معظم الذين تحدثوا في الموسيقى العراقية، اعتبروها حزينة. البعض يرجع هذا الحزن الى تاريخ العراق القديم في مفهومه الكولونيالي، وفي المآسي الاجتماعية التي سادته، وفي صعوبة الحياة، وانعدام الحريات الشخصية، وهيمنة التفكير الديني، وجفاف العلاقة بين الجنسين وكافة الأفكار الرجعية التي كانت تسيطر على المجتمع وتستحوذ على عقول الناس بحيث تشلهم عن الحركة وتمنعهم من تذوق مباهج الحياة. البعض الآخر قال في أسباب أخرى للحزن الكامن في الموسيقى العراقية (وتالياً في الأغنية) كمثل اعتبارها »سمة خاصة بالشعب العربي، تحديداً المزاج العراقي الذي يبحث دوماً عن الحزن. فهو أكثر تمكناً من الاحتفاظ بالشعور التراجيدي منه في الحفاظ على الفرح. أو كما قال البعض الأخير بأن العراقي لا يجد من يستطيع أن يبثه هذا الحزن، وهو شعب عاطفي، لذلك تراه يلجأ الى الموسيقى الحزينة. ولعل هذه الآراء في منابت الحزن في الموسيقى العراقية تصح أكثر من أي وقت مضى، بما يحصل حالياً في العراق، فلعل موسيقاهم الآن تغدو أكثر تفجعا وحزنا ونحيبا. غير أن موسيقاهم لا تقتصر على أحزانها، فلها تاريخها ورفعتها وجمالها وأصالتها، وان يعتقد البغداديون بأن خصائص موسيقاهم تنبعث من اللحن، الإيقاع، الآلات، الأداء. غير أن الإبهام لاحق بتشخيص أي من الخصائص الأساسية للموسيقى العراقية، متّكلين فقط على الحدس وحده لمعرفة موسيقاهم »كل عراقي يعرف موسيقاه«. وهذه المعرفة الحدسية لا تسمح بأن نعتبر أن مجموعة من العناصر قد تكوّن الكل الموسيقي. إلا أن صفات مثل: الهدوء والحزن والملل غالبا ما تثار عندما يتحدث أهل المدينة عن موسيقاهم. مدرسة العراق في الموسيقى، هي من أكثر المدارس العربية أصالة. فالعراق مهد التراث الموسيقي المقتبس عن العباسيين، وتراث »المقام« أقيم ما يضمه التاريخ الموسيقي في العراق. في الكلام على ريادة وأهمية الموسيقى العراقية، لا بدّ أن نعرض هنا الى الآلات الموسيقية والصوتية التي أغنت التخت العراقي، وتعدادها يشكل ردا على بعض الاعتقادات السائدة وشبه الثابتة في أذهان الكثيرين (وفي أذهان بعض العراقيين أنفسهم) حول فقر العراق من حيث تنوّع آلاته، وبأنه لا يمكن العثور على أكثر من خمس آلات رئيسية في الموسيقى العراقية. هذا لا ينفي أن كافة الآلات الموجودة في العراق معروفة في البلاد المجاورة للعراق، وفي البلاد التي خضعت للحضارة الإسلامية، ولا توجد آلة يقتصر استخدامها على العراق دون غيره من البلدان المجاورة. الآلات بطبيعة الحال ان الآلات الموجودة، لا يمكن أن تكون كلها ذات أهمية متساوية من حيث استخدامها، ومن حيث فاعليتها في العزف. فهناك مثلا الآلات الصوتية كالهاون والتنكات والحلي النسائية، وهذه دورها الأساسي غير موسيقي إلا أنها يمكن أن تستخدم استخداما موسيقيا وذلك انطلاقا من التعريف الأثنوموزيكولوجي للآلة الذي يعتبر كل ما يستخدمه الإنسان من أجل استخراج الأصوات هو آلة موسيقية إذا ما جاء الاستخدام متقصّدا. أي أن المظهر الخارجي للآلة ليس هو الذي يحدد دورها كآلة، إنما استخدامها الاجتماعي الموسيقي هو الذي يحددها. عند البدو الرحل، نجد أن آلاتهم تقتصر على »الربابة« ذات الوتر الواحد. ويزداد عدد الآلات نوعيا عند القبائل شبه المستقرة والتي بحكم مجاورتها لأهل الريف قد تأثرت بهم، فنجد هذه القبائل تستخدم »المطبج« (كلارنيت ذو قصبتين) في احتفالاتها كما تستخدم »الزرنة« (الأوبو) و»الطبل الكبير« و»النقارة« في رقصة »الساس«. في مناطق السهول الزراعية يكثر استخدام الآلات الإيقاعية، حيث تستخدم الطبلة الطينية أو الخشبية إضافة الى الدف. وإذا كان الايقاع مهما في هذه المنطقة فإن كل ما يمكن ان يكون مصدرا للايقاع يمكن استخدامه مثل الصينية، التنكة، المسابح اليدوية يضاف اليها »طقات« اصابع اليد.. الخ. ويزداد عدد الآلات وتتنوّع أشكالها في المدن الكبيرة التي اجتذبت أقواماً ذات أصول مختلفة بحكم مؤسساتها الاقتصادية والثقافية وامكانية العمل فيها، فجاءها أعداد هائلة من سكان الريف وسكان المناطق الشمالية الذين جلبوا معهم آلاتهم الى جانب الآلات التي تتميز بالمدينة تقليديا كالآلات الكلاسيكية الغربية مثل »الناي« و»القانون« و»العود« والآلات الكلاسيكية المحلية »كالسنطور« و»الجوزة« وكلها يقتصر استخدامها على المدن الكبيرة فقط. هذه الآلات جميعها عملت على اغناء الموسيقى العراقية، وطالت أغنيتها لما تميزت به من ثراء وفن، فكان لا بد من التلوين على فنون الغناء، لتأتي هذه مستجيبة الى تطلب العزف وسعة صدره، فكان المقام العراقي الذي ولد في القرن العشرين، فجدد في آدابر المطربين الذين غنّوه وأولهم محمد القبانجي ورشيد القندرجي وأحمد الزيدان، وحسين حيوكة (الذي يمتاز بأهدأ أداء عرفه المقام العراقي، والذي أدى المقامات بطريقة متزنة سماتها الرخامة والحس العميق والخيال العاطفي) ثم المؤدي الشهير ناظم الغزالي، هو الآخر من الأسماء البارزة في التجديد والابداع الذي يعد بحق أفضل مؤد عربي وعراقي من حيث الأداء الفني في القرن العشرين، فقد كان شديد الاحساس بجمالية أدائه وتلويناته بين القوة والضعف والضغوطات داخل الجملة الأدائية، وبروح أدائية متحضرة امتلك فيها لب الجماهير بشتى فئاتها وأعمارها، وبذلك فقد اقترب من جعل المقام غناء جماهيرياً. هناك أيضاً أسماء أخرى غنت المقام مثل زهور حسين التي أضافت تعابير جديدة في الأداء المقامي رغم انها لم تؤد المقامات كاملة. كذلك سليمة مراد التي ساعدت شهرتها على تناول المقامات سماعاً لدى الجماهير، كذلك العملاق يوسف عمر الذي تميز بأسلوبه البيئي المعبّر عن بغدادية التعبير المقامي بكل دقة.. كما ظهر شباب جدد على الساح الغنائية المقامية فكان عبد الرحمن خضر وحمزة السعداوي وعبد الرحمن العزاوي وعبد القادر النجار وعبد المجيد العاني وفي السبعينيات جاء سعد عبد الحميد الأعظمي وفاروق قاسم الأعظمي وعلي أرزوقي، وفي الثمانينيات كانت فريدة التي تقف في المقدمة، وكذلك عوني قدوري ومحمود حسين وصباح هاشم وموفق عبد الهادي. هذا بالإضافة الى مساهمات المطربات العراقيات اللواتي أعادن الزهو والشعور المريح الى الغناء المقامي مثل سليمة مراد وزكية جورج وعفيفة اسكندر وصبيحة ابراهيم ولميعة توفيق وزهور حسين (كما ذكرنا) ومائدة نزهت وهيفاء حسين وأحلام وهبي. لقد كان الشكل المؤدى للمقام منذ القرن الثامن عشر تقريبا يعتبر المثل الأعلى للأفكار السائدة في ذلك الوقت او طيلة القرون الماضية. غير ان حلته في القرن العشرين غدت الشكل الأدائي للمقامات عموما الذي يتحرك بديناميكية جديدة، كان مثلها الأعلى تلك البواعث الابداعية في الأداء المقامي التي أنجزها محمد القبانجي، مما أضفى على شكل ومضمون الأداء المقامي نكهة جديدة وإطارا جماليا ومعنى حضاريا جديدا اختلف كثيرا عما كان عليه في القرون الماضية، حيث قطع المؤدون منذ القبانجي شوطا كبيرا في عملية تطوير الأداء المقامي، حتى انحصرت أهمية الدقة في الأداء المقامي على النظرة العلمية والفنية والجمالية، منذ بداية العمل الأدائي حتى نهايته، على أنها تعبير عن القيمة الفنية للعمل كله. في المقام، يمتلك المؤدي شعور يسيطر على كيانه، فهو يبغي التفنن في كل ما هو جميل، فنري أن أداءه ينطوي على جوهر هذا الشعور.. فالقبانجي مثلاً، يمنحنا متعة كبيرة في ادائه الدقيق للمقامات العراقية، فالأداء عنده ليس مجرداً أو جافاً، بل أداء فنياً، مناسباً لذوق المتلقي، وهو تفسير شعوري لما يكتنف أحاسيسه ومشاعره وجمالياته في التذوق الغنائي/الموسيقي. الكلام في الموسيقى العراقية قد يطول الى ما لا يحتمله هذا المقال، فثمة الكثير من فرادتها واصالتها، ولعل من المفيد تدعيم مثل هذا العرض، بمقاربة بعض الرموز الموسيقية التي محضتها اشراقها، وثوابتها، من هذه الرموز الرائع منير بشير، إذ ان قلة من الفنانين يحق لهم ان يشعروا أنهم سادة الفن الذي اختاروه، ومنير بشير أحد هؤلاء السادة، بذلك المزيج الغريب من الغرابة ذاتها والألفة، الذي تميز به عزف بشير. سفير العود »سفير العود والموسيقى العربية في العالم« أو »أمير العود« او »الشاعر الجوال« أو سواها من الألقاب لمنير بشير، سليل الأسرة العراقية (الموصل) التي يجري في دمائها فن النغم، والذي صبّ اهتمامه على مدى سنوات عمره، على بعث التراث الموسيقي العربي. ومن أجل أن نعود ثانية الى المصادر الحية للموسيقى، فنسترجع أجواء وأفكار التقاليد العباسية العظيمة، لا يمكننا أن نجد أحسن من العزف الذي لا مثيل له لمدرسة بغداد منير بشير الوارث الأنقى لتراث الموسيقى التقليدية الشرقية بأصابعه، وبفضل مهارته العظيمة، مهارة المرتجل، فإن العود استردّ سحره وعظمته الماضية. قال عنه الناقد الأميركي بيتر ألن ولسن، بأن ثمة موسيقى للقلب وموسيقى للعقل، وموسيقى الفكر تشكل أوج هذه الثنائيات، فالفن عند منير بشير يكمن في موسيقى الحكمة، هذه التي تولد من الصمت، كما تولد الحكمة من الانسجام والاتفاق. ومثل التصوف، مدرسة التوحد، نراه ينشر هذا الفهم الى آفاقه، وان الاصغاء اليه يتطلب مزيداً من الطاقة الذهنية، ومزيداً من اليقظة أشبه الى مناظرة رجل حكيم. إن تقاسيم منير بشير، تملك التداعي أو استدعاء البلاد العربية الصخرية والصحراوية والفرحة في آن. كما ان موسيقاه هي صدى لألف ليلة وليلة، كما تختزن روحها الإسلامية وتذكرنا بالمغنيات في القصور القديمة، وأغاني القوافل الحزينة من سمرقند الى قرطبة. منير بشير يعلمنا بواسطة عوده قصة الفن الموسيقي المرتبط بإيقاعات الحياة وهي خير ممثل لعلم الحياة. منير بشير موسيقي بديع وصبور وخلق عبر أوتار عوده أجواء روحية وعاطفية عالية. ألحان منير بشير، على الرغم من البناء السيمفوني على آلة واحدة (آلة العود) والبعد الدرامي والصياغة المبتكرة للجملة الموسيقية، إلا انها تكشف عن جذور عابقة بالحزن العميق، ومكتنزة بتراث الشرق الموسيقي كله. جو موسيقاه التعبيري يوقظ أحاسيسنا النبيلة التي يتعذّر على الكلمات التعبير عنها. من مدينة »الأنغام والورود« من الموصل، منير بشير، وقد قال ابن بطوطة عن سور الموصل الشهير: »إنه من أسوار الدنيا العظام، وانه لم ير مثله في أسوار الدنيا إلا السور الذي على مدينة دلهي حاضرة ملك الهند، وهي مدينة عتيقة، ضخمة، حصينة فخمة، طالت صحبتها للزمن، فأخذت أهبة استعدادها لحوادث الفتن، وقد كادت أبراجها تلتقي انتظاماً لقرب مسافة بعضها من بعض. من الموصل إذن، التي قال عنها منير بشير نفسه »في هذه المدينة تعلمت الكلام، وعزفت أول الأنغام« وقد عرف عن أهلها تذوق الموسيقى، حيث يُقال إن أفضل النقاد للسماع هم أهل الموصل وأهل حلب. ولد بشير من أب نجار يعزف ويغني ويصنع الآلات الموسيقية وكان يملك صوتاً حنوناً ويدعى لاحياء الحفلات والأفراح. ولمنير بشير أخ شقيق هو جميل بشير، وكان يعزف على آلة الكمان الى جانب عزفه على العود. عن سنوات الطفولة مع والده وشقيقه جميل يقول منير بشير في كتاب: »موسيقى الحكمة« »كنا نجلس معا، أبي وأخي جميل وأنا، وننصت الى الإيقاعات والتقاسيم التي تنساب من بين أنامل والدي، وكان والدي يغيب معها ويترنّح، ويصمت ويعتدل، ثم يضع عوده ويطلب من جميل أن يعزف، وكان يتركه على سجيته الى أن ينتهي من العزف، ليبدي ملاحظاته على عزفه، ثم يتحوّل إليّ، فأجد الدنيا ضيقة عليّ، من فرط سعادتي فأتناول ريشتي، وأعتصر قرارة الروح لأفوز برضاه، ثم أتوقف للاستماع الى ملاحظاته، ومرّت الأيام، ومع إشراقة كل فجر جديد، كانت تضاف نغمة جديدة الى عالمي الصغير، وكانت روحي تزداد تعلقاً ونشوة، الى أن أتقنت عزف بعض الألحان التركية المعروفة من بشارف وسماعيات ولونغات إضافة الى تعلمي الإيقاعات المختلفة منذ الصغر«. الإسهاب بعض الشيء في الكلام على منير بشير، لا ينفي ريادة جميل بشير في هذا المضمار، فلقد كان هذا الموسيقار الكبير (جميل بن بشير بن عبد العزيز بن جرجس البشير) عملاقا موسيقيا وعربيا وعالميا، وله مؤلفات عديدة منها »ميتود آلة العود وطرق تدريسها«، وهو سجّل وأعدّ الكثير من الأغاني التراثية والحديثة لكافة المطربين، وهو ولد سنة 1921 وتوفي في لندن سنة 1977، بينما توفي أخوه الأصغر منير في بودابست في يوم ذكرى وفاة شقيقه جميل العشرين. أقوام وموسيقات غير أن الفضل كله، ينسب للأب الروحي لتلاميذ الجيل الأول، وهو الشريف محيي الدين حيدر (مؤسس المدرسة العربية لآلة العود) وكان من الأسرة المالكة في العراق والأردن ويعد من أشراف مكة، ولد في أسطنبول وتوفي فيها سنة 1967، وتتلمذ على يديه بالإضافة الى منير وجميل بشير، سلمان شكر (تتلمذت عنده الشاعرة نازك الملائكة) وغانم حداد وعلي الإمام ومعتز محمد وسالم الجبوري وصفوة محمد وخالد محمد علي ومن الجيل الجديد هناك الموسيقار العراقي الشاب، والمجتهد نصير شمة الذي درس العود في معهد الدراسات الموسيقية على يد روحي الخماش وعلي الإمام، وهو يتمتع بطموح كبير وإنجازات رائعة ومثيرة ضمن المدرسة العراقية العربية للعود. تخصص شمة منذ البداية على آلته وأقام العديد من الحفلات منفرداً في الكثير من البلدان. تخرّج من معهد الدراسات الموسيقية عام 1987 ثم قام بالتدريس في تونس والقاهرة وسواها، وله مؤلفات كثيرة ومشاركات خارجية. يصعب التوقف عند أسماء بعينها كانت أساسا وفاعلا في نهضة الموسيقى العراقية وانتشارها في كافة المحافل العربية والعالمية التي ناقشت في أمور الموسيقى وفي خصوصيات تتميز عند هؤلاء وأولئك في موسيقاهم، إذ تحفل الذاكرة العربية، العراقية تخصيصا بإسهامات فنية ليست أقل مما أتينا على ذكرهم. غير أن إيجازا بهذا المعنى، سوف يكون عادلا بالنسبة لهذه المقاربة التي نرغب في الإضافة عليها في مقاربات لاحقة، إذ تبقى الموسيقى العراقية، غنية ذات أساليب مختلفة ومرجع هذا الغنى هو تفاوت طبيعة المناطق الجغرافية (السهول، الجبال، الصحراء) والتي تؤثر وتتضمن الاختلافات في نمط معيشة السكان (البدو وسكان المدن) إضافة الى الاختلافات ذات المنشأ القومي. فإلى جانب العرب الذين يمثلون الغالبية العظمى، توجد أقوام أخرى كالأكراد والتركمان والأقليات الأخرى التي تمتلك موسيقى متميزة في ألحانها، آلاتها وطريقة أدائها. * ثمة اقتباسات من كتابي »الموسيقى العراقية« لشهرزاد قاسم حسن و»المقام العراقي الى أين« لحسين إسماعيل الأعظمي