As Safir Logo
المصدر:

عراق الفن في الوطن والمنفى في الصمت والعلن في أقاصي التاريخ ومشارف العصر نوافذ على التاريخ والعصر وريادة في كل الاتجاهات وزواج التراث والحداثة

جبر علوان »الجواهري«
جواد سليم الجزء الأوسط من »نصب الحرية«
المؤلف: بزون احمد التاريخ: 2003-04-07 رقم العدد:9466

في المشهد الاول: الفنان جواد سليم (الذي ذهب وزوجته الفنانة الانكليزية لورنا الى فلورنسا في ايطاليا لإنجاز نصب الحرية الموضوع اليوم في ساحة التحرير ببغداد) صار يشك بأن هناك في السفارة العراقية في روما من يحاول الاستحواذ على أموال من وراء ظهره. بدأ جواد (حسب ما ترويه لورنا لإنعام كجه جي) يتخيل ايضا ان هناك من يراقبه ويتآمر عليه لمنعه من إنجاز النصب، بل وإن هناك من يدبر لاغتياله، وأخذ يمنع زوجته وابنتيه من مغادرة البيت، ويرفض الرد على مكالمات تلميذه الفنان محمد غني حكمت. ولعله ظن ان هذا الشخص ايضا يتجسس عليه. في المشهد الثاني: كنت أجري حواراً مع أحد الفنانين التشكيليين العراقيين في احدى غرف الجريدة، كنا وحدنا في الغرفة، وعندما فرغت من الاسئلة حول فنه وأعماله، تطرقت الى سؤال عن معاناة التشكيليين خصوصاً والمثقفين عموماً، في ظل الحصار المضروب على العراق بعد اجتياحه الكويت، وكان الفنان آتيا من بغداد، لا من المنفى. قبل ان أكمل سؤالي وجدت صديقنا يتلفت بارتباك ناحية الباب، ثم ناحية النافذة وبالعكس، ظناً منه ان أحداً يمكن ان يتجسس عليه ويسمع ما يقول، فحساب الكلمات بحساب الأرواح. سَكَتَ وشرد، ولما ألححت عليه وطمأنته بأننا لا نتحدث في السياسة، تفحص بضع كلمات بعيدة عن الموضوع، وعدّها عدّاً، فحتم مهمته الصعبة. في المشهد الثالث: يقول الفنان العراقي جبر علوان المقيم في روما (في»جريدة الفنون« الكويتية): »على الرغم من جذوري العراقية، أشعر بأنني لا أنتمي الى مكان محدد، في الحقيقة لا أحب النظر الى الوراء، ولا أريد ان أحمل ثقل الماضي معي وأنا أسير الى الامام بحثاً عن الجديد. الماضي يترسب لوحده في طبقات اللاوعي ولا حاجة الى استرجاعه. أكثر ما أخشاه هو الحنين الذي لا أطيقه، ولعي بالاكتشاف يجعلني أجد نفسي مدفوعا الى ان أكرر بيتا من شعر الجواهري يقول: »يا للثمانين ما ملت مطامحها/ لكن يراودها خوف من الملل«. لا أخفي ان إقامتي الطويلة في روما وصداقاتي المتشعبة مع الايطاليين جعلتني أشعر بأنني ايطالي. أما كفنان فأفضل ان أنتقل بين أكثر من مكان بحثا عن الشمس والضوء«. في المشهد الرابع: يكتب الفنان العراقي المقيم في بغداد شاكر حسن آل سعيد (دراسات تأملية): »البغدادي الملتاع المضياف هو (حلاج) بصورة من الصور. وسيولد ويموت على عدد اللحظات. وذلك سيمزج لديه الفرح بالحزن، والسعادة بالشقاء، واللذة بالألم. لان في قلب البغدادي تستقر بغداد (...) فبغداد ضرورة تاريخية، لأنها ثمرة التزاوج ما بين (الصحراوي) و(ساكن الواحة). ومن خلال زجاجها الملون ونوافذها المطوقة وأقنيتها المفتوحة للغبار الموهوبة لنور الشمس ستختصر ملامح (الخيمة) و(القوس المدبب) معاً«. تتقلب المشاهد في ذاكرتنا بين فناني العراق الذين فضلوا البقاء في أرضهم ووطنهم، رغم كل ظروف الحرب والقمع، وبين أولئك الذين فضلوا ان يخرجوا الى هواء أكثر برودة وأكثر حرية فملأوا المنافي الاوروبية، فما نشعر به لدى الطرفين لا يخرج عن صورة التمزق الداخلي، حيث يتنازع الوطن مع الحرية في الفنان، يتنازع الولاء للعقل مع الولاء للسلطة أو الطاغية، يتنازع الحزن الدهري الكربلائي مع التوق الى حياة التهتك في شارع ابي نؤاس. الفنان العراقي منقذ سعيد المقيم في هولندا قال لي كلاما يشبه كلام جبر علوان، وهناك العديد من الفنانيين الذين تشبه حالهم هذه الحال، أو الذين يتوزعون على المشاهد الاربعة التي ذكرناها. لكن مهما بلغت قسوة العراقي على نفسه وعلى وطنه، فهو لا يستطيع ان يخرج من طوق الحنين الذي بلغه، فجبر علوان الذي أبرز تلك القسوة عاد ليقول: »إذا لم تتغير الظروف السياسية في العراق وأعود ببعض أعمالي إليها أوصي بأن تعاد أعمالي بعد موتي الى العراق في المستقبل«. أرض الخسارات ومهما يكن من تنوع في حالات الفنانين العراقيين، فإن الخسائر تتوالى على العراق، وما يجري، منذ فتح النظام حربا على ايران، ثم على الكويت، وحتى اللحظة التي يجري فيها اليوم العدوان الاميركي، لا شك يسبب من الخسائر أفظع مما سببه اجتياح هولاكو لبغداد ومكتبتها، وقد يكون الآتي أعظم، إذ لا ندري كم هو شغف الحاكمين العسكريين الاميركيين أو الانكليز بالفنون التشكيلية، السومرية والبابلية والاشورية، أو المعاصرة. ذلك ان شواهد التاريخ مخيفة، فقد سرق النازيون من فرنسا أثناء احتلالها أكثر من ستين ألف قطعة فنية، أعيدت الى المتاحف والى مالكيها الاصليين بعد هزيمة الالمان في الحرب الثانية، وكان بعض الضباط الالمان في سباق مع الزمن وهم يهيئون المجموعات الفنية التي ينقلونها الى ألمانيا، وبينها أعمال لفنانين كبار. وقد يكون هذا التدبير بتشجيع من الفوهرر نفسه، الذي كان صاحب عقدة الدكتاتور، إذ مارس الرسم ورفضته كلية الفنون الجميلة في فيينا. لا نعرف علاقة بوش وبلير بالرسم ولا علاقة الضباط الكبار لديهما، ولا الحقد الذي يحملونه على عاصمة الحضارة العربية التي سادت ذات يوم في العالم. ولا نستطيع ان نتخيل إلا خوفنا على الثروة الفنية التي تكتنزها بغداد، بآثارها القديمة التي تعود الى ستة آلاف عام، والآثار التي لم تنتبه إليها نيران هولاكو، ثم الآثار الفنية التي بناها أجيال من الفنانين العراقيين المعاصرين. لا نستطيع ان نوقف هذه الحرب ولا ان نقف في وجه الموت الزاحف نحو بغداد، ولعل غلغامش اول بطل في تاريخ الآداب العالمية لم يستطع، رغم أسطوريته، معالجة مخاوف الإنسان من الموت الزاحف نحوه، لكن نستطيع ان نستعين بالتاريخ ايضا على نازية المعتدين، ونراهن على تعطيل عمليات النهب، إذا كنا لا نستطيع تعطيل صواعق الصواريخ الواقعة على المتاحف والمحترفات التشكيلية، ففي فرنسا استطاعت مجموعة مسلحة من المقاومة الشعبية تعطيل قطار (من دون الاضرار بمحتوياته) فنسفت حلقة من حلقات سكة الحديد، عندما علمت المجموعة ان القطار ينقل الى برلين لوحات مختارة من المتاحف الفرنسية بينها أعمال لبيكاسو ومانيه ومايتس وغوغان وعدد كبير من رواد الفن الحديث. بغداديات لا نريد ان ندخل الآن في التبعات السياسية للحرب، لكننا لا نستطيع الا ان نبدي تخوفا على بلد يمتلك رموز الحضارات الاولى في العالم، أقصد حضارات ما بين النهرين، ويعيدنا في تاريخه الفني الى تلك التهجئة الاولى للفنون الإنسانية. بل يعيدنا الى المقامات الفنية ليحيى الواسطي التي مدحها ديماند وماسينيون وبلوشيه وايتنغهاوزن، واعتبروها من أروع الاعمال الفنية، والواسطي هو الحلقة التشكيلية التي انقطعت عنها بغداد بسبب ظلامية الاحتلال التركي، حلقة بقي الفن العراقي بعيداً عنها حتى بدأت بوادر زوال الامبراطورية العثمانية، وبداية تشكل ثقافات المنطقة بعد الحرب العالمية الاولى. نعود الآن، ونحن تحت رحمة أحلام الامبراطورية الاميركية التي تعمل على إسقاط بغداد، الى ذلك التاريخ المشؤوم للمدينة بعد إسقاطها على أيدي المغول في منتصف القرن الثالث عشر، ثم إدخالها تحت خيمة الامبراطورية العثمانية، الى دخول قوات هندية بإمرة انكليزية في آذار العام 1917. وبين آذار ذاك وآذار العام الحالي 86 عاماً، بذل العراق جهوداً كبيرة كي يقيم تحولاته الثقافية. فلم تشفه إصلاحات مدحت باشا القليلة، وتسرب الثقافة الاوروبية الى الدولة العثمانية في نهايات القرن التاسع عشر، بل كان على العراقيين ان ينتظروا حتى منتصف القرن العشرين كي تبدأ حركتهم التشكيلية بالظهور بشكل جليّ، بل بإثبات حضور مميز على مستوى المنطقة العربية في هذا المجال، أو بروز ما سمي بجيل الرواد الذي تمثل بفائق حسن وحافظ الدروبي وأكرم شكري وعطا صبري وقاسم ناجي وعبد الكريم محمود وشوكت الخفاف وجواد سليم وشاكر حسن آل سعيد، وآخرين، كانوا من بين المجموعات الاولى التي ابتعثت الى أوروبا لدراسة الفن ونهل الثقافة الفنية من منابعها الحديثة، لا بواسطة فنانين يصدف وجودهم في ظل الانتداب الانكليزي. ويمكن ان نعتبر جيل الرواد هذا هو الجيل الثاني من الفنانين العراقيين، بعد أولئك الذين نهلوا الفن من خلال وجودهم على الارجح في الجهاز الحربي العثماني، قريبين من اسطنبول، فالثقافة الفنية بمعناها الاكاديمي كانت موجودة في عاصمة الامبراطورية، وكان الرسامون الذين برزوا في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين قد نهلوا الفن خارج العراق. فشأن الفن يختلف عن الادب مثلا، إذ كان أسهل ان يبرز شاعران كبيران في بداية القرن العشرين مثل جميل صدقي الزهاوي ومعروف الرصافي، في حين كان ظهور الفنان عبد القادر الرسام (19521882) مقترنا بوجوده في الكلية الحربية ودراسته في الاستانة، وكان اول من أطلق عليه لقب »الرسام« من الفنانين العراقيين، وكذلك كان شأن محمد صالح زكي وعاصم حافظ والحاج محمد سليم (والد رشاد وسعاد وجواد ونزيه ونزار وكلهم فنانون من الجيل الثاني). بقي الجيل الاول، رغم اطلاعه على فنون الغرب، مرتبطاً بالمدارس الكلاسيكية، أو بمدارس الاستشراق الفني، وكان على بغداد ان تنتظر أفواج الفنانين الذين أرسلوا الى أوروبا (فائق حسن الى فرنسا، اكرم شكري الى انكلترا، عطا صبري وحافظ الدروبي الى روما، جواد سليم الى باريس وروما ولندن، قاسم ناجي الى برلين ولندن وشاكر حسن آل سعيد الى باريس...)، كي تتشكل الحياة التشكيلية فيها، وتنتعش وتتبلور تيارات وجماعات، بل تتبلور »بغداديات« العصر الجديد. وإذا كان الواسطي قد اختزل المدرسة البغدادية ذات عصر من عزّ فني غابر، فإن جواد سليم شق ملامح مدرسة بغدادية جديدة في الفن التشكيلي الحديث وأخذ تلامذته يتأثرون بها... فجواد سليم الذي شارك في اول معرض تشكيلي عراقي أقيم على هامش معرض صناعي زراعي في بغداد وفي جناح متواضع ونال فيه اول جائزة فضية العام 1931، وكان عمره آنذاك 11 سنة (نال فتحي صفوت الجائزة الذهبية) بدأت معه حركة المعارض المهمة بعد عودته من التخصص في الخارج العام 1941، أي أثناء الحرب العالمية الثانية حيث أقامت جمعية أصدقاء الفن التي تشكلت العام 1940 بمبادرة من اكرم شكري وكريم مجيد وعطا صبري وشوكت سليمان. وقد شارك ايضا لأول مرة في معرض دولي بالقاهرة، مع مجموعة من الفنانين العراقيين تخرج أعمالهم للمرة الاولى خارج الحدود الاقليمية. وقد ركز دارسو الفن التشكيلي العراقي على تلك الفترة التي كانت فيها مجموعة من الرسامين البولونيين اللاجئين في بغداد من الاحتلال الالماني والروسي لبلادهم التقت فائق حسن وجواد سليم، فاعتبر هذا اللقاء بداية حركة هامة للفن الحديث في العراق، إذ كان هؤلاء البولونيون تتلمذوا على أستاذ بولوني، تتلمذ بدوره على يد الفنان الفرنسي المعروف بيير بونار. انطباعية عراقية وأذا كانت الانطباعية هي المدرسة الاكثر رواجا في تلك المرحلة من نهايات النصف الاول من القرن العشرين فقد تأسست العام 1953 »جماعة الانطباعيين« التي التفت حول حافظ الدروبي، وكانت غايتها البحث عن انطباعية عراقية. وكان الدروبي في هذه السنة قد انفصل عن »جماعة الرواد« التي كانت المجموعة الاولى من نوعها ضمن تشكيلات الجماعات الفنية، وقد تحلقت حول فائق حسن وجواد سليم. ونقول »الاولى من نوعها« لأنها كانت ذات اتجاه، في حين سبقتها »الجماعة البدائية« التي تحلقت حول فائق حسن من دون ان يرتبط المنتمون إليها بأي مدرسة تشكيلية. »جماعة الرواد« كانت تدعو الى تصوير الطبيعة والحياة اليومية والقرى والارياف خارج المراسم المغلقة، من دون ان تختلف كثيراً عن اتجاهات الانطباعيين الفرنسيين. ويبدو ان هذا الاتجاه لم يلائم تفتق الوعي التشكيلي والحركة غير المستقرة التي كانت تسكن عقلية جواد سليم، الذي انفصل عن هذه الجماعة مشكلاً »جماعة بغداد للفن الحديث«، وكانت هذه الجماعة الابرز في التشكلات الجماعية التي بلغت في بغداد حوالى عشرين جماعة تشكيلية. وقد ضمت الجماعة الجديدة التي يتزعمها جواد سليم، بالاضافة الى زوجته لورنا واخويه نزار ونزيه كلا من بوغوص بابلانيان وجبرا ابراهيم جبرا وخالد الرحال وخليل الورد ورسول علوان واسماعيل الشيخلي وطارق مظلوم ومحمد غني حكمت وشاكر حسن آل سعيد وآخرين. ولمّا كانت الجماعات السابقة لم تصدر أي بيان، فإن هذه الجماعة أصدرت بيانا يحدد تطلعاتها وأفكارها. وإذا كان شاكر حسن آل سعيد قد شارك في تأسيس »جماعة بغداد للفن الحديث«، وشارك في تزعمها مع جواد سليم، فهو عاد ليتجه في العام 1971 لتأسيس جماعة جديدة ينفرد بزعامتها بعد انهيار الجماعة الاولى ورحيل مؤسسها الاول جواد سليم (العام 1961)، وقد أطلق عليها اسم »تجمع البعد الواحد« متبنيا مشروع الحروفية العربية. كانت الحروفية العربية بدأت مع الفنانة العراقية مديحة عمر العام 1945، والعراقي جميل حمودي العام 1949، والمصري يوسف سيده العام 1951، واللبناني سعيد أ. عقل في بيروت العام 1956، لكنها بقيت في إطار التجارب الفالتة من أي إطار نظري يحميها ويروّج لها. وقد كان الكتاب الذي صدر ببغداد في معرض »البعد الواحد« العام 1971، وتضمن آراء شاكر حسن آل سعيد وضياء العزاوي وجميل حمودي وسواهم كفيلا في نشر هذا التيار الجديد الذي وجد في الحروفية رمزاً ثقافياً، وإعادة اكتشاف للحرف العربي، وتحويله من أثر بصري الى أثر تجريدي دلالي وتعبيري، يستعيد الشخصية الثقافية العربية ويستلهم التراث الحضاري العربي والاسلامي. نشأ »تجمع البعد الواحد« في مرحلة كان فيها التشكيل العراقي قطع شوطاً كبيراً من الحضور البارز في الساحة التشكيلية العربية، وقد بدأ فنانون عراقيون يستدلون على الحوار الصاخب الذي تضج به بغداد من أجل البحث عن هوية للفن التشكيلي العربي، وقد شكلت العاصمة العراقية قطبا رابعا مع القاهرة وبيروت، ثم دمشق. وكانت الستينيات هي المرحلة الاكثر نشاطاً في حركة التشكيل العراقي، اذ ظهرت اول غاليري باسم »غاليري الواسطي« العام 1965 ثم غاليري »أيا« لرفعت الجادرجي، وكانت تأسست العام 1962 أكاديمية الفنون الجميلة، في حين كان فائق حسن اول من أسس فرع الرسم بمعهد الفنون الجميلة أو معهد الموسيقى سابقا، وجواد سليم أسس فرع النحت في المعهد العام 1941 بعد عودته الى بغداد من روما. أما فرع الغرافيك في معهد الفنون الجميلة فتأسس العام 1974، وكان أقيم المعرض الغرافيكي الاول العام 1965 في بغداد، وقد شارك فيه، بالاضافة الى تلامذة أستاذ الغرافيك البولوني ارتموفسكي، هاشم سمرجي وسالم الدباغ ومهدي مطشر ويحيى الشيخ، كل من غالب ناجي ورافع الناصري. وقد برز في ما بعد في هذا الفن ضياء العزاوي وصالح الجميعي وهاشم الطويل، ثم توالت أسماء مثل مازن سامي وعمار سلمان ومظهر احمد وحيان عبد الجبار ومدحت محمد علي ويونس العزاوي. وإذا كان شاكر حسن آل سعيد اعتمد مثل جواد سليم مبدأ الانفتاح على الفن الاوروبي الحديث على قاعدة خدمة التراث القومي، فهو بخلاف استخدام جواد سليم لتعبيرية زاهية ينفذ من خلالها الى الذوق الشعبي، راح شاكر بعيداً عن الفولكلور الشعبي يبحث عن المشاهد الريفية الحزينة، وعن ألوان الطيف والجدران، بل ذهب أكثر الى اللوحة الجدار، وقد التقى بذلك مع اللاشكليين الاوروبيين، في الوقت الذي أرضى فيه نفسه بملامسة الحس الشعبي، فالجدار موطئ النظر العام، وفيه يجد الجميع خربشة الزمن والاجيال، وقد حل الجدار واحدة من مفردات الحداثة التشكيلية. في هذه الفترة التي غادر فيها شاكر حسن آل سعيد الحروفية التي أسس لها، كان الهم التأسيس الذي ترافق والجماعات التشكيلية المتعددة في بغداد قد تلاشى على وقع تشعب الابداعات الفردية وظهور مثل هذه المشاريع، ثم مع المرحلة التي غادر فيها فنانون عراقيون عديدون أرض الرافدين الى أرض الله الواسعة. وخلال عقدين من الزمن، راحت معارض التشكيل العراقي تتوزع على العواصم الغربية، وراحت تشكلات الابداع العراقي تتبلور خارج حدود البلاد، وباتت الاسماء الكبيرة تلمع في امستردام وروما ولندن وباريس وسوى ذلك من عواصم. وحاز الفنان الغرافيكي مظهر احمد جائزة نوبل للفنون العام 2000، وهو المقيم في السويد منذ 13 سنة، واول فنان عربي يحصل على مثل هذه الجائزة. وإذا توغلنا في المنفى العراقي أكثر نسمع بأكبر جائزة تشكيلية تمنحها الحكومة الايطالية وقد حازها الفنان جبر علوان منذ قرابة خمس سنوات. أما المعرض الذي أقيم في في هولندا لفنانين عراقيين مقيمين في تلك البلاد فقد ضم 35 فنانا عراقيا بينهم من تحدر من جيل الستينيات والسبعينيات أمثال: تركي عبد الامير، قاسم الساعدي، رملة الجاسم، عفيفي لعيبي وزياد حيدر. وقد كرّم في المعرض نفسه فنان عراقي مقيم في براغ هو محمود صبري. وإذا كان الفن التشكيلي العراقي المنتشر في المنافي قد أثبت حضوراً بارزاً في المعارض العالمية، ماذا يمكن ان ننتظر إذا التقى رواد المنافي ورواد الفن المقيم؟ بل المهم ان نسأل: ماذا ننتظر اذا انقلبت الحرب على الثقافة والفن وملامح الحضارة في بلد يختزن تاريخه الكثير؟.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة