بالامس كانت القافلة الثانية للعودة.. ضمت أكثر من أربعمائة عراقي وتركت وراءها غبارا كثيفا غطى لدقائق معدودة الساحة الترابية ل»ملعب الراية« في منطقة صفير وجوارها في الضاحية الجنوبية لبيروت ثم عاد كل شيء الى رتابته وهدوئه. هل غادر كل العراقيين لبنان، في الرحلة الثانية التي نظمتها المديرية العامة للأمن العام اللبناني. هل أن هذه الحافلات الثماني نقلت من بقي منهم في لبنان. وأرحنا »ضميرنا«.؟ »لا لم يذهب الجميع.. ما زال في لبنان نحو الألف عراقي« تؤكد مصادر العراقيين المقيمين في لبنان. و»ما زال هناك من يهرب باتجاه لبنان. ولكن هذه المرة هم البعثيون وأبناء النظام القديم«، تقول المصادر نفسها. »هل علينا أن نطلع في الحافلات مع المساجين. ألله بيقولها. نحنا معنا باسبوراتنا وإقاماتنا«، تقول تلك العراقية بلهجة نصف لبنانية، وقد حرصت سيارة عائلتهاعلى عدم »اختلاطها« بالحافلات المتبقية. وهي سيارة اجرة فخمة مخصصة للنقليات بين بيروت وبغداد. وكان أصحابها أي مالكوها يمضون عطلهم الصيفية دائما في لبنان، كما قالت العراقية نفسها المتفاخرة بلهجتها اللبنانية، »ونحن اليوم مضطرون لملازمة القافلة، لأن السلطات اللبنانية حصرت العودة بهذه القافلة«. وأولئك المساجين الذين تأففت منهم تلك البرجوازية العراقية، هم ممن دخلوا لبنان خلسة، هربا من النظام أو من الحرب أو لأسباب كثيرة... وكما تؤكد مصادر في الأمن العام، إنهم آخر من تبقى من الموقوفين بتهمة الدخول خلسة في السجون اللبنانية. اما المسجونون بأحكام جنائية فيبقون لحين انتهاء فترات محكومياتهم، تؤكد ذلك المصادر نفسها. وصل المساجين إلى الساحة. لون حافلتيهما بدا مختلفا. واحدة ممتلئة بهم، والأخرى مشغولة جزئيا منهم ومطعمة بمن لم يبق له مكانا في القافلات المدنية الأخرى، أو من التحق بالقافلة في الساعات الأخيرة. المساجين جاءوا ب»الفانلات« البيضاء، عيونهم مستنفرة تبحث عن أصدقاء عراقيين منتظرين. فتح الباب واندفع الناس باتجاه القافلة، الصعود غير مسموح. محمد يستميت عند الباب للخروج من الحافلة، يريد أن يتصل ب»معلمه« حيث كان يعمل لعله يوافيه إلى الساحة ليحصّل منه ألف دولار بدل عمل لشهور. يتطوع الملازم في الأمن ويجري له اتصالا، »نعم؟ إنت في جبيل«... بالطبع كان محمد كمن يضرب في الرمل.. محمد كان في أي حال الأقرب إلى الباب، هناك حشر الكلام. استفسر منه المنتظرون بعد في الساحة لحين انطلاق الباصات عن كثيرين في السجن، فلان رحّل من زمان، فلان يقضي محكوميته »حكم جنائي«، فلان لا نعرف عنه شيئا. كانوا يبدون متآلفين، حنونين. والكثير من القبل الهوائية من خلف الزجاج، والدة مسافرة في الحافلة »المدنية« وابن في »حافلة المساجين«. دبت »الحياة« في الساحة. القوى الامنية والعراقيون استفادوا من تجربة القافلة الاولى، كانت حافلاتهم المدنية الست قد امتلأت وانتظمت تقريبا منتظرة وصول المساجين. وهذا الالتحاق كان قد تم في القافلة الاولى »على الطريق« اما هذه المرة فكان الانطلاق مشتركا من الساحة. امتدت العملية من الثامنة صباحا حتى الحادية عشرة والنصف ظهرا. ما كان مفاجئا من دون أن يلفت نظر المسافرين، هو تلك الورقة التي وقع عليها العائدون جنب اسمائهم قبل صعودهم الحافلة.. وكثيرون لم يقرأوا ما ذكر فيها. »أنا فلان من مفوضية اللاجئين التابعة للأمم المتحدة«، وقد كتبت بأحرفها الاجنبية الأولى. »أعلن عن رغبتي في العودة الطوعية من دون أية ضغوطات«. ورقة لكل عائد. ولكن العائدين بينهم من لم يزر المفوضية يوما، كما قالوا. ما المقصود بهذا الاجراء. لماذا لم تعلن المفوضية رسميا عن مشاركتها في حملة العودة، ولماذا تضم كل العائدين إليها. حتى أن موظفة في المفوضية رفضت الكلام شوهدت تطلب من المسؤول الأمني أن تتأكد من أسماء من لم يغادر البلاد. خاصة وكما أكد اغلب العائدين ان تقديم الطلبات حصل بشكل أساسي في مقر السفارة العراقية، ولكن ليس من خلالها لأنها جمدت منذ فترة عملها الديبلوماسي، وتولى تنظيم الامر الامن العام في بيروت الذي قدم لمن رغب في العودة ورقة زرقاء صغيرة، تخوله الصعود إلى الحافلة كما تخوله استعادة جواز سفره أو اي ورقة ثبوتية أخرى قدمها للحصول على موافقة بالعودة، وذلك بعد وصوله إلى الحدود العراقية السورية، حيث يجري تبديل الباصات لينتقل بعدها المسافرون عبر حافلات يقدمها السيد محمد سعيد الحكيم إلى بغداد. كان الملاحظ في قافلة العودة الثانية ان الحافلات التي انطلقت من لبنان قدمها »حزب الله« كما أكد أعضاء لجنة المتابعة والتنسيق للجالية العراقية في لبنان التي تصر على تأكيد استقلاليتها عن »حزب الدعوة«. إلا أن صور الحكيم وصور الشهيدين محمد باقر الصدر ومحمد الصدر التي غطت الباصات في قافلة العودة الأولى واسميت ب »قافلات الصدر«، هذه المرة علقت بشكل خجول في اللحظات الاخيرة، من قبل من كان لهم السلطة في الصعود إلى الحافلة لتعليق الصور في مقدمتها. وتوزيع الكتب الدينية للسيد محمد سعيد الطباطبائي الحكيم وحتى هناك من حرص على توزيعها في باصات المساجين. وربما ما جعل الترويج أقل وضوحا هو وجود عدد من العراقيين المسيحيين بين العائدين وبينهم الكثير ممن ترك وراءه أقرباء لبنانيين أو أهلا عراقيين يقيمون منذ زمن في لبنان. وربما لأن الامن العام هو الداعي الوحيد اعلاميا لهذه العودة. في أي حال كان ممثل حزب الدعوة في لبنان أبو ميسم في عداد العائدين بالامس. لكل عائد »قنينة« مياه. الرحلة طويلة. قد لا تنتهي قبل فجر اليوم التالي. ترافقهم القوى الأمنية اللبنانية حتى الحدود العراقية حيث يستقبلهم الأميركيون ولن يهتموا بأوراقهم واسمائهم، أي ورقة ثبوتية تصلح... ولن يقدموا لهم بالطبع الماء.