تحفل منطقتنا العربية بالأصوات الغنائية الجيدة. ولعلها، منطقتنا، لا تحفل سوى بالأصوات الجيدة، وسط كمّ الانهيارات العربية والخسارات الكثيرة على الصعد كافة. لا نعرف أن نرد سبب تمتع المتوسطيين بالصوت الجميل. غير انها نعمة في النهاية ومن دون كثير مساءلة. كما يجدر صقلها واحتضانها وتحييدها عن مزالق ما زالت تترصد المواهب الشابة التي تبدو في هذه اللحظة من زمننا العربي، مستوحدة وعارية وبعيدة عن الألحان الجميلة القديمة التي كانت يوما في خدمة مطربي زمان، بالاضافة الى حاجتها الى الشعر والنصوص الغنائية المبدعة، التي غابت بدورها والتي تناقلتها الحناجر الذهبية لردح من الزمن. في خواء اللحظة الفنية، تبقى بعض الاصوات العربية بشكل عام، واللبنانية بشكل خاص على ثباتها في ترديد النص الجميل والراقي الى حد، والذي لم يغادر تراثه الفني في سبيل قفزة في المجهول، بل أنشأ تواصلا أكيدا، عبر صوته، بين إرث الماضي الجميل، وحيوية الحاضر في حداثته. المهمة الصعبة من الاصوات الجميلة التي أثبتت وجودها في وجدان وذائقة محبي الغناء، صوت المطرب جورج وسوف السوري الجنسية نشأة ومولدا، واللبناني الحضور، في طغيان وجوده المادي والفني في حياة اللبنانيين، وفي اندماجه المرن في ساحهم الابداعي والاجتماعي. جورج وسوف وعبر رحلة فنية لا بأس بها، طولا وخبرة وصيتا، ما زالت الكتابة عن صوته من أدق وأصعب المهام، لتضارب وتناقض الآراء حوله، جورج وسوف بسيطا وهاويا ما زال في المنحى الايجابي للكلمة، وفي أعماله الغنائية جانب كبير من التطلعات الجديدة التي تواكب العصر. أعتقد أن عملية تجريد صوته عند البعض، من إشباعات لا بد منها، هي حكم غير عادل إطلاقا. فليس شرطا ان يبلغ الصوت مداه في اكتمال العُرب وإجادته كافة الطبقات لكي يكون مؤثرا وجميلا، فثمة سحر في أداء جورج وسوف تعجز عنه الأصوات المكتملة. أداء في صوت جورج وسوف وأعماله الغنائية (التي اقتصرت في البدايات على استرجاع بعض الغناء القديم خصوصا أغنيات أم كلثوم، لما فيها من رحابة شعورية تلائم مزاج وسوف في الغناء)، وخصوصا مع وجود سامع متذوق ويمتلك ولو فكرة بسيطة عن أصول وشروط الأداءات والغناء الشرقي، يجد في صوت جورج الكثير من القيمة الأدائية التي يحاول فيها الكشف عن مدى تميّزه عن معاصريه من المطربين الشباب، وإظهار وتوضيح الارضية التي يستند عليها صوته. وبالعودة إجمالا الى بعض أغنيات وسوف (»الهوى سلطان«، مثلا) بوسعنا إلقاء الضوء على مكامن الايجابية في فنه بالرغم من صعوبة تدقيق أدلة وإنجازات أي فنان. ان طريقة أداء جورج وسوف مميزة عن طرق وأساليب معاصريه. وهي صفة إيجابية مهمة بلا شك، بل في غاية الأهمية لصوته الذي بوسع السامع إدراكه منذ النبرة الاولى، لما يتبدى من رقة وحساسية بالغة في الغناء. عيوب هذا لا ينفي بعض العيوب والرضوض في القيمة الفعلية لخامته الصوتية، ذلك ان مساحة صوته ليست بالسعة المطلوبة في مداها اللحني في الغناء الذي يحتاج من الناحية التقنية الى مساحات صوتية واسعة نسبيا. صوت جورج على ما نحسب من فصيلة (الباص باريتون) فهو يمتلك »قرارات« جيدة ولكنه يعجز في بعض الأحيان عن أداء »الجوابات« العالية بشكل نظيف او طبيعي يضمن فيه استمرارية التعبير وجماليته، لذلك يعمد في بعض الأغنيات الى التهرّب بشكل تكتيكي وتكنيكي جيد من الطبقات الصوتية العالية كما هو واضح عند سماعنا ترديده لأغنيات كلثومية بالغة »الجوابات« وأيضا في أغنيته »طبيب جراح«. يتلاعب جورج وسوف بصوته أثناء الغناء في ليونة ومرونة. غير أن حال عدم الاستقرار في الصوت نابع من اللاسوية في »الأوكتافات« التي ذكرنا، والتي تحتاج عند المطربين الشباب الذين يعانون الأمر نفسه، الى الكثير من المران للسيطرة عليها. يهدف المطرب وسوف الى التواصل بشدة مع مستمعيه، والى عرض مشاعره أثناء الغناء من خلال إحساسه العميق المعبر في أدائه، بروح رومانسية عاطفية رخيمة تجنح الى نزع السواتر عن دواخله الخاصة بكل صدق وتأثر. جورج وسوف بهذه الخاصية استطاع ان ينتشل أداءه، وقابلياته من الفشل، فأحبته جماهيره العربية لأجل إحساسه تحديدا، و»سلطنته« أثناء الغناء.