As Safir Logo
المصدر:

بغداد المهزومة في أذهان السعوديين.. لكن هل مات صدام؟

المؤلف: جابر عبير التاريخ: 2003-04-16 رقم العدد:9474

كانوا أربعة شبان عرب: سعوديان، لبناني، وعراقي من أصل سعودي. كانت الأحاسيس تنقل نبض الشارع السعودي وأحاسيسه المتناقضة بعض الشيء. الكثير من الإحباط مع بعض الحزن الى قليل من الصدمة والخيبة وكمية ضئيلة من الفرح، مع الكثير من الترقب والانتظار. »منذ سقوط بغداد لم نعد نشاهد نشرات الأخبار إلا في ما ندر« يقول السعودي، فهذه الحالة من اللامبالاة ولّدها النقل المباشر للأخبار بوتيرة توحي بأن »العراق سينتصر«. حزن يعبر عنه السعودي من »عدم وجود المقاومة« فيوافقه اللبناني بشيء من الزهو »بلبنان قاومنا حتى انتصرنا«. أما الصدمة فمردها سقوط بغداد »السهل«، و»التهديد والوعيد الذي اعتاده صدام ولم يقم به«، مع الخيبة التي تظهر من تصوير العراقيين كشعب مهزوم مستسلم »سارق وناهب« يقول العراقي. أما الفرح فهو لسقوط النظام الذي أضنى العراقيين على مر السنوات »فرحنا لانهيار النظام الظالم«. فقط. هذه الوقفة ضد النظام تعبر عن موقف وسط بين العراق وأميركا فيشرحها العراقي بأن »الشعب السعودي مثل الشعب العراقي، يريد انتهاء النظام الظالم لكنه لا يريد رجلا أميركيا على رأس الحكم في بغداد«. إذاً، لماذا لم يقاوم العراقيون صدام من قبل والأميركيين اليوم؟ يسأل اللبناني بتعجب واضح. ويبدأ النقاش. آراء متعارضة تصل الاختلاف الحاد في وجهات النظر. »لقد فضل العراقيون الاحتلال على النظام الظالم«، يقول أحد السعوديين، فلا يتوانى الثاني عن الرد سريعا »لكن هذا مبدأ خطأ« مستنداً إلى قاعدة أن العراق »أرض مسلمة ولا يمكن لأهلها السماح للغاصب بتدنيس أرضها«. يوافقه اللبناني معتبراً أن مشاهد النساء والأطفال والشيوخ حاملين السلاح قبل بدء الغزو »كانت تعطينا أملاً بأن العراق سيقف وقفة رجل واحد مع صدام لدحر الغزاة«، لكن الجميع يعترفون بالإبهام الذي سببه هذا الوضع. »أعتقد أن العراقيين كانوا ليحاربوا بشراسة لكن النظام خذلهم، كما خذل المتطوعين العرب وتركهم لوحدهم بمواجهة الغزاة«. كان الاعتقاد السائد من الجلسة السابقة أن »صدام سيقاوم حتى آخر لحظة، وسيفضل الانتحار على الاستسلام أو الموت على أيدي الغزاة«. خراب بغداد لم يكن قد مضى على زيارتها اليتيمة للعراق وقت طويل: »كانت رحلة العمر« تقول بشغف وحنين، لذا فهي لا تصدق ما تراه عيناها: »من غير المعقول أن هذا الشعب الكريم والمضياف يسرق وينهب كما يحاولون إظهاره«. كما أن مشهد بغداد المدمرة المهزومة والمستسلمة للغزاة ترك فيها جرحاً عميقاً، »الحرب غيرت مشهد المدينة، تبدلت ملامحها الرقيقة واستحال شكلها أكثر قسوة«. انقلبت الصورة من النقيض الى النقيض، عراق العز »من لا يعرفه لن يشعر بقسوة ما يجري اليوم« تقول مؤكدة أن »الخوف الذي كان يعترينا عند التفكير بالأسلحة التي قد يستخدمها صدام حسين ضد جيرانه، كان يجعلنا نسلم بأن العراق لن يهزم«. لكنها تصر على أن الصور البغدادية تشير الى قوة العدوان على العراقيين، الأمر الذي لا يوافق عليه ذاك الشاب العراقي الجنسية المقيم في السعودية بلد أجداده، »أعتقد أن الشعب كان بإمكانه المقاومة، وكان باستطاعته الصمود أكثر، لكن الاستراتيجية العسكرية كانت خاطئة ربما« ربما!. يصمت لينصرف الى تهدئة زوجته الباكية على أقاربها في العراق. وعبرت سميرة العراقية عن خوفها على مصير شقيقها وعائلته، فقد انقطع الاتصال بهما في العراق بعد تدمير شبكة الاتصالات. صحيح أن سميرة واحدة من عدد ضئيل من العراقيين المتواجدين في السعودية، لكنها لم تكن تشعر بالغربة التي تشعر بها اليوم: »اليوم أشعر بأن بلدي لم يعد موجودا، وشوقي الى أهلي يقتلني لكن الإحساس بالخوف من فقدان أحدهم يجعلني...«، تخنقها الدموع فحاول زوجها تهدئتها ويكمل عبارتها: »هي خائفة من أنباء تصلنا عن موت أحد أقاربنا«. أين صدام؟ سؤال آخر لم يغب عن أذهان السعوديين، فغياب أركان القيادة العراقية المريب والسريع سبب تضارباً في الأخبار المتداولة: »قالوا أن صدام قُتل في القصف الأميركي على بغداد« يقول أحمد فيقاطعه الشاب العراقي ليشير الى أن »توقعات إعلامية رجحت هربه الى مسقط رأسه في تكريت فهناك الحصون متينة والمدينة محصنة«. ويصل المتناقشون الى نقطة أثيرت حول اختباء صدام في السفارة الروسية في بغداد، »لكن بعد كل هالتهديد والوعيد بيهرب؟« يتساءل اللبناني في حيرة ظاهرة، ويبدأ كل واحد يدلي بدلوه على طريقة ضرب الرمل أو التنجيم. يدور الحديث ويذهب الى أبعد حدود. ووسط جو من الذهول ومحاولات لتحليل الواقع يتفق الجميع على فكرة »مسرحية شارك فيها صدام ليبيع العراق والعراقيين للأميركيين مقابل حماية حياته وحياة المقربين منه وتأمين هروبهم الى الخارج«، يقول العراقي بلهجة حازمة. »ما تنسوا يا جماعة تهديد سوريا«، يردف اللبناني، »يبدو أن أميركا تريد إيجاد حجة لضرب سوريا فتستخدم ورقة هروب صدام إليها«. محور آخر لتخوف آخر من مستقبل مشحون بالمخاطر، ومقدمة لحروب أخرى في المنطقة. هذه الحرب مختلفة كثيراً عن معطيات حرب الخليج الثانية، يومها كان كل شيء محدداً أكثر »وانتهت الحرب على خير من دون تداعيات« يقول السعودي. صحيح أنه مع بدء الحرب تخوف السعوديون من امتداد آثار هذه الحرب إلى ما بعد الحدود العراقية جنوباً باتجاههم، فبدأوا بتموين المواد الغذائية وتسلحوا بالكمامات والبزات الواقية من الأسلحة الكيميائية والبيولوجية التي قد يستعملها صدام عند الرد على الأميركيين وحلفائهم، لكن الوقائع على الأرض جعلتهم أكثر اطمئناناً وترقباً. أما اليوم فالخوف الأكبر بات من أميركا وليس من »شبح« صدام. فعند بعض الشوارع يتم توزيع الأدعية التي تدعو الله الى »هزم الكفار« ومن بينها ما جاء: »اللهم أرسل عليهم ريحا تدمر طائراتهم وسفنهم«، كبديل يعوض الكثيرين عن غياب »التظاهرات المنددة للحرب والتي غابت عن الشارع السعودي«، يقول الشاب السعودي. كما يتبادل الناس الرسائل على الهواتف الجوالة ومنها ما يدعو الى مقاطعة المنتجات الأميركية ومنها ما يطلق النكات على الأميركيين والبريطانيين، وعلى بوش تحديداً.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة