بإحساس مقيم وعنيد، في أنه روبنسون كروزو، قام الباحث الهولندي مارسيل كوربرشوك، الرحالة النهم لتحري القبائل ونبش ماضيها، برحلته الغريبة عبر فيافي الربع الخالي، مذعنا لصوت روحه الملح إلى الصحراء العربية التي شكلت عبر التاريخ وحياً استلهم منه شعراء البادية قصائدهم. كوربرشوك ليس أول الرحالة الغربيين الذين يقصدون الصحراء لتقصّي تاريخها وتاريخ القبائل التي سكنتها، وفك رموز شعرها البدوي وألغازه، والإطلالة من خلاله على ما اكتنف هذه البادية الغامضة من حروب القبائل وغزواتها، ومن مغامرات شعرائها، فقد سبقه إليها الكثير من الرحالة الغربيين المهتمين، غير أنه وحده، كوربرشوك الهولندي، من تفوّق عليهم ليس بشغفه الى الترحال، بل في موضوع ذلك الشغف وترجمته، تلك الترجمة التي ينبئ عنها كتابه »البدوي الأخير« الصادر عن »دار الساقي«. كتاب ضخم يضمّ بين دفتيه 318 صفحة من القطع الكبير، وتقسم أبوابه الى أربعة يستهلها الكاتب بمقدمة معنونة ب»على كثيب«. أما الأبواب فتحت العناوين التالية: »عتيبة«، »شمّر«، »الدواسر«، »الدندان« وقد ترجم له عبد الإله النعيمي. على امتداد عامين استغرقت رحلة الكاتب، مخلّفا وراءه العالم المأهول والحضارة والمواظبة والنظام والروتين، قاصدا تلك الرقعة العذراء من العالم على ظهر سفينته الصحراوية الآلية، حافظا فيها كل ما احتاجه للبقاء من أوان وقدور واسطوانات غاز وما يكفي شهورا من تموينات الطوارئ، بالاضافة الى خيمة بدوي كاملة، وصناديق مليئة بنسخ مصوّرة من قصائد وحكايات »عتيبة« و»الدواسر« وغيرهما من القبائل السعودية التي التقاها في رحلته. غاية غاية الباحث الهولندي في تلك البلاد الصحراوية هي الانغماس في حياة البدو وحفظ أشعارهم، بل ومنازلتهم ايضا في قراءة تلك الأشعار بلهجتهم البدوية، وهو في كل ذلك يدوّن ما يشاهد ويسمع. كانت قبيلة »عتيبة« بداية بحثه، وهي الأكثر سعودية من بين سائر القبائل. أبية مستقلة، متفوقة في فروسيتها، وضع السعوديون نهاية لاستقلالها غير انها عوضت ذلك بما نالته من سمعتها عن حماستها الدينية بلا مهانة. وهي وليدة مزاوجة بين روح البدو القتالية وعزوفهم عن المظاهر المترفة والعقائد المتزمتة. من »عتيبة« انتقل الكاتب الى قبيلة »شمّر« وعاصمتها »حائل« مركز جبل شمّر، وتمتد نحو العراق وسوريا. وبالمعايير السعودية فالمدينة تمتلك سحرا رعويا خاصا، وهي نظيفة نظافة مدهشة، ويصف الكاتب كيف لاقى في ربوعها جذله الخاص تحت أشعة الشمس، واستمتع بساعات لا عدّ لها بذلك الشعور بالتحرر من الأعباء، الذي ينتاب المسافر خلال رحلاته عبر الجزيرة العربية. كوزموبوليتيك »الدواسر« هي محطته الثالثة، وهي أول بقعة من الخضرة يصادفها الرحالة في صحراء الربع الخالي. بلاد ذات توجه كوزموبوليتي حيث تعايش المسلمون واليهود دائما بجانب بعضهم البعض، وحيث أفق السكان يمتد أبعد باتجاه أفريقيا والهند. وهي أيضا، وبالمفردات الثقافية، أعمق نقطة في الجنوب العميق حيث الأفق يبدو أكثر قربا من أي مكان آخر. من »الدواسر« إلى الدَّخول وحومل، المكانين اللذين لا يعدوان أكثر من اسمي مكانين قرأ عنهما الرحالة الغربيون في شعر امرئ القيس، وظلا غامضين دونهم ومستعصيين على كل الرحالة، ما عدا كوربرشوك الذي كان أول غربي يطأ هذين الجبلين، ويتحرّى عن سر العلاقة التي تربط امرأ القيس بهما. أخيرا، يعرض الكاتب الى »الدندان« وهو الاسم الفني الذي أطلقته قبيلة الدندان على شاعرها (الكلمة مشتقة من الدندنة بجرس موسيقي) أما أبياته فتكاد تكون ملموسة، وهي تأتيه خافقة أجنحتها من كل حدب وصوب، وتغطّي قلبه كأسراب الجراد الذي يحطّ على شجرة في المساء. نظم الشعر عند »الدندان« لا إرادي، والكاتب في هذا الجزء من كتابه يعرض إلى علاقته بهذا الشاعر، كما يعرض الى قبيلته وتراثها الشعري. لغة ما جذب الباحث الهولندي إلى الجزيرة العربية، بالاضافة إلى استكشاف المكان، والصحراء واللغة العربية التي شكّلت هوسه الملح، والتي تلقّفها عبر أشعار قاطني تلك الأماكن. من الغرابة بمكان أن يجتهد باحث غربي الى قلب الصحراء العربية، للملمة تراثهم الشعري ومشاركتهم نظمه (قصائده الكثيرة في الكتاب تشهد ذلك) وإلقائه بصنفيه القصيد والنبطي فالشعر في الجزيرة العربية نشاط يومي يمارسه الجميع، الأمر الذي حفّز الباحث الهولندي الذي أثبت عبر كتابه وقصائده ومخزون ذاكرته، على أن يبدو غير مبتدئ في عالم القبائل، خصوصا حين يستعير لسانها في قول الشكل الشعري النبطي السائد في تلك الأماكن. عدا عن الشعر الذي زخّر الكتاب بالكثير من القصائد، مبينا نسبها وقائلها وظروف إلقائها، يحفل الكتاب أيضا بمقاطع طويلة من الوصف الخالص لكافة مجريات الرحلة التي طالت في غياهب الصحراء الممتدة والواسعة. ذلك الوصف الذي طال كافة تحولات أيام الباحث، من قيظها الشديد حتى ابترادها إبان الليل والنهار، كما عرض الكاتب إلى جغرافية الخضرة فيها والجفاف، وإلى علاقته المتينة بشخصيات عربية كثيرة (شعراء وشيوخ قبائل وهامشيين) تعرّف إليها الباحث أثناء بحثه. في (»البدوي الأخير« القبائل البدوية في الصحراء العربية) نقف على تفاصيل الحياة في البادية، بما فيها الحياة الناقصة للنساء، من وجهة نظر غربية بالطبع وغير حيادية. فهنّ على جاري العادة، محظور عليهن التخالط مع الرجال، ويتحركن كالأطياف خارج دائرة الحياة الذكورية. تمييز يعرض الكاتب أيضا إلى التمييز الذي تمارسه القبائل بين العرب الأقحاح وغيرهم ممن وفدوا على الجزيرة، فنجد هذا التمييز مجحفا بين ناس المكان ذاته، فكيف في نظرتهم الى الباحث الغريب الذي لا يمتّ لهم بصلة، لا دينا ولا معتقدا، الأمر الذي يرتب على الباحث الكثير من المصاعب والمواقف المشوبة بسوء الفهم، من منطلق نظرة المجتمع البدوي المسلم الى »الآخر« هذا رغم الحفاوة التي يقابل بها الباحث. هناك أيضا بين الفصول وفيها، مقاربة جدية الى أصناف طعام القبائل، وإلى حروبها في ما بينها طلبا للماء والرعي، وأيضا نظرتها بشيء من القداسة الى اقتناء الخيول. كتاب مليء بتناقضات مثيرة ولافتة، أعاد فيها كوربرشوك اكتشاف حياة قبائل البدو على طريقته، وخلقهم من جديد من وجهة نظره.