As Safir Logo
المصدر:

من الأنفال إلى نقرة السلمان إلى مجمعات بيوت بلا آباء (شهادات حية) رأس الكردي على طبق

فتاة تنتحب على ضحايا حلبجة
ملامح تكشف تعابير المأساة
طفل كردي وأناقة تراثية
المؤلف: سليمان خالد التاريخ: 2003-05-09 رقم العدد:9490

سأنقل هنا صوراً حية تتعلق بحادثة أو فاجعة بالأحرى حدثت في كردستان ربيع عام 1988 تحت اسم الأنفال، راح ضحايا هذه العملية التي نفذتها الفاشية في العراق أواخر القرن العشرين مئة واثنان وثمانون ألف مواطن كردي من النساء والرجال والشباب. حينئذ كنت طالباً في معهد الفنون المسرحية في مدينة السليمانية ولم نخرج بعد من تأثير كارثة حلبجة، وكنا منشغلين بالحديث السري بيننا في مدينة السليمانية عن حلبجة دون ان يسمعنا أحد وكانت الأحاديث تنحصر في ممرات الأقسام الداخلية وزوايا منعزلة أو صالات البروفة اليومية في المعهد نفسه وفي هذه الأثناء جاء على مسامعنا خبر آخر أكثر تراجيدية وكارثية من خبر قصف حلبجة بالأسلحة الكيماوية وهو خبر وصول الجيش العراقي الى عمق الأراضي المحررة والسيطرة على جميع القرى. وفي أحد تلك الأيام، كنت عائداً من المعهد المذكور الى القسم الداخلي الواقع على جانب مقبرة المدينة (سيوان) وكنت اعرف ان إحدى قريباتي عائدة من منطقتنا (Garmiane) الى السليمانية فهرعت للاتصال بها للاطمئنان على أخبار المنطقة وهل وصل الجيش الى نهر (آوسبي)، فقالت لي: لا تتكلم وتعال الى البيت تفهمت الأمر وسكت ثم اقفلت جهاز التلفون. * * * اخبرتني (نديمة) عن وصول الجيش الى نهر (آوسبي)، وكان ذلك النهر يمثل في أذهاننا رمزاً مهماً ويجسد المقاومة والبقاء في المنطقة طالما بقي خارج سيطرة الجيش العراقي، أما السيطرة عليه فتعني اختناقنا وخسارتنا لكرميان بأكملها. ولم تحك »نديمة« عن تفاصيل وصول الجيش لأنها لم تكن تعرف الكثير أيضا، ودفعتني بالتالي الى السفر في اليوم ذاته الى كرميان »مدينة كلار« وترك الدراسة والمسرح لأيام. لكني لم اسمع حتى بعد وصولي الى هناك خبراً عن أهلي وذاكرتي وطفولتي التي تتمثل حتى الآن في تلك العملية الاستئصالية على يد الفاشية في العراق. سألت أبي »رحمه الله« إذا كان هناك خبر عن أعمامي وزوجاتهم وأطفالهم وعن القرية أو القرى بالأحرى وكان الجواب لا. ثم ذهبنا معاً الى بيت عمي الثاني لعلنا نحصل على خيط يربطنا بهم والتقينا هناك بابن عم أبي استطاع الهرب والوصول الى (المجمع) لكنه لم يعرف سوى تفاصيل طريق الهروب، أما الطريق العام الواقع بين البلدات (كفري، سرقلعة، المجمع، كلار) فكان مليئاً بسيارات نقل عسكرية تعج بالنساء والأطفال والشيوخ دون أن يتمكن أحد من الاقتراب الى تلك القافلة العسكرية التي استمرت أكثر من ثلاثة أيام لنقل المجاميع البشرية بعضاً من اقربائنا دون ان يتمكن من التقرب منهم، ودفعه هذا السبب نفسه للمخاطرة بمتابعة القافلة الى مجمع عسكري واقع على طرف آخر من المدينة وهو مجمع (قورتوو). ولا بد من الإشارة إلى أن والدي كان يخدم في الجيش كاحتياطي رغم كبر سنه، وصادفت اجازته الأسبوعية في الفترة ذاتها، ففي اليوم التالي ارتدى ملابسه العسكرية وخرج من البيت بصمت غريب دون أن نعرف وجهته. عاد الى البيت بعد الظهر وهو حزين للغاية فسألناه الى أين ذهب. حكى لنا قصة حدثت معه في ذلك اليوم، لا تشبه إلا الخيال إذ قال: ذهبت الى مجمع (قورتو) ودخلته دون علم الحراس لكوني بزي عسكري فلم ينتبهوا الى غرضي واعتبروني من باقي العسكر وعندما دخلت الى القاووش الحديدي الطويل العريض، رأيت كل أهل القرية ومن ضمنهم عمكم سعيد وعائلته لكنهم لم يروني بدورهم، فناديت واحداً آخر بصوت خافت لإخبارهم بوصولي. عندها شعر عنصر من المخابرات العسكرية بوجود جندي يحكي مع أولئك الناس، وألقي حينها القبض عليّ وقدموني الى قائد (المجمع) الذي سألني عن هويتي فأعطيته الوثائق وإجازتي العسكرية الصادرة من إحدى الفرق العسكرية في البصرة، فقال لي: أنت جندي عراقي ما علاقتك بهؤلاء الخونة؟ أجبته: إن اخوتي وأخواتي كانوا في القرية وأحضروا الى هنا مع الحشد. فكان جوابه الأخير: اذهب وإلا وضعناك هنا معهم. أما هؤلاء فليسوا سوى خونة أوغاد، ولا تملك حقاً في السؤال عنهم مرة أخرى. بقيت تلك الصورة في ذهن والدي ولم ينسها حتى لحظة رحيله الأبدي لأنه رأى فيها إخوته وأسرهم وأهل القرية ولم يتمكن من الحديث معهم. أما بالنسبة إلينا، فقد كنا في حالة ذهول جراء فقدان الأهل والأقرباء والذاكرة والطفولة، أقول الطفولة لأننا بالفعل فقدنا ذاكرة كانت تغذينا وتزرع فينا الأمل. كل إنسان فوق هذا الكوكب لديه مكان يظهر فيه النور ويرى من خلاله، والطفولة هي هذا المكان، ونحن جيل الأنفال فقدنا هذه الطفولة، فأنا الآن مثلاً عندما اتذكر طفولتي وصورة القرية وطبيعة الحياة التي كنا نعيشها افقدها بكل معنى الكلمة لأنها أشياء أصبحت جزءا من انتظار نعيشه منذ سنة 1988. تركت الأنفال رغم ذلك الاستئصال لذاكرة الناس صوراً أخرى ليست أقل حزناً من مثيلاتها وهي صور على سبيل المثال لعائلة مكونة من أطفال وامرأة وحيدة دون أب، أو ربما عائلة مؤلفة من أب وحيد بدون أولاده وزوجته، أو أن يصبح الأولاد وحدهم يتامى الأبوين وهذا ما حدث بيننا كما حصل لعائلات الأعمام وزوجاتهم فيها كما ذكرت آنفاً وكما حصل لدى رحيل ابن عم آخر بقيت زوجته وأولاده وحيدين ذاهلين. هناك مشهد آخر يمثل بالنسبة لي ذروة الحزن في هذه المسألة، وهو اختلاط صور عرس ابن وحيد لامرأة وحيدة من قريباتي مع صور الأنفال إذ لم ير العريس من شهر العسل إلا الليلة الأولى. هناك عائلة أخرى فقدت ابناءها الثلاثة وبقي منهم ثلاث زوجات وأطفال كثر في (حوش واحد) علماً ان إحدى تلك النسوة ولدت في سجن (نقرة سلمان) وسمت ابنها (بيكس) أي من لا أحد له لأنه ولد وحيداً. وهنا تجدر الإشارة الى ان نتذكر بعض الأحاديث الأخرى التي تتعلق بتلك النسوة اللواتي رجعن من سجن (نقرة سلمان) اذ روين لنا أشياء سريالية عن أساليب التعذيب هناك، وأولها تقديم جثث الموتى لكلاب مدربة على أكل الجثث البشرية. حكت لي إحداهن أنها رأت بأم عينها امرأة تزاحمت للحصول على ليتر من الماء في عز ظهرية صيف 1988 وضربت على هذا التصرف وضربت حتى وقعت على الرمل واحمرت الأرض من تحتها واكتشفوا فيما بعد أنها كانت حاملا وأنها اجهضت جراء ذلك التعذيب. المقاومة للأنفال ضفتان، ضفة في الجنوب الرملي حيث سجون (نقرة سلمان) التي ذكرنا بعض الأحداث فيها من خلال نساء كرديات رجعن الى المجمعات اثر قرار عفو عام أراد النظام البعثي من خلاله التكتم والتعتيم على مصير الآخرين، أما الضفة الثانية فهي عبارة عن مجمعات سرية حشر فيها الناس والعوائل المتبقية من الأنفال، وهناك على هذه الضفة امرأة اسمها (جيهان) أي الدنيا، فقدت أولادها الخمسة وابنتيها وبقيت هي في بيت لا تعرف فيه إلا الدموع حتى اليوم. تقول امرأة كردية أخرى إنه في ذروة الأنفال في شهر نيسان من نفس السنة المشؤومة 1988: رأيت طفلاً تحت شجرة توت يبكي بأعلى صوته، فعرفت من بكائه أنه جائع وأرضعته، ثم سكت المسكين ونام لكني لا اعرف ان بقي نائماً، فالأنفال كانت كأيام الحشر لا يستطيع أحد خلالها الالتفات حتى الى جانبه الأيمن أو الأيسر بسبب القصف الجوي للقرى وماراثونات الجيش والمرتزقة الكردية (الجحوش) على أرض كردستان. بعد مرور سنتين على الأنفال زرت عائلة وافقها الحظ ونجت من الأنفال. وقد لا ادري لماذا عادت الى ذاكرتي صورة مجنون القرية، استعدت ذلك الرجل الذي كان يمازحنا ويضحكنا نحن الصغار دون قصد منه، فسألتهم قبل أن أجلس عما آلت إليه حاله وكان جوابهم. أحقاً أنك لا تعرف؟ كلا والله لا اعرف. استشهد بقصف من طائرات هيلكوبتر خلال الانفال. صمت، وتذكرت انني لم اسأل عنه في وقت الانفال. *** اقترحنا في ما بعد، وكنا مجموعة من المسرحيين والصحافيين والشعراء الكرميانيين، اقترح بعضنا على بعض إحياء ذكرى الانفال وكان السؤال الاول الذي واجهناه هو: ماذا نعمل وماذا نقدم وأي عمل فني او ادبي يليق بالانفال والحزن الذي خلفته فينا؟ ولم نحمل على تساؤلاتنا اي جواب، لكننا بدأنا العمل بإعداد عروض فنية متنوعة تتعلق بذلك الحدث، وكان العرض الاول في الشارع الذي نُقل المؤنفلون عبره نحو المجهول، وتحول ذلك الافتتاح الى يوم الانفال حيث كان الجمهور من بقايا الانفال، ولم نكن بحاجة حينها الى اية لمسة فنية او جمالية ولا الى المؤثرات الصوتية وما الى ذلك لأن تاريخ الحدث كان يسرد نفسه من خلال الحضور والمقدمين من ضحايا الكارثة الحقيقيين. *** قبل الانفال كنا مرتبطين بخيط امل تمثل بالمقاومة، وكنا نلصق الراديوهات الصغيرة موديل (العالم) بآذاننا ونستمع للاذاعات الكردية التي كانت تبث برامجها من الجبال، لم يدم ذلك الامل، وأصبح البيشمركة الذين كانوا يمثلون لنا رمز ذاك الامل عرضة للقصف الميداني والجوي، وحوصروا من كل الجهات وأصبحت القرى والمناطق المحررة مفتوحة امام دخول الجيش النظامي والمرتزقة الكردية بقيادة (علي كيماوي) ومن ثم صار الناس تحت رحمة تلك القوات الغادرة التي جمعتهم في سيارات نقل عسكرية وعبرت بهم المدن الكردية امام اعيننا. لكننا لم ننقطع عن متابعة الاذاعات الكردية التي كانت بمثابة الامل والعزاء للذات في آن واحد. ومن جهة اخرى استغلت الافواج المسلحة للمرتزقة الكردية نزول اهل القرى الى المدن وقدمتهم على اطباق من الرياء الى المخابرات وأجهزة الأمن العراقية كي تحصل على حفنة من الدنانير. *** اتذكر الدكتور (آتيلا) الذي غيرت الثورة الكردية حياته وحولته الى قصة حزينة للنضال والحب. هو من اصل تركماني. عمل مضمدا بيطريا في بلدة (كفري) لكنه هرب من قانون الخدمة العسكرية واستقر في القرى الواقعة تحت سيطرة البيشمركة وبدأ بممارسة مهنته، ولكن في علاج البشر هذه المرة وليس الحيوانات، وكان اولئك البيشمركة وأهل القرى يحتاجون إليه بكثرة لمعالجة جرحاهم ومرضاهم، وجرت قصة حب حقيقية بينه وبين بنت شيخ القرية واستمر ذلك الحب الى عام 1988 حيث انفلت (فاطمة) حبيبته وبقي هو محتفظا بوشاحها الذي أهدته إياه عند نقطة الافتراق، بقي في كرميان قبل ذهابه الى إيران. عندما عاد عام 1991 بعد انتفاضة آذار كان لا يزال يحتفظ بوشاح الغالية وينتظر عودتها، لكنه راح هو ايضا واستشهد في ارض طفولته (كفري) أمام الدبابات العراقية عام 1992. الرؤوس المقطوعة الآن وأنا اكتب هذه الكلمات عن الانفال أرى صورا لملابس وعظام لنساء ورجال وأطفال أكراد في مقبرة جماعية تم اكتشافها في كركوك، ومع بالغ الاسف لا تشير الفضائيات العربية التي تتباهى من خلال الحرب، لا تشير الى هذا الخبر، ولكن ليس هذا هو الموضوع الذي أردت الحديث عنه، وإنما هو ربط هذه الصور التي أراها الآن لأناس دفنوا جماعيا بالصور التي رأيتها قبل ثلاثة عشر عاما اي قبل حرب الخليج الثانية بالضبط. حينها اخترقنا أنا وشاب كردي آخر نجا من الانفال، اخترقنا المحرمات وذهبنا الى القرى المهدمة من بين المعسكرات العراقية التي كانت تتظاهر بالابدية والخلود. وعندما وصلنا الى قريتنا بعد ليلة كاملة من السير على الاقدام، كان الصباح صباحا صامتا سيطر على كل الدمار باستثناء شجرة التوت في دارنا او بالاحرى من اطلال دارنا لأنه لم يتبق من الدار دار. استطيع القول هنا ان الشيء الوحيد الذي بقي من طفولتي ولم يتغير هو شجرة التوت تلك. رغم اني لم استطع الوقوف عندها او حتى تذكر المشاكسات الطفولية التي كانت تجري بيننا قبل الانفال. هرعنا بعد ذلك الى الجهة الشرقية من القرية او الى (هردة) كما كنا نسميها باللغة الكردية، عسانا نحصل على شيء يخفف من ثقل وحدتنا والخوف من اية حركة يقوم بها الجيش العراقي. في ذلك اليوم رأينا هناك التي لم يتبق من ذهبيتها شيء يذكر. وفي كل مغارة مررنا بها رأينا ملابس وكرات من الصوف وبطانيات وأدوات منزلية نقلها الناس تحت وحشية القصف وإحراق القرى، لكنهم لم يتمكنوا من الاحتفاظ بها حتى في المغارات، وبقيت تلك المفردات آثاراً تشير الى ايام امتلأت بالحزن والدموع والاجتثاث القسري لهؤلاء الناس. ما كنت تذكرت ذلك لولا صورة نقلتها احدى فضائيات كردستان لملابس نسائية مهترئة وأجساد بقي منها بعض العظام، والرابط بين هذه الصور وتلك هو اهتراء ملابس تم تجريدها من اصحابها وفق قانون (البعث) العراقي. *** بقيت بعد الانفال مجموعات كردية مسلحة في المناطق التي اطلق عليها النظام اسم »الاراضي المحرمة«، وسلكت طريقة الاختفاء في ملاجئ ومغارات لم تصل إليها يد الجيش و(الجحوش)، وبذلك اصبحوا املنا الوحيد. علما انهم كانوا يتعرضون للملاحقة والبحث من قبل الجيش وعناصر من المرتزقة الكردية، وبلغ الامر حد الوحشية، اذ كلف النظام عناصره، من خلال مبالغ مالية خيالية للقبض على اي كردي بقي في الجبال ولم يستسلم. كان على المكلف بتلك المهمة قطع رأس الشخص المستهدف وتقديمه الى السلطات كدليل قاطع على تنفيذ مهمته بجدارة، ولا انسى هنا وجه رجل كردي مسن تم تقديم رأس ابنه (البيشمركة) وهو لا يزال منذ ذلك الوقت يعيش تلك اللحظات المرعبة التي سمع فيها ذلك الخبر المشؤوم. *** سمعنا قصصاً كثيرة ومرعبة عن سجن من خلال »العائدات« الاموات من سجن نقرة سلمان، لكننا عشنا ايام »المجمعات« القسرية بين بيوت مرمية على حد سيوف حراس البعث. بيوت مليئة بأطفال بلا آباء ونساء بلا رجال وأمهات بلا ابناء وأطفال بلا طفولة. لقد استئصلنا من كل حيوية تتعلق بالحياة وتم تجريدنا من اسمائنا وامكنتنا وقرانا وذاكرتنا في صمت لم يدركه سوانا. كانت المجمعات بالتالي شكلا آخر من جنون الموت ونقرة سلمان حيث عناصر الأمن والمخابرات والفرق الحزبية »الزيتونية اللون« على رأس كل شارع او ممشى ما يؤدي الى داخل المجمع. ولا يسعني هنا الا ان اتذكر اشياء اخرى ونحن في تلك الحال، تتمثل هذه الاشياء بالمهرجانات السياسية والفنية والادبية التي كانت تقام في بغداد وكان شعراء وفنانو العرب يأتون الى عاصمة المال ليمجدوا الطاغية ويكرسوا القادسية التي ادعاها لنفسه.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة