As Safir Logo
المصدر:

أطلب مع »السفير« الكتاب للجميع: »رحلات جلفر« لجوناثان سويفت

المؤلف: UNKNOWN التاريخ: 2003-05-10 رقم العدد:9491

عاش جوناثان سويفت بين القرن السابع عشر والثامن عشر واشتغل في الكنيسة وفي السياسة والعلم والأدب كما هي حال مستنيري عصره ودفع إلينا بتحفته »رحلات جلفر« التي هي بين كتب الطوباويات الكبرى. إنها مشروع مدينة فاضلة وجمهورية مثالية. جرى فيها سويفت على نهج أفلاطون وتوماس مور والفارابي في طوباوياتهم. لكن كتاب سويفت أكثر من ذلك. إنه كتاب أدب رفيع بقدر ما هو كتاب سخرية سوداء قاتمة جارحة. وإذا شئنا أن نجد ميزة مشهورة للكتاب فهي تشاؤمه المفرط وإذا شئنا القول نقده الحاد للجنس البشري. »رحلات جلفر« كما ينم اسمه كتاب رحلات وربما أمكن تشبيهه من هذه الناحية برحلات السندباد. فجلفر على ما يروي عن نفسه طبيب رحالة بحار، وهو لم يجد على البر واليابسة بغيته فآثر أن يطلب معاشه في البحر. ثم إن حياة البحر شغفته فلم يعد يقدر على فراقها. هذا الشغف تسبب له برحلة تلو رحلة. وفي كل رحلة يقع، إثر عاصفة بحرية تودي بمركبه وتحمله الأمواج بعد ذلك الى جزيرة، يقع في أيدي عرق جديد من الكائنات، سرعان ما يتعلم لغته ويتعرف على اجتماعه ونظامه وقيمه ويقابلها بطبيعة الحال بالاجتماع والنظم والقيم البشرية. مقارنة يخسر فيها عادة البشر ويظهر مرة بعد مرة سوء خلقهم وطبائعهم وانحرافاتهم ونزعاتهم الشريرة وحمقهم وميلهم الى السوء. من قوم بالغي الصغر، الى قوم هائلي الحجم، الى قوم من العلماء المتفكرين المتأملين، تتابع رحلات جلفر. وفي كل رحلة يجد سويفت سببا لنقد جديد للاجتماع البشري. فملك الضئيلي الحجم يعيش من ماله لا من الضرائب التي يفرضها على الشعب، والغش عندهم أفدح من السرقة، والآباء آخر من يعهد إليهم بتربية الأبناء. أما العظام الحجم فلم يحولوا السياسة الى علم وعندهم أن من أنبت سنبلتين أعظم من الساسة كلهم مجتمعين، وحين يسأل ملك هؤلاء جلفر عن أحوال قومه ويفشل جلفر في إخفاء مساوئهم، يقول له هذا »إن قومك أخبث من الحشرات الكريهة«، وفي هذا كما هو واضح من السخرية ما لا قبل به فجلفر يسعى الى امتداح قومه، لكن بمنطقهم ومعاييرهم، الأمر الذي ينكشف عن مساوئ وآفات بلا حد. أما قمة السخرية في رحلات جلفر فهي في الرحلة الأخيرة التي يلتقي فيها هذه المرة ب»الهوينم« السادة الذين هم أحصنة ويستخدمون »الياهو« الذين هم حيوانات قذرة بشعة. أما هذه الحيوانات فليست في حقيقة الأمر سوى البشر أنفسهم. هنا يجد سويفت فرصته للتشهير بالبشر والجنس البشري، وإظهار انحطاطه وسوئه. كتاب سخرية ونقد أسود أكثر مما هو كتاب طوبى، فرغم شطط سويفت في نقده وتشاؤمه البالغ يصدر في نقده عن معرفة ميدانية لعالم السياسة وللنظام الاجتماعي، لذا يبدو تهكمه على حدته ملموسا مباشرا، ونشعر أنه في حقيقة الأمر سجال مباشر مع عصره ومجتمعه. رغم القرون التي تفصلنا عن كتاب جلفر نشعر أنه راهن، لم تستنفد رسالته التنويرية بعد، ولا نزال للآن في فلك سجاله، والنقاش المعاصر لم يتجاوزه نهائيا، إنه بيان خصب وغني، و»السفير« والمدى إذ تقدمانه في سلسلة »الكتاب للجميع« تحيلان القارئ على واحد من أسس النهضة وواحد من إشارات المستقبل.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة