الخوف، الخوف، الخوف. أصبحت أخاف. أسمع صوته في دقات قلبي المتسارعة المتلاطمة. ألمسه في شهيقي وزفيري الحارين المتناحرين. أراه في وعيي ولاوعيي الفارين. وأتذوق الخوف في فمي فيجف، في غصة فتستمر. أشعره عرقاً يبلل جسدي، رجفة تجرد كياني لوحة خائفة غير مفهومة. ليست برمل على جسد مبلل كاد يغرق، ولا بكحل عربي أسود »تمرمغ« حول عيني سمراء باكية. أخاف، أخاف، أخاف. أخاف على جسدي من الألم. أخاف على نفسيتي من العقدة. السؤال يخيفني: هل تسبب الكلمة بصفعة؟ هل يرد على الرأي الحر بتعذيب؟ هل يقمع الإختلاف بالعنف المادي وبالعنف المعنوي؟ هل أصبح في خطر إن قفزت فوق الممنوع؟ هل أنزف أحمر إن حاولت تخطي خطاً أحمر؟ أصبحت أخاف من »البعبع« المتواجد في كل مكان، في أي مكان، في كل زمان، في أي زمان. خلف مكتب، في غرفة مبردة. على الشارع، في سيارة تحمل رقما مختلفا. إنه في المدى، في الأبعاد كلها، إنه الثاني إن كنت وحيدا، وثالثنا إن كنا إثنين، ولو عاشقين. إنه معنا، معكم. قوته السلطة التي وهبت له كرمى لعينيه الصغيرتين المرنتين كالقوانين يستنسبها فيخيفني. أصبحت أخاف إن »أُشد« معصوب العينين إلى مكان قريب تحت الأرض فوق تلة. يأخذونني ولا أعرف لماذا، يقدمونني على مذبح الأقوى، يتركوني ولا أعرف لماذا. أُساق بالخوف والحيرة، الحيرة خوف. أصبحت أخاف الدستور، أخافه شخصياً. أخاف الحريات التي يصونها. حرية التعبير تؤلمني هراوتها، تبللني ظلمتها الباردة. حرية المعتقد أجبرتني على الإقامة في قبر، الخروج منه يهدر دمي. أنا أخاف، أخاف من الدماء. من ذاتي أيضاً، أخاف. من رغبة ملحة وحقيقية في قعري إكتشفتها. تحركني، تجعلني أصلي البندقية إفتراضياً نحو آخرين أريد أن أرديهم، فقط لأنهم يشاركوني مكاناً وزماناً، لأنهم يشوّشون على وجودي. أخاف من رصاصاتي أطلقها نحو أهدافي البشرية. رغبة القتل تطاردني، تلك الرغبة تخيفني. أخاف، ومجدداً أخاف . أخاف أن أقول الحقيقة. أخاف أن أعبر عن مشاعري، أن أنتقد، أن أعلن، أن أرتدي ما يعجبني، أن أمرض. أخاف أن أكتب فأساق، أن أرد فأُتهم، أن أدافع عن نفسي فأحاكم، أن أقول فأحاكم مسبقاً. وأخاف أن أطلب تأشيرة فأرفض، أن أستشير معالجاً نفسياً فيكشفني، أن أثق بذاتي فأكتشف ضعفي، أن أبادر فتقتلني التجربة. أخاف منك لأنك غير واضح وعلاقتنا غير واضحة وغير مقوننة، وأخاف مني.. لأني خائف. في المرحاض، أخاف أن يخرب القفل »فأعلق«. بت أخاف أن أنسى باب البيت مفتوحا، فأعود كل مرة أدراجي لأتأكد من أني أقفلته جيداً بالمفتاح. أخاف أن أسرع فأصطدم بسيارة. أخاف أن أمارس حقي في الإنتخاب. أخاف أن أكمل دراستي ولا أصبح أستاذاً في الجامعة التي تخرجت منها. أخاف أن أبقى معها فتعتقد أني أحبها. أحبها صديقتي. أخاف أن أسافر فيموت وطني. أخاف أن أبقى فأموت أنا. أخاف من المرآة تعكس خوفي، ممن حولي يشاهدوني خائفاً. وأخاف، أصبحت أخاف، أخاف أن أمارس الجنس فأعجز، أخاف أن أنام فلا أستيقظ، أن أجرب فأزج في السجن، أن أحرك جسدي فأرجم، أن أهاتف فيتنصت عليّ، أن أجتمع فأراقب، أن أرفع يدي فأصور، أن أقاوم فترفع دعوى، وأخاف أن أفتح الباب لأخرج. أخاف أن أخرج لأنني خائف. أخاف من الأمس ومن الغد، أخاف من الدقائق والثواني، من اللحظات تسرقني، من اللحظات أسرقها. أخاف من الناس، من الشرطي، من »الدركي«، من عضو في البلدية، من رئيسها، من النائب، من رئيس مجلس النواب، من الوزير، من رئيسه، من القاضي، من قوانينه، من ميزان العدالة يهتز كراقصة ونعرف »الطبال«، من المدعي العام طبعاً، من أجهزة المكافحة والمخابرات، من حفظ الأمن. وأخاف من رجال الدين لم أنسهم ، ومن السلطة الرابعة، من مقصلتها الساذجة، من توليفاتها الغبية، من حقيقتها المضحكة، والمضحكة، والمضحكة. تضحكني كما بتّ أضحك على حالي لأني أخاف. أخاف من إنسان مسلح، ومن آخر غير مسلح. من إمراة تشبه فتاة، من مراهقة تكبرني. أخاف من مياه الشفة قد لا تكون صالحة للشرب، وقد لا يكون مسموحاً اختبارها لأسباب سياسية. أخاف من الأوتوستراد يحتل منزلاً حجرياً قديماً، أخاف من الباطون، من معرض صور لا أفهمها، من الخشبة، من الشمس، من المشهد اليومي، من الشاشة، من الدموع، من الخائفين, الخائفين منك، الخائفين مني. ... أخاف أن أتنازل عن دوري، أن أكتب الوصية بيضاء قبل انتحاري رمياً برصاصات واقعية. أن أقدم استقالتي، أن أعتزل، أن أتنحى، أن أتصوف، أن أتوارى، أن أختفي، أن أصبح بلا نفع بلا جرأة بلا حيل ولا قوة، وبلا امل. أخاف، أخاف أخاف، الخوف جعلني كرجل معلق في الفضاء، يدرك وجوده لكنه لا يمارسه. رجل ينتظر الدخول في مرحلة الخوف من أنه أصبح يخاف.