As Safir Logo
المصدر:

عمود الشعر

المؤلف: صبحي محيي الدين التاريخ: 2003-04-26 رقم العدد:9482

نظرية عمود الشعر العربي هي النظرية الوحيدة في العالم الوسيط التي تقف في وجه نظرية أرسطوطاليس التي سيطرت على العالم الغربي خلال القرون الوسطى كلها. كما أنها النظرية الوحيدة في ذلك العصر التي لا تقوم على المحاكاة بل على مفهوم القصيدة الغنائية، والشعر الصافي، كما يفهم في القصيدة الحديثة. وهذه النظرية، على أهميتها المحلية والعالمية، تتمتع ببساطة لافتة للنظر، وقد ولدت وتطورت ما بين القرنين الثالث والرابع للهجرة (التاسع والعاشر للميلاد) على يدي الآمدي والقاضي الجرجاني في كتابيهما »الموازنة بين الطائيين« و»الوساطة بين المتنبي وخصومه«. وهؤلاء أعظم الشعراء العرب. وإذن فنظرية عمود الشعر هي اختزال لتجربة العرب الشعرية خلال خمسة أو ستة قرون. قال القاضي علي بن عبد العزيز الجرجاني: »وكانت العرب إنما تفاضل بين الشعراء في الجودة والحسن، بشرف المعنى وصحته، وجزالة اللفظ واستقامته، وتسلم السبق فيه لمن وصف فأصاب، وشبه فقارب، وبده فأغزر، ولمن كثرت سوابق أمثاله وشوارد أبياته« (الوساطة، ص 14). أولا لا علاقة للشعر بالمحاكاة. وهذا تقدم في مفهوم الشعر فصل الشعر عن المسرح، لم تتوصل إليه أوروبا إلا في القرن التاسع عشر. فآنذاك فقط استقل الشعر بنفسه. تتألف النظرية من عناصر تكوينية وعناصر جمالية وعناصر إنتاجية.. فالعناصر التكوينية تتعلق بالمعنى واللفظ: شرف المعنى أي سموه عن ابتذال الحياة اليومية وتعلقه بالمثل العربية العليا من شجاعة ومروءة وكرم. أما جزالة اللفظ واستقامته فتعنيان صحة اشتقاق الألفاظ ودقة معانيها حين تستعمل في المجاز والاستعارة.. تشتمل العناصر الجمالية على عنصري المحاكاة: الإصابة في الوصف والمقاربة في التشبيه وهذا يختلف عن مفهوم المحاكاة عند أرسطو لأنه يعتمد على محاكاة العمل الإنساني، في حين أن الوصف تمثيل للشيء الموصوف. القسم الثالث يضم العناصر الإنتاجية: غزارة البديهة وكثرة الأمثال. أرسطو يستعمل المقياس الكمي بمعنى طول القصيدة، أما المفهوم العربي فينظر الى غزارة إنتاج الشاعر، ويربطها بفحولة الشاعر. ذلك أن غزارة البديهة تدل على قوة الشاعرية أي سرعة رد الفعل الشعري تجاه المؤثرات الخارجية. وهذا يختلف عن المصطلح الشائع »الشعر العمودي« الذي يستعمل بمعنى الشعر الذي يكتب من شطرين، صدر وعجز. والخلط بين المفهومين دليل على جهل المحدثين.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة