As Safir Logo
المصدر:

تجديد عناوين السياسة الاقتصادية والالتزام بثوابت »باريس 2« وبرامج الخصخصة ودعم القطاع الخاص البيان الوزاري: لبنان لا يزال بحاجة للوجود العسكري السوري

المؤلف: UNKNOWN التاريخ: 2003-04-23 رقم العدد:9479

لم يطلب مشروع البيان الوزاري الذي انتهت اليه اللجنة الوزارية المكلفة اعداده، من مجلس النواب منح الثقة للحكومة الجديدة، انما »للبلاد من اجل مواجهة التحديات والمخاطر في زمن التحولات الكبرى«. وبدا مشروع البيان الذي يدرسه مجلس الوزراء، غداً تمهيداً لارساله الى مجلس النواب لمناقشته، في بحر الاسبوع المقبل، شبيهاً بالحكومة الجديدة.، اذ انه لاحظ في كل مفاصله استمرارية رئيسها وفريقه الاقتصادي والفريق »المناوئ« له، كما عكس عدم القدرة على اطلاق الوعود الرنانة، بفعل المناخ الاقليمي والدولي، وتحوّل الى طلب ثقة لتكون، على ما انتهى اليه المشروع »رسالة الى اهلنا، اولا ثم الى اشقائنا فالى العالم بأن لبنان على صغر حجمه وقلة عدده، كبير في المجاهرة بالحق، صلب في التمسك بالشرعية وحازم في المحاطفة على قيم الحرية والكرامة والديموقراطية«. وكانت اللجنة الوزارية المعنية قد اجتمعت قبل ظهر امس في السراي الكبير برئاسة الرئيس الحريري، ودرست المسودة والملاحظات وانتهت الى الصياغة التي تنشر »السفير« نصها الآتي: دولة الرئيس، حضرة السادة النواب، تتقدم هذه الحكومة من مجلسكم الكريم وهي تدرك حجم التحديات التي يواجهها لبنان نتيجة الظروف الاقليمية الصعبة التي تشهدها منطقة الشرق الاوسط. تؤكد الحكومة بداية على ان لبنان ملتزم بتنفيذ قرارات الشرعية الدولية، بما فيها القرارات الآيلة الى تحقيق السلام الشامل والعادل والدائم في الشرق الاوسط، غير انه لا يقبل بأي شكل من الاشكال املاءات اسرائيل الهادفة الى فرض هيمنتها على كل ارجاء المنطقة. كما ان لبنان مصرّ على حل كل النزاعات الدولية في اطار الامم المتحدة، وجعل منطقة الشرق الاوسط منطقة خالية من اسلحة الدمار الشامل. ان الظرف الراهن يفرض على لبنان بأن يتمسك اكثر من اي وقت مضى بالشرائع والمواثيق الدولية وحقوق الانسان وحق الشعوب في تقرير مصيرها والدفاع عن استقلالها وسيادتها ووحدة اراضيها بكل الوسائل المتاحة لها، بما فيها الحق المشروع في المقاومة حتى تحرير كامل الارض. تدعو الحكومة الى انسحاب فوري لقوات الاحتلال من كل العراق، وقيام حكومة وطنية نابعة من ارادة العراقيين الحرة وقادرة على ادارة شؤون العراق وثرواته والحفاظ على وحدته واستقلاله وسيادته وسلامة اراضيه والى دور رئيسي مركزي للامم المتحدة. ان الحكومة تؤكد على التضامن مع الشقيقة سوريا لجبه كل الضغوط والاتهامات والتهديدات الموجهة اليها دون وجه حق، ومنها مشروع قانون محاسبة سوريا المعروض على الكونغرس الاميركي والذي يصيب لبنان بقدر ما يصيب سوريا وأكثر. ان التحديات الراهنة تقودنا الى المزيد من التعاون والتنسيق مع سوريا لمواجهة مشتركة لتحديات الصراع العربي الاسرائيلي في المرحلة القادمة. كما تمت مواجهته في المرحلة السابقة التي عرفت انتصار لبنان ومقاومته الوطنية على اسرائيل وإجبارها على الانسحاب من معظم الاراضي اللبنانية المحتلة من دون قيد او شرط. ان استمرار التحديات والمخاطر التي تتهدد لبنان تؤكد استمرار حاجته الى دعم سوريا وجيشها الذي نعتبر وجوده على ارض لبنان ضرورياً وشرعياً ومؤقتاً وتحدده الحاجات الاستراتيجية المتفق عليها بين الدولتين. ولا بد من التأكيد على ان الحكومة مصممة على استكمال تحرير ما بقي محتلا من ارض لبنانية وعلى تحرير الأسرى وتأكيد السيادة على المياه وحقها في التعويض عن الاضرار والجرائم الناجمة عن الاحتلال والاعتداءات الاسرائيلية. كما ان الحكومة تؤكد التزامها بشكل واضح بتلازم المسارين اللبناني والسوري في الصراع العربي الاسرائيلي من كل جوانبه، وتحرير هضبة الجولان الى حدود الرابع من حزيران من عام 1967، ودعم انتفاضة الشعب الفلسطيني لإقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس، وحق عودة الفلسطينيين ورفض توطينهم تحت اي شكل من الاشكال ولأي ذريعة من الذرائع والتمسك بقرارات القمة العربية التي عقدت في بيروت. ان العلاقات المميزة بين لبنان وسوريا هي خيار ثابت ومصيري يمليه التراث والتاريخ والجغرافيا والاخاء والمصالح المشتركة، وليست رهاناً موسمياً يتوقف على الظروف، ونحن مصممون على تعميقها سياسياً وثقافياً وتطويرها اقتصادياً وعلى تعزيزها عن طريق انجاز المشاريع المشتركة وتنظيم تبادل التسهيلات والخدمات والخبرات في اطار معاهدة الاخوة والتعاون والتنسيق اللبنانية السورية ومؤسساتها. كما اننا حريصون على تعزيز التعاون الثنائي والجماعي بين الدول العربية بهدف قيام تكتل اقتصادي عربي كبير في زمن التكتلات العملاقة والاقتصادات المفتوحة. تعتزم الحكومة المضي في تعزيز علاقات لبنان بأصدقائه في العالم وبالدول الصديقة والمنظمات الدولية وفي مقدمها الاتحاد الاوروبي لتطوير العلاقات السياسية والاقتصادية والتكنولوجية معه. ان الحكومة تتمسك بقوة بالثوابت والمسلمات العائدة لمبادئ السيادة والاستقلال والحريات، والتمثيل الديموقراطي الصحيح التزماً بوثيقة الوفاق الوطني وبنصوص الدستور، وتأمين الانماء المتوازن لكل المناطق. وتدرك الحكومة ان قواعد العيش المشترك والوحدة الوطنية والعدالة الاجتماعية والشفافية المالية والادارية هي اسس الاستقرار والازدهار. ان الحكومة ستبقى حريصة على ضمان تعزيز استقلالية القضاء بما يؤمن للمواطنين الضمانة الحقيقية لحقوقهم وحريتهم. إن الحكومة ستولي المغتربين اللبنانيين أهمية خاصة، وستعمل على احياء المؤسسات اللبنانية الاغترابية ووحدة الجامعة الثقافية اللبنانية في العالم لمؤازرة الدور الدبلوماسي اللبناني وتفعيله ولدعم الاقتصاد الوطني. إن الدولة اللبنانية ليست مسؤولة فقط عن استقرار الوطن وأمن المواطن، بل هي مسؤولة أيضاً عن رعاية الإنسان اللبناني، والسهر على تنميته وترقيته، وتلبية حاجاته المعيشية الملحة، وضمان حقوقه، وفي مقدمها حقه في التعليم والصحة والبيئة السليمة، والسعي لتأمين المسكن وضمان الشيخوخة. إن القضية الوطنية مرتبطة عضوياً بالمسألة الاجتماعية، والمسألة الاجتماعية مرتبطة مباشرة بالمشاكل الاقتصادية والمالية. دولة الرئيس، حضرة النواب، لقد حقق لبنان من خلال البرنامج المالي والاقتصادي الذي اعتمده في العامين 2001 و2002 تقدماً ملموساً في عملية إصلاح الوضع المالي وتفعيل حركة الاقتصاد. وقد أسهم في تحقيق هذا التقدم انعقاد مؤتمر باريس 2 الذي ما كان له أن ينعقد أو أن ينجح لولا الجهود التي سبقته لجهة السير في عمليات الإصلاح المالية والاقتصادية ولولا الاستقرار والمصداقية والاستمرار في الالتزام بما تعهدت به الحكومة السابقة أمام اللبنانيين وأمام المجلس النيابي وأبلغته الى المشاركين في مؤتمر باريس لجهة الالتزام بمتابعة الاصلاح المالي والاقتصادي. والالتزام بتخفيض العجز. إن التطورات الايجابية التي تحققت حتى الآن اسهمت في تعزيز الثقة بلبنان واقتصاده وأظهرت بوضوح صوابية الخط والبرنامج والاجراءات التي اعتمدتها الدولة اللبنانية لتصحيح المالية العامة ومعالجة الشأنين الاقتصادي والاجتماعي وفتحت أمام لبنان فرصة سانحة يجب التضامن من حولها وعدم تفويتها والدفع بعزيمة أكبر لتعزيز تعميقها بما يعزز الاستقرار المالي والاقتصادي. ويتوازى هذا التقدم الحاصل، مع التحدي المستقبلي الذي يظل كبيراً، حيث يشكل الدين العام وعبء خدمته، عاملي ضغط أساسيين على الأوضاع الاقتصادية والمالية. إن الحكومة إذ تدرك دقة الظروف الدولية والاقليمية لا سيما في أعقاب الحرب على العراق وحراجة التطورات الاقتصادية العالمية والتي تطرح جميعها تحديات كبيرة تستوجب من لبنان المثابرة على تحصين وضعيه الاقتصادي والاجتماعي بحيث يكونان جاهزين للافادة من الفرص المتاحة ومن التكيف مع التحولات الاقتصادية والمالية. لذلك ترى الحكومة ضرورة العمل على تسريع تنفيذ وتعميق برامج المعالجات الاقتصادية والمالية، وتسريع وتيرتها، وإكمالها بإجراءات جديدة محددة وإصلاحات بنيوية اضافية يتوجب التقيد بتنفيذها بكاملها، ومتسلحة لهذه الغاية بما أنجز لتاريخه من تعاون مجلسكم الكريم واستمرار تعاونه في المرحلة الراهنة لتأمين الدعم اللازم والكامل لهذه الخطوات الاصلاحية. ومن ذلك الاستمرار في تخفيض العجز في الموازنة وزيادة الفائض الأولي والخفض التدريجي لمعدلات الفائدة وتقليص حجم الزيادة في الدين العام وتخفيضه بنتيجة أعمال التخصيص وكذلك زيادة معدلات النمو وتعزيز انطلاقة دور القطاع الخاص وزيادة انتاجيته ومبادراته وسعيه لإيجاد فرص عمل جديدة بما يؤمن آفاقاً اجتماعية أفضل للمواطنين بالتزامن مع مسعى جدي لترشيق القطاع العام وخفض كلفته وزيادة انتاجيته. يرتكز الشق الاقتصادي والمالي من برنامج الحكومة على عدة محاور أساسية ومترابطة، وهي: أولاً: إتمام عمليات التخصيص والتسنيد بشفافية كاملة، وبمردود مالي مجزٍ، يتمشى مع المعايير التي تضعها كبريات المؤسسات المالية الدولية المتعاقدة مع الحكومة لإعطائها المشورة في عمليات التخصيص مع التأكيد على أن القرار النهائي يبقى لمجلس الوزراء. إن هذه السياسة التي تلتزمها الحكومة لتخفيض حجم الدين العام ولتحفيز النمو وتحقيق منافع اقتصادية ومالية من خلال ادارة أفعل وخدمة افضل وكلفة أدنى للمرافق التي يجري تخصيصها على أن يكون ذلك كله ضمن إطار يؤدي الى تحرير هذه القطاعات ويكفل عدم التسلط والاحتكار ومن خلال آلية فعالة لمراقبة المرافق التي يجري تخصيصها بما يسهم أيضاً في زيادة حجم وتعميق السوق المالية في لبنان، وفتح باب الاكتتاب أمام أكبر عدد من اللبنانيين وللصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، ومع اعطائهم الوقت الكافي، للمساهمة في القطاعات قيد التخصيص. ثانياً: تحقيق خفض ملحوظ ومستمر في مجموع الانفاق العام بما يعزز الجهود المبذولة لضبط الانفاق الجاري وحصر النفقات الاستثمارية وبالقدر المستطاع على المشاريع الممولة بمعظمها من الخارج والمشاريع ذات الضرورة القصوى بحيث يتم الالتزام الكامل بحدود العجز الذي تم التعهد به أمام مجلسكم الكريم بحيث يتكيف الانفاق وبشتى وجوهه وبشكل كامل مع واردات الموازنة ومع تحقيق عمليات التخصيص. ان الالتزام بالعجز المحدد في قانون الموازنة للعام 2003 أصبح التزاما مستمرا يتوجب المحافظة عليه. وبما ان عملية التخصيص لا زالت قيد الانجاز حتى تاريخه وبالتالي لم تحقق بعد المردود المالي المتوخى من ورائها، والى ان يتم ذلك، فإن الحكومة ستعمد الى تكييف حجم الانفاق من الموازنة العامة بما يتناسب وحجم الايرادات المحققة وذلك من أجل الاستمرار بالالتزام بمبالغ العجز ونسبه. ثالثا: استكمال سياسة اصلاح وتحديث النظام الضريبي اللبناني ومعالجة ما يعانيه من مشاكل بنيوية توصلا الى تطبيق الضريبة الموحدة على الدخل المحقق في لبنان. رابعا: الاستمرار في الحفاظ والعمل على تعزيز الاستقرار النقدي والمالي، الذي هو أحد أهم أسس الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي والوطني. خامسا: متابعة أعمال النهوض الاقتصادي والتنمية بالوتيرة التي تتيحها امكانيات الدولة. وباستخدام الأموال والاتفاقيات الموقعة مع المؤسسات الدولية والدول الصديقة وبما جرى رصده من قروض ميسرة بنتيجة مؤتمر باريس 2. سادسا: استمرار دعم القطاع الخاص، وتشجيعه على العمل والتوسع في ايجاد فرص العمل الجديدة، وتسهيل سبل الاستثمار، والبناء على الخصائص الأساسية والميزات التنافسية للاقتصاد اللبناني القائم على تشجيع المبادرة الفردية وعلى الضمانات القانونية للملكية، وتعزيز التوجهات نحو اعتماد اقتصاد المعرفة. ولذلك فإن الحكومة ستدفع باتجاه انجاز قوانين وتشريعات سوف تتمنى على مجلسكم الكريم النظر فيها وإقرارها وتتعلق بجملة من الأمور ومن ضمنها: أ تعديل أحكام قانون المحاسبة العمومية بما يسهم في تحسين إدارة المالية العامة والانفاق ويؤدي الى تعزيز أعمال الرقابة على الأداء. ب تعديل أحكام نظام المناقصات بما يساهم في ترشيد الانفاق وتحسين مردوديته. ج تعديل أحكام قانون التجارة بهدف تشجيع الاستثمار المحلي والخارجي لكي يواكب هذا القانون التطورات والتحولات الجارية على صعيد التقنيات وأساليب الاتصال والتجارة الالكترونية بما يؤدي الى تعزيز مكانة لبنان في التبادلات التجارية الدولية. د تطوير قانون البلديات وتعزيز صلاحياتها وذلك ايمانا منا بالديموقراطية المحلية وتمكينا للمواطنين من ان يشاركوا في كل مستويات القرار البلدي والوطني ممارسة ومحاسبة. ه وضع تشريع عصري يرعى تجارة الترانزيت ويشجع عليها. و تعديل بعض أحكام قوانين البناء مما يبسط ويفعل عمل المستثمرين في هذا القطاع الحيوي. ز العمل على وضع التشريعات اللازمة لقانوني تسنيد الموجودات وهيئات الاستثمار الجماعي والتشريعات اللازمة لتطوير الأسواق المالية بما في ذلك أسواق سندات الخزينة. ح انجاز الخطوات القانونية اللازمة لاستحداث الضريبة الموحدة على الدخل وتطوير النظام الضريبي. ط اصدار قانون عصري للعمل. دولة الرئيس، أيها الزملاء، إذا كانت المواجهة السياسية سمة المرحلة الأساس وإذا كان الاصلاح الاقتصادي من شروط اكتساب المناعة الوطنية فإن معالجة الشأن الاجتماعي تبقى الضمان الأكيد لاستقرار السياسة وبسط الأمن وتعافي الاقتصاد وبالتالي انطلاق النمو المنشود بمواكبة شعبية تصون شموليته وتؤمن ديمومته. من هنا تطرح الحكومة عنوان الاحتضان الاستثنائي للواقع الحياتي ليتلازم والظرف الاستثنائي الذي نمر فيه. فالرعاية الاجتماعية مدخل الى الاستقرار الوطني. والاستقرار الوطني مفتاح السلم الأهلي. والحكومة ستسهر على ترجمة هذا المبدأ في الحقول كافة، تعزيزا وتحصينا للوحدة الوطنية الحقيقية الممتدة أفقيا على امتداد لبنان والمتجذّرة عموديا في كل شرائح مجتمعه، بما يرسخ مفهوم الإنماء المتوازن بين جميع المناطق اللبنانية. والحكومة مصرّة بالتالي على تحقيق هذه الرعاية للمواطنين جميعهم بتناول المسائل التي كانت ولا تزال وستبقى شغلهم الشاغل ومصدر همومهم الأول في حياتهم اليومية، من تأمين التعليم لأولادهم في جميع المراحل الى توفير الطبابة والاستشفاء لأفراد عائلاتهم الى معالجة أوضاع الاحتياجات الخاصة، اعاقة او عسرا او بطالة او شيخوخة. ان الحكومة ايمانا منها بأهمية مشاركة المرأة في كل المجالات ستعمل على تعزيز حضورها في كل المرافق العامة والخاصة وصون حقوقها لتمكينها من القيام بدورها على أكمل وجه. والحكومة ستسعى الى تأمين ديموقراطية التعليم توفيرا لتكافؤ الفرص. وسيكون ذلك من خلال تخفيض كلفته ورفع مستواه. وان في نيتها، خلال أشهر قليلة وبتمويل خارجي إنجاز أو تلزيم بناء عشرات المدارس في جميع المناطق اللبنانية وفي العاصمة وضواحيها حتى يتأمن التعليم لكل طالب علم. والحكومة تدرك في هذا السياق أن الشباب اللبناني يعيش أزمة الحاضر وقلق المستقبل. والشباب هم باب لبنان الى المستقبل، فإذا هاجروا، كما يحصل في الوقت الحاضر، يخسر لبنان مستقبله وعقله ومعرفته وقدرته وطاقته على الاستمرار. أما بالنسبة للجامعة اللبنانية، فإن الحكومة ستستمر في العمل على رفع مستواها واستكمال بناء صرحها الجامعي، وستبقى الحكومة معنية بالحفاظ على الاستقلال الأكاديمي والإداري للجامعة، وعلى تعزيز المردودية العلمية والاقتصادية والاجتماعية للإنفاق على الجامعة اللبنانية. وإذا كان رفع شأن التربية والتعليم كماً ونوعاً وضرورة ربطه بمتطلبات سوق العمل والتنمية الاقتصادية يؤمن إدراك واستيعاب أجيالنا الجديدة لمتغيرات العصر، فإن الاهتمام بصحة المواطنين يشكل هو أيضا جزءاً من التراث الديموقراطي اللبناني كون الصحة حقا من حقوق الإنسان. ولبنان الذي يعتز بأنه وفّر، الى حد بعيد وبأدوات مختلفة الاستشفاء للجميع والدواء للأمراض المزمنة والمستعصية لا يزال يطمح الى تحسين مستوى ونوعية الخدمات الصحية وتخفيف فاتورتها لكي يترسخ دور هذا القطاع الرائد على المستويين الوطني والعربي. ولتحقيق هذه الغاية ستقوم الحكومة فورا بتعميم تجربة استقلالية المستشفيات الحكومية على الوحدات المنتشرة في لبنان كما وستجعل من مستشفى بيروت الحكومي الجامعي، الذي أنجز بناؤه وتجهيزه، المرجع الطبي والتعليمي الرفيع للقطاعين الرسمي والخاص وعلى مستوى المنطقة العربية بكاملها. وفي الحقل الاجتماعي، فإن الحكومة ستوفر للوزارات المعنية وفي طليعتها وزارة الشؤون الاجتماعية إمكانيات تطوير خدماتها، المباشرة منها، أو تلك التي تؤمنها من خلال القطاع الأهلي، وتؤكد في هذا المجال سعيها المستمر الى دعم وتفعيل دور الجمعيات الأهلية والمنظمات غير الحكومية بحيث يتكامل دورها مع دور القطاع الخاص، كما أن الحكومة ستولي شؤون العمل أولوية مطلقة تطويقا لظاهرة البطالة. ومن أجل المحافظة على حقوق العمال في حاضرهم ومستقبلهم، ستعمل الحكومة في الأسابيع القادمة على حسم القضايا العالقة في مؤسسة الضمان الاجتماعي بتشكيل مجلسه ولجانه وإقرار التشريعات المطلوبة والإصلاحات المنتظرة والتقديمات المرجوة، كما والضمانات التي تحفظ لها المرفق الوطني الحساس ديمومته وتوازنه وشفافيته. وأمام الحكومة طبعا ورشة كبرى تتعلق بقوانين الشيخوخة وسلامة العمل وضمان حوادثه، وإحياء وتفعيل المؤسسات الثلاثية التكوين لا سيما المؤسسة الوطنية للاستخدام واللجنة التحكيمية والمجلس الاقتصادي الاجتماعي بغية تفعيل الحوار الاجتماعي في لبنان. وإذا كانت مشاكل الإسكان في طريقها الى إيجاد الحلول المتنوعة والمؤاتية لها، تسليفا وإقراضا وتعويضا ومن خلال قانون عصري ومتوازن للإيجارات هو، الآن، بعهدة مجلسكم الكريم، فإن الحكومة مدركة بأن أوضاع المحيط البيئي تتطلب التزاما شاملا رسميا وشعبيا. وهي ستولي هذا الشأن اهتماما مميزا حفاظا على صحة المواطنين وعلى مصادر المياه وحماية لاقتصادنا السياحي والزراعي والصناعي. وستعمل الحكومة على تفعيل وترسيخ دور وزارة البيئة عبر العمل على استصدار القوانين والمراسيم التطبيقية المتعلقة بدورها التخطيطي والتنفيذي والرقابي، كما فيما يتعلق باستصدار قوانين الكسارات والشواطئ والمحميات وحماية الينابيع وغيرها. والحكومة ستمضي، ضمن الإمكانيات المتوافرة في استكمال وصيانة شبكات الطرق. وترى أن من أول مهامها إنجاز الأجزاء المتبقية من أوتوسترادي بيروت دمشق وشتورا حمص لترسيخ موقعنا في اقتصاديات الغد العربي. وعلى صعيد النقل فهي ستعمل على تطوير التكامل بين دور القطاعين العام والخاص لتأمين التغطية لكل المناطق اللبنانية. أما النقل الجوي الذي عرف نقلة نوعية بفتح الأجواء وبتعافي شركتنا الوطنية وبتشغيل كامل أقسام مطار بيروت وبإعداد قوانين بتنظيم الطيران المدني، فإنه سيبقى موضع اهتمام خاص لارتباطه الوثيق بتطوير السياحة والنقل وترسيخ دور لبنان المحوري في المنطقة. إن الحكومة في معرض وفائها والتزامها تحصين الاستقرار الداخلي ترى من الضرورة بمكان السعي الى إعادة الحياة الى طبيعتها في المناطق المحررة وتثبيت واستقرار المواطنين فيها باستكمال دفع التعويضات عن المنازل المتضررة والمدمرة. دولة الرئيس، أيها الزملاء، في ختام الكلام عن الشأن الاجتماعي لا بد من التأكيد مرة أخرى على أهمية وضرورة اقفال ملف المهجرين الذي يعتبر جزءاً من قضية عودة الوطن الى ذاته وعافيته، ولأن هذه القضية الوطنية الكبرى التي وضعتها وثيقة الوفاق الوطني في قمة الأولويات تتطلب الاسراع في حسم آخر مراحلها، بانجاز المصالحات وإخلاء الممتلكات المشغولة وتعويض الاضرار، فإن الحكومة ستعمل على توفير مستلزمات العودة وإعادة البناء لتمسح آخر جراح الأحداث الأليمة بما يلغي نهائياً رواسبها الديموغرافية والاجتماعية والاقتصادية. دولة الرئيس، أيها الزملاء، إن استعادة العافية السياسية والنفسية والاقتصادية والبنوية تؤمن للحكومة الجديدة الأرضية الصالحة للاستمرار في استنهاض وتطوير القطاعات الانتاجية، مستفيدة من ميزاتها التفاضلية. فالصناعة التي تتفتح على آفاق الغد التكنولوجي ستجد لدى الحكومة اصراراً على تعزيز اجراءاتها، لدعمها ولتوفير المناخ الاستثماري المناسب لنموها وتسهيل إقامة المنشآت الصناعية خصوصاً المتطورة منها، مركزة على تخفيض كلفة الانتاج وتوفير التسهيلات المالية المنخفضة الكلفة والدفع باتجاه تحسين الانتاحية تأميناً لتنافسية المنتجات السلعية اللبنانية. أما السياحة العائدة بسرعة الى سابق ازدهارها فستستمر الحكومة في سياسة تشجيع الاستثمار فيها مع إيجاد تشريعات وإجراءات تسهم في تطوير القطاع السياحي لتشجع وتسهل القدوم الى لبنان وتفعل الاعلام السياحي الخارجي وتوسع السوق السياحية اللبنانية لتشمل السياحة الثقافية والصحية والمؤتمرات. وسنعمل على تشجيع نمو وتوسع التجارة التي تشهد تحولات جذرية على صعيد التشريعات وأساليب الاتصال في مناخ عربي ودولي حافل باتفاقات التنسيق والتسويق والشراكة. أما الزراعة فستحظى باهتمام خاص من الحكومة، المدركة لتداعيات الحصار الذي يواجه هذا القطاع الواقع بين مطرقة التقصير الداخلي وسندان المنافسة الخارجية. ويستدعي هذا الوضع اعتماد سياسات تهدف الى ايجاد البدائل والى حمايات مبرمجة وكذلك الى دعم بعض زراعاتنا التقليدية مما يسهم في تخفيف المعاناة برفع مستوى الدخل في الأرياف والحد من الهجرة الى المدن. كما ستسعى الحكومة الى مزيد من الاستفادة من ثروة لبنان المائية السطحية والجوفية، والسعي الى انشاء السدود والبحيرات وايجاد ادارة عصرية لاستخدام المياه وترشيد استعمالها، كما واستكمال وتوسيع شبكات المياه وتحديثها بالتعاون مع القطاع الخاص. ولأن نجاح أي برنامج حكومي يبقى رهناً بإدارة حديثة وكفوءة، فإن العمل سيستمر في متابعة المعالجات لمشاكلها والعمل على تطويرها تحديثاً وعصرنة ومكننة وتدريباً وكذلك زيادة انتاجيتها، عبر تزخيم التنمية الادارية واعتماد برامج تدريب متخصصة ومستمرة تعمل بهدي من روح العصر وتطوراته السريعة بما يمكنها من تحقيق مهمتها الا وهي خدمة أفضل للمواطنين وتأمين حاجات تطور الاقتصاد، وضبط وتبسيط أساليب الادارة وتحجيمها. وستعمل الحكومة على استكمال عملية المسح والكيل والمكننة للدوائر العقارية والمساحة، بما يخدم تحقيق الانماء المتوازن مع الحفاظ على الثروة الزراعية والحرجية والطبيعية والأثرية، وتشجيع أعمال الضم والفرز العام في مناطق الشيوع لتحرير مالكيها من هذا الشيوع. دولة الرئيس، أيها الزملاء، لم تطلق الحكومة في بيانها هذا وعوداً رنانة، فهي مدركة انها محكومة بمناخ الظروف والتحديات الإقليمية والدولية المحيطة بها. لذا فإن الثقة التي نطلب اليوم من المجلس الكريم ليست للحكومة. إنها للبلاد، من أجل مواجهة هذه التحديات والمخاطر في زمن التحولات الكبرى على صعيدي المنطقة والعالم. وهي ثقة لا نطلبها لأنفسنا بل لنحولها رسالة الى أهلنا أولاً ثم الى اشقائنا فإلى العالم بأن لبنان على صغر حجمه وقلة عدده، كبير في المجاهرة بالحق، صلب في التمسك بالشرعية، حازم في المحافظة على قيم الحرية والكرامة والديموقراطية.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة