As Safir Logo
المصدر:

»الفيرومونات«: »هرمونات« الحاسة السادسة؟

المؤلف: رضا رائف التاريخ: 2003-04-08 رقم العدد:9467

بات من المؤكد للعلماء والباحثين وجود دور هام للفيرومونات (PHEROMONES) في عملية التواصل بين البشر كما هي بين الحيوانات، حيث تؤدي دورا رئيسيا في التزاوج واختيار الشركاء لديها. تشتق كلمة »فيرومون« من المصطلح اليوناني »فيرين« (PHERIN) ومعناه نقل الهرمون للإثارة الجنسية. وساد اعتقاد في الماضي أن الفيرومونات هي نوع من الهرمونات المتطايرة، لكن تبين لاحقا أنها مواد كيميائية طبيعية تفرزها غدد »أبوكرين« APOCRINE أو غدد العرق في جسم الإنسان، لجذب الجنس الآخر عبر إشارات كيميائية، ولو بصورة بسيطة، تبعث فيهم احاسيس معينة فيستجيب لها بإفراز الهرمونات أو في السلوك. وعرف الفيرومون منذ أكثر من أربعين سنة عند الحيوان حيث يعتمد عليه للأداء الجنسي وتحريك الغرائز. وكانت أبحاث أولى بدأها فريق ألماني سنة 1956 على عثّ الحرير واستمرت لأكثر من عشرين سنة تم على أثرها استخراج مادة من حافة بطن أنثى هذا النوع استطاعت جذب الذكر. ثم توالت الأبحاث على أنواع مختلفة من الحيوانات كعث التفاح سنة 1959، والثدييات لا سيما الفئران. ففي دراسة لباحثين في جامعة ماساشوستش، وضع فأر ذكر من النوع الذهبي بعد تخديره، مع فأر من النوع العادي داخل قفص ليراقبوا رد فعل الأخير، فما كان منه إلا أن عض الفأر الذهبي في أذنيه ودار به في القفص. وأعيدت التجربة على فأرين عاديين، خدر اولهما بعد أن وضعت عليه افرازات مهبلية من أنثى الفأر، فكانت النتيجة محاولة الثاني التزاوج معه. وفي العام 1971 برهنت دراسة للباحثة مارتا ماكلينتوك من جامعة شيكاغو، تجاوب الإنسان مع بعض الإشارات الكيميائية عبر حاسة الشم من شخص إلى آخر. ويأتي هذا التجاوب بأشكال مختلفة كتزامن العادة الشهرية بفضل الفيرومون الأنثوي لدى امرأتين تعيشان معا في مكان واحد لمدة من الزمن. وبرهنت دراسة الباحث كيم بانتر في العام 1986 تأثر العادة الشهرية لدى المرأة بالفيرومون الذكري، إذ يمكن أن تتأخر أو تتقدم أو تنتظم بفعل استنشاق رائحة الرجل. مما يعني إمكانية أن يعالج الفيرومون الذكري مشاكل العادة الشهرية أو حتى مشاكل سن اليأس وإثارة الرغبة الجنسية. وللفيرومون وظيفتان: الأولى إرسال الإشارة (SIGNAL) والثانية تشعيل بدائي أو أولي. تحدث الإشارة تغييرا قصيرا في تحرير الرسائل العصبية التي تغير السلوك، وقد لاحظ العالمان موس ودادلي أن هرمون GnRH، وهو هرمون تفرزه خلايا عصبية وله دور مهم معادل للفيرومون، والموجود في الغدة الملكية، يتفاعل مع هذه الرسائل بإحداث سلوك غريزي عند الفئران وبالتالي سيكون له التأثير نفسه عند الإنسان. أما التشعيل الأولي فيحدث تغييرا بطيئا في الجسم تحت تأثير المحور الغددي الملكي النخامي الجنسي مما يدفعه إلى تأخير إفراز الغدة الملكية ل GnRH. والرائحة التي تفرزها غدة APOCRINE هي التي تجذب شخصا لآخر. وهذه الغدد موجودة عند الرجل كما عند المرأة، ولكن بنسبة اكبر عند الرجال، وهي تصبح فاعلة بعد البلوغ. وتتواجد هذه الغدد (التي تفرز الفيرومون) في الشفاه والفم والثدي والحلمة والصدر والأعضاء التناسلية الذكرية والأنثوية، ولكن أعلى نسبة تواجد للفيرومون هي تحت الإبطين. وتتفاعل البكتيريا الموجودة في هذه الأماكن مع الافرازات الغددية، فتنبعث على أثرها الروائح (فيرومون) لترسل إشاراتها الكيميائية إلى الدماغ عبر حاسة الشم للإثارة الجنسية. فيما تفرز هذه الروائح مادة ANDROSTENONE و ANDROSTENOL وهي الأهم، إذ تحفز الرغبة الجنسية عبر رائحتها الجميلة بواسطة الخلايا العصبية الشمّية لتدخل إلى قاعدة الدماغ. في العام 1995، تمكنت العالمة كاترين دولاك من كشف علاقة مباشرة بين عضو فومر الشمي VOMER NASAL ORGAN (VNO) عند الفئران والجينات الوراثية. إذ تمكنت من اكتشاف عائلة جديدة من الجينات التي ترمز لمستقبلات الفيرومون، ويتراوح عددها ما بين خمسين ومئة جينة. وهذه الجينات موجودة، بحسب العالمة، عند الإنسان. ويؤدي عضو »فومر« VNO دورا بارزا في جذب كل من الجنسين أو حتى مثليي الجنس لبعضهما البعض من خلال حاسة الشم. ولوحظ في دراسة أجراها معهد دراسات أثينا في العام 2000 أن الفيرومون الموجود لدى الذكر والأنثى يزيد من العناق والقبل وهو مسؤول عن الإثارة الجنسية. وفي بداية هذا العام شرحت دراسة للباحث جايمس كول كيفية تأثر سلوك الإنسان بالفيرومون والرائحة، وعلاقة هرمون GnRH وحاسة الشم بالإخصاب. وبانتظار اكتشافه عند الإنسان، تمكن علماء في جامعة هارفارد من اكتشاف الجزء المركب عند الفئران، والمسؤول عن عملية التقاط الإشارات الكيميائية الموجهة إلى الدماغ والتي تؤدي إلى سلوكيات غريزية. فالعضو الشمي VNO وعضو »جاكوبسون« JACOBSON وهو عضو عظمي رفيع يقع خلف فتحتي الأنف على شكل ثقبين صغيرين، يحتويان على مستقبلات صغيرة تلتقط الفيرومون لترسلها خلالها إشارات إلى الدماغ، وتحديدا إلى الغدة الملكية المتصلة بعظمة SPHENOID الموجودة في قاعدة الجمجمة. ولوحظ أن العضو الشمي VNO حساس جدا حتى مع أدنى نسبة من الفيرومون التي يستنشقها من الجلد. ويعتقد أن هذه القاعدة لها وظائف عديدة منها تقوية الذاكرة وتحليل الأحاسيس والروائح التي لها امتدادات إلى هذه المنطقة لتصل إلى الغدة الملكية وتترجم الرغبة الجنسية على أثرها. من هنا يصيب مرض كالمن KALMAN SYNDROME الذكر والأنثى ويتميز بمشاكل انفية جنسية، أهمها فقدان حاسة الشم، وهو مرض خلقي وليس اكتسابي مصدره الغدة الملكية والخلل في إفراز GnRH. ونتيجة لفقدان الشم لا يتأثر المريض بالإشارات الكيميائية التي يحركها GnRH وبالتالي لا يتأثر بالفيرومون. يضاف إلى ذلك الخلل الواضح في الهرمونات الجنسية وعلى رأسها LH وFSH مما يعيق الاستجابة الكاملة للرغبة الجنسية ويؤثر سلبا على عملية الإنجاب بفقدان البذرة المنوية. من هنا فإن التعويض بالافرازات الهرمونية GnRH و LH و FSH يحسن الأداء الجنسي والانتصاب وحتى الإخصاب. فللهرمونات الجنسية دور أساسي في إفراز الهرمون الذكري والأستروجين، ولهما وظائف أساسية لكل من الخصية والمبيضين وتأثيرهما على السائل المنوي والبويضة وعلى عملية الإخصاب، كما تؤثر هذه الهرمونات على المحور الغددي الملكي النخامي الجنسي، وخاصة على سلوكه بتغييره للناحية العصبية التشريحية وعلى رسائله العصبية. واليوم اصبحت الفيرومونات متواجدة في الأسواق على شكل مستحضرات طبية ذات استعمال خارجي. وتأتي على شكل نقط أو رذاذ أو عطر يوضع عادة على المعصم وخلف الأذنين ويدوم لمدة تتراوح بين أربع وست ساعات، من دون مضاعفات سلبية لها. * رئيس الجمعية الأوروبية الشرق أوسطية للدراسات التناسلية والجنسية واختصاصي جراحة المسالك البولية والتناسلية والعجز الجنسي والعقم وعلم الجنس.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة