As Safir Logo
المصدر:

حاضر في »الأميركية« حول »الهوية الخطرة« على كل آخر سعيد: حركة إنسانية.. مقاومة بديلة

سعيد يتحدث في قاعة عصام فارس بالأميركية (علي علوش
المؤلف: الاطرش رشا التاريخ: 2003-03-27 رقم العدد:9456

الحركة الإنسانية. الهموم الدنيوية. النزعة النقدية لفرد في عالم عام، أي عالم للعموم، للجميع. إنسانية الكتابة لأكبر جمهور يمكن أن يتخيله بشري. إنسانية القراءة في سياق لحظة زمنية وإطار مكاني وسياق سياسي اجتماعي خاص بكل قارئ. إنسانية تفرز الصور الإعلامية، فتفصل بين ما هو معلب، وما هو أصلي. الأصلي هو الفردي. الأصلي متعدد، والتعدد أصالة الأفراد.. بعدد الأفراد. هي »المقاومة« بحسب النهج الإنساني. هو الإنسان مقاوماً حروب الجيوش وحروب الأفكار الصغيرة، وإن كانت بحجم الله ومنه.. على زعم أصحابها. عن ذلك كله حاضر د.إدوارد سعيد في قاعة عصام فارس أمس. كان نجماً يسعى للاختباء وراء فكرة. أفكاره تسطع بالنيابة عنه، تشع من خلف المنصة التي وقف عليها ليواجه جمهوراً غصت به المقاعد والسلالم الصغيرة الفاصلة بينها، ففاضت بالرؤوس البيضاء والسوداء والرمادية إلى الممرات الخارجية حيث وقفت الحشود تتلصص على سعيد من خلف الزجاج وتسمعه عبر مكبرات للصوت. قال أنه، وإن كان فلسطينياً، فهو سيتحدث، كأميركي، عن أميركا لأنه عاش فيها ويعرفها أكثر مما يعرف العالم العربي أو العالم النامي. أميركا التي يحبها تقدم الاتجاه السائد وإلى جانبه الفكر البديل، وأميركا التي يتبرأ منها هي التي لا تعترف إلا بعالم واحد يُرى من منظار واحد. لماذا العنوان »الحركة الإنسانية والمقاومة«؟ لأن الأنسنة بحد ذاتها، مضافة إلى التحديات الاجتماعية والسياسية المعاصرة، ازدادت أهمية بعد مرور أكثر من عشر سنوات على انتهاء الحرب الباردة، وإثر تسارع المتغيرات الاقتصادية، واندلاع الحرب على الإرهاب، بعد قيادة حرب كوسوفو باسم »الحركة الإنسانية العسكرية الجديدة«، ونتيجة الحصار »اللاإنساني« على العراق طوال سنوات، وبعد تاريخ 11 أيلول الذي غرست أحداثه في الوعي الأميركي شعارات من نوع »خيرنا ضد شرهم« و»حضارتنا مقابل بربريتهم«، و.. و..، يشرح سعيد الذي وضع سامويل هنتنغتون (مؤلف »صراع الحضارات«) في خانة »صاحب الأطروحة السخيفة والمفاهيم السوقية التي لست بصدد دحضها هنا«. »كوجيتو« أم »سوبر إنسان«؟ تستمع إلى سعيد وتدرك كم مرّ من الزمن منذ أن سمعت كلمة »الفرد« آخر مرة. أعادها إلى أصلها العلمي: »كوجيتو«، الفرد المشخصن في ذاته باعتباره الجزيء الأبرز والممثل الأشمل لأن تكون مجرد أن تكون في هذا العالم. وذلك في مواجهة البلوكات البشرية، وال»سوبر إنسان« صاحب القيم الأخلاقية المطلقة والمحدودة في آن، القيم التي غالباً ما تزعم أنها ذات مصدر إلهي خالص. تستمع إلى تعريفه للحركة الإنسانية وتضبط نفسك وأنت تقمع تفكيرك مانعاً إياه من التبحر في الفكرة، ودرءاً لخطر أن تضيع على نفسك بقية المحاضرة التي تستحثك دون انقطاع على أن تفكر بنفسك لنفسك.. صراع لذيذ. عرّف سعيد الحركة الإنسانية ببساطة: »هي مفهوم دنيوي لمدرسة فكرية تقول إن تاريخ العالم صنعه رجال ونساء، وليس الله«. سيجيب سعيد لاحقاً عن سؤال لأحد الحاضرين، أستاذ في العلوم السياسية، تحدى النفي الدنيوي للمقاومة الإنسانية التي يمكن أن يترأسها رجال دين أو متدينون أمثال مارتن لوثر كنغ والمهاتما غاندي. سيقول إن هؤلاء انطلقوا من إيمانهم بالنشاط السياسي كمحرّك ومغيّر لممارسات لا إنسانية مثل العنصرية والاستعمار. كانوا رجال دين، نعم، لكنهم خاضوا صراعات دنيوية من أجل الفرد والأفراد في جماعة أو أمة واحدة. يتوقف سعيد عند نظرية فيكو (أحد أبرز فلاسفة القرن الثامن عشر) القائلة بأن المعرفة البشرية محكومة بحدود العقل البشري، وأن لا عقل بشرياً يمكنه امتصاص التاريخ كاملاً لأنه بطبيعته خطّاء، وأن الفكرة لا يمكنها الانفصال عن سياقها التاريخي. وذلك، برأي سعيد، خلل مأساوي يمكن »تطبيبه«، وإن كان من الصعب التفوق عليه. ولكن ذلك لا يبرر انحسار المدرسة الإنسانية في مقاربة الكون بقضاياه، يقول سعيد، »لكن الواقع أن الإنسانيات فقدت مكانها إلا في الجامعات، ملاذها الأخير والوحيد الآن، بعدما استحوذت مضادات الأنسنة على العالم: العولمة، الأصولية الدينية، والجشع المسمى بقوى تحرير الأسواق«. كيف نتعامل مع هذا العالم اللابشري؟ بمناقشة مفاهيمنا للكتابة الجيدة والكتابة الرديئة، لحقنا في إعلام ديمقراطي بديل لما يقدم لنا فيشكل علب من المعلومات والصور الجاهزة للاستهلاك، إذ سمح معدّوها لأنفسهم بالقيام بفعل التفكير نيابةً عنا. »لمن نكتب؟ للخبراء؟ للجماهير؟ كيف نكتب؟«، يسأل إدوارد سعيد. مؤمن هو بالتوجه إلى أكبر جمهور ممكن، مهما كانت شاسعة التباينات في فهم فكرة واحدة، إن في مجتمع واحد، أو عبر الجماعات المختلفة: »الأنسنة هي الانكشاف التام، بلا تلاوين سرية، وبلا فيض ديني«. الله، بوش، فلسطين يذهب سعيد من بوش وإليه، وكأنه نموذجه المفضل والأصدق للمرحلة الراهنة: »يتحدث بوش، كما المستوطنون الإسرائيليون، بنورانية دينية، وكأنما بإيحاء من الله. يتحدث إلى أولئك الذين يشاطرونه الرؤية، وليذهب الآخرون إلى الجحيم!« الخبراء والمتحدثون بمنطق الخالق هم أعداء الحركة الإنسانية التي لا تعترف بالجزم أسلوباً، وإنما بطرح الأسئلة. هي النقدية دائماً. الإنسان، المدافع عن إنسانيته، هو الذي يستعيد اللغة من مخاطبه، أكان رامسفيلد أو مراسل تلفزيوني، ليعيد إليها معانيها المرتبطة بالمصلحة الفردية وليس مصالح زعيم أو حكومة. »الإعلام يسيطر«، يقول سعيد. خمس أو ست شركات تسيطر على أخبار العالم وصوره، وفي المقابل يتم تهميش المؤنسِنين المستقلين.. وبالمناسبة فإن قناة »سي ان ان« التي نشاهدها في الولايات المتحدة هي غير التي تشاهدونها أنتم هنا، فقد تصادفكم على الشاشة بعض الوجوه الملونة، أما نحن فلا نرى سوى مذيعين ومذيعات بيض يسألون رامسفيلد: كيف تصف تقدمنا في العراق؟ والسؤال هو من المقصود ب»نحن«؟ »نحن« لا نعيش في عالم واحد. بوش ينظر إلى عالم واحد، وكذلك بعض العرب والمسلمين. »نحن« نعيش في عوالم متعددة. لا وجود ل»الحضارة«، وإنما لحضارات تكونها الثقافات واللغات والمفاهيم. السر، سر إدوارد سعيد، هو أن يتمكن القارئ (أو مشاهد التلفزيون، أو المستمع إلى خطاب،..) من التواجد داخل وخارج الأفكار التي تستهدف إدراكه في وقت واحد. فيفهمها باعتباره أحد مكونات منبعها الثقافي، ويرفضها كناموس للجماعة. يرفض تبني الوعي الجماعي ليحتل مركز هذا الضمير الكلّي دافعاً به إلى الأبعد، إلى الأكثر. سياسة الهوية والتصنيف أثبتت، تاريخياً، أنها جالبة صراعات ومعاناة لا تستحقها. الهوية الفلسطينية أمر مختلف لأنها مهددة بالإلغاء. سياسة الهوية الخطرة هي تلك التي تهدد بإلغاء كل »آخر«. سنعرف، في ما بعد، ومن خلال سؤال طرحه طالب فلسطيني عن الحل الأمثل للصراع العربي الإسرائيلي، أن إدوارد سعيد لا يعترف بالتجزئة ولا بدولة فلسطينية مستقلة كحل. الاستعمار استخدم هذه الطريقة ليحكم هذه المنطقة في وقت من الأوقات. يؤمن هو بحل ينسجم مع تعايش مشترك في فلسطين والأراضي المحتلة. الصهاينة زوّروا تاريخ فلسطين عندما قدموا قبائل بني إسرائيل على أنهم سكان الأرض الأصليين لأن هذه القبائل لم تستوطن سوى جزء من فلسطين التي توالت عليها شعوب وحضارات كثيرة، كثيرة جداً. وماذا لو تغيرت ديموغرافية هذه الأرض، هل سيكون الحل هو بناء المزيد من الأسوار الفاصلة بين دولتين؟ لا وجود للسلام بلا مساواة. أميركا.. أميركات المعادلة واضحة في رأس إدوارد سعيد الذي لا يستسلم أمام أميركا واحدة: »أميركا في النهاية هي مجتمع مهاجرين مفعم بصراعاتهم. أميركا لا تخلو من الفكر البديل في مواجهة محاولة بوش، مع أدمغته الأكاديمية، تبسيط الهوية الأميركية«. هؤلاء البديلون، بيئيين، ومنظمات غير حكومية، ومدافعين عن حقوق الإنسان ورافضين لزرع الألغام، هؤلاء في رأي سعيد هم أمل الحركة الإنسانية في كل مجتمع. وفي أميركا هم أمل المتضررين من سياسة الإدارة الأميركية الحالية والمشكوك في شرعيتها »إذ أن النقاش كأسلوب حياة، لا الانتخابات كما ثبت هي الممارسة الديمقراطية الحقيقية«. يكثف إدوارد سعيد فكرته: الإنسانية هي أن تخلق سيناريو بديل، لك أنت، منك أنت. تخيل أنك كتبت فكرة أو رأياً، تخيل أنك السلطة، وأن جمهورك يقرأك في حضورك.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة