع إعادة الإعمار في العراق، إنما يعبر عن توجهات سياسية واجتماعية، فهو عملياً يعيد رسم دور العراق المستقبلي على المستوى الإقليمي والدولي. لذلك، فإن السلطة العراقية القادمة، التي على ما يبدو ستدور في الفلك الأميركي، سوف تراعي بالدرجة الأولى المصالح الأميركية في المنطقة. ب نظراً لأن عملية إعادة بناء وتأهيل العراق بعد الحرب تستلزم وضع خطة متكاملة لمختلف المرافق العامة والمنشآت الحكومية والخدمات الأساسية في مختلف المناطق العراقية، فالمشروع الإعماري العراقي ستكون له تداعيات في كافة المجالات، وعلى كافة المستويات السكانية والمناطق، بما في ذلك إعادة صياغة عناصر الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية في العراق الجديد. ولعلنا لو تأملنا ملياً في القرارات التي اتخذتها سلطات الاحتلال الأنجلو أميركي في المجالات التالية: 1 حل الجيش العراقي. 2 محاولة وضع دستور جديد للبلاد (على غرار دستور »اليابان« بعد الحرب العالمية الثانية). 3 السعي لإطالة أمد الاحتلال لأطول مدة ممكنة، ومنع قيام حكومة شرعية منتخبة. 4 تغيير نظم الإدارة وأسلوب تسيير الاقتصاد. 5 التركيز على الصبغة الطائفية والتركيبة الإثنية للعراق. نجد أن كلها يشير إلى أن عملية »فك« وإعادة تركيب عناصر البنية السياسية والاقتصادية والمؤسسية في العراق تجري على قدم وساق. 4 في هذا التوقيت بالذات، أي بعد غزو العراق، فإنه ليس من قبيل المصادفة أن يتم طرح العديد من المخططات التي تهدف إلى ضرب مفهوم »الأمن القومي العربي« في أعماقه. إذ أن فك الارتباط السياسي والأمني بين العراق، من ناحية، وبلدان المشرق العربي، من ناحية أخرى، يفتح الباب على مصراعيه أمام هيمنة وتقوية نفوذ القوى الأجنبية (الأميركية البريطانية الإسرائيلية التركية) في المنطقة العربية، وذلك في ظل الترتيبات الأمنية الراهنة لبلدان الخليج العربي. وهذا يؤدي بدوره إلى ضرب الوحدة العضوية »للجبهة الشرقية« عن طريق فصم عرى الوحدة والتضامن بين أهم قوتين فاعلتين في المشرق العربي وهما: سوريا والعراق. ويتضح ذلك من خلال الطوق الجديد المضروب على »سوريا« و»لبنان«، من ناحية، والذي يكرس عزلة مصر، من ناحية أخرى. وتقوم الرؤية الاقتصادية الإستراتيجية الأميركية الإسرائيلية، في مرحلة »ما بعد غزو العراق«، على عدد من المحاور، يتلخص أهمها في اختراق وتمزيق »المجال الاقتصادي العربي«. فرغم طابع التجزئة وهشاشة البنية الإنتاجية والتكاملية للفضاء الاقتصادي العربي، فإن الإستراتيجية الإسرائيلية الهجومية في مرحلة »ما بعد غزو العراق«، تقوم على اختراق »المجال الاقتصادي العربي« وتقويض الإمكانات المستقبلية للتكامل الاقتصادي العربي. وكبداية لذلك، قامت قوات الاحتلال الأميركي بإغلاق خط أنابيب النفط الممتد من مدينة »كركوك« في شمال الموصل إلى »ميناء بانياس« السوري، ليحل محله خطط إعادة تشغيل خط »الموصل حيفا«، الذي كان قد توقف منذ قيام »دولة إسرائيل« عام 1948، وهكذا فإنه في مرحلة »ما بعد غزو العراق« سوف تصبح إسرائيل طرفاً أصيلاً وفاعلاً، وجزءاً أساسياً من النسيج الاقتصادي الجديد للمنطقة، من خلال عدد من المخططات الإستراتيجية، أبرزها: أ تقسيم »المجال الاقتصادي العربي« إلى مناطق منعزلة ومفصولة عن بعضها، من خلال اختراقات إسرائيلية، عبر مجموعة من المشروعات العربية الإسرائيلية المشتركة تلعب فيها إسرائيل دوراً قيادياً وفاعلاً. ب تكريس كون »الاقتصاد الفلسطيني« عمقاً مكملاً للاقتصاد الإسرائيلي، وفصم علاقاته الطبيعية مع اقتصادات »بلدان المشرق العربي«، من ناحية، ومصر، من ناحية أخرى، وهما اللذان يشكلان »العمق الطبيعي له«. ج بناء »مثلث اقتصادي« تكاملي بين إسرائيل والكيان الفلسطيني والأردن، على غرار نموذج بلدان »البنيلوكس«، ليكون هذا »المثلث« بمثابة رأس حربة لمشروع الهيمنة الاقتصادية الإسرائيلية على منطقة المشرق العربى والهلال الخصيب. د بناء علاقات اقتصادية ومالية »إسرائيلية خليجية«، وعلاقات اقتصادية مالية »إسرائيلية مغاربية«، تخترق شبكة العلاقات الاقتصادية والمالية العربية العربية: المشرقية المغاربية، والمشرقية الخليجية. ولعل عملية غزو واحتلال العراق هي تكريس لما سبق أن أكد عليه الرئيس الأميركي السابق »ريتشارد نيكسون« في كتابه المهم »الإمساك بالفرصة السانحة« (1992)(1) من أن المصلحتين الملحتين للولايات المتحدة في الشرق الأوسط هما: ضمان إمدادات النفط، وحماية أمن إسرائيل. ومن ناحية أخرى، يشير برنارد لويس، أحد غلاة المنظرين الصهاينة، إلى أن هدف السياسة الأميركية في المنطقة العربية (وفي منطقة الشرق الأوسط عموماً) هو منع ظهور أية قوة إقليمية (بخلاف إسرائيل) تسيطر على مقدرات المنطقة، وبالتالى تفرض نوعاً من السيطرة الاحتكارية على بترول الشرق الأوسط. والقضية الثانية التي تحرص عليها السياسة الأميركية وفقاً لبرنارد لويس هي منع »التعددية النووية« في المنطقة، أو على الأقل تأجيل ظهور قوى نووية، بخلاف إسرائيل لأطول فترة زمنية ممكنة. وكان كل من العراق وإيران من البلدان التي تسمى »بلدان العتبة« (Threshold countries)، أي من بين الدول التي يمكنها صنع القنبلة الذرية في غضون سنوات قليلة. ولهذا السبب تم تصنيف البلدين ضمن »محور الشر« في عرف الإدارة الأميركية الراهنة. والقضية الثالثة التي يؤكد عليها »برنارد لويس« هي أن علاقة التحالف القائمة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من الخطأ النظر إليها على أنها مجرد علاقة »تحالف إستراتيجي«، بل هي »علاقة عاطفية أو أيديولوجية« (Ideological or sentimental) في المقام الأول. إذ ترى الولايات المتحدة في إسرائيل امتداداً لمؤسساتها وقيمها وأسلوب حياتها في قلب المنطقة العربية(2). ولكنه في ظل خريطة التطورات وأنماط الصراعات المستقبلية، التي تتسم بدرجة عالية من »السيولة التاريخية«، هناك سؤال ملح يطرح نفسه: ما هو دور العرب في ذلك »التاريخ الجديد« الذي يجري رسم خطوطه بواسطة مهندسين »غير عرب«. ذلك هو السؤال المركزي الذي يجب أن نجيب عنه بكل وضوح وحزم، ودون إبطاء، حتى نتحسس خطانا المستقبلية لمنع بناء نظام »شرق أوسطي« جديد على أنقاض النظام العربي الذي يتهاوى تحت الضربات المتوالية التي توجه له. إن الوضع الراهن أخطر من أن يترك لمناظرات فكرية مجردة، تدور حول نفسها وترضي غرور بعض المثقفين، وقلما تخرج بخطط وبرامج عمل محددة للتحرك المضاد، وحصار المخططات الجديدة القديمة التي توضع الآن موضع التطبيق بعد احتلال العراق. لا بد إذن من الخروج من حالة الشلل الراهنة، ولا بد من التحرك بسرعة على كافة المستويات وعلى أسس علمية وعملية. فهناك قانون يقول: »لكل فعل.. رد فعل، مضاد له في الاتجاه«، و»إن لم يكن مساويًا له في المقدار«. إن مواجهة هذه التحديات الجديدة، بتعقيداتها وتداخلاتها الإقليمية والدولية، هي مهمة شاقة بطبيعتها يعجز عنها جهاز بعينه أو دولة عربية بمفردها. ولذا لا بد من تضافر مبادرات ومجهودات فرق عمل، سواء على مستوى الأجهزة الرسمية المهتمة بقضايا الأمن القومى والمصير العربى، أو على مستوى قيادات القوى السياسية والمنظمات المهنية والنقابية (بما في ذلك منظمات رجال الأعمال). الهوامش: 1 Richard Nixon, Seize the Moment (New York: Simon and Schuster, 2991), chap. 5: زThe Muslim Worldز. 2 -Bernard Lewis, Rethinking the Middle East (*) بالاتفاق مع »الكتب وجهات نظر«.