As Safir Logo
المصدر:

وجهان للكونية... بين العولمة المحاربة و الوعي الأخلاقي السلمي

المؤلف: الغول امير التاريخ: 2003-03-24 رقم العدد:9453

بينما نحن نواجه الزمن العربي التراجيدي الفظيع. بينما ندك دكا عظيما بقنابل الغزاة القاتلة، ويهرب منا التاريخ والمصير، ويرتهن شرفنا وعرضنا وإنسانيتنا، ليسمح لي القارئ العربي الصابر الحزين بأن أسوق اليه هذه الرؤية السياسية والفلسفية. فالعقل العربي لن يتوقف أبدا... سنمتص الصدمات ونصبر على الأذى... الحياة لن تتركنا ونحن أبدا لن نتركها... نقول اذاً انه في خضم التكالب الحربي والاستعماري الاميركي البريطاني المجابه عالميا، على المستويين الرسمي والشعبي، بإرادة رفض للحرب عديمة القانونية والاخلاقية كوسيلة لتسيير العلاقات الدولية ولفض النزاعات بين الكيانات السياسية السيادية، يمكن لنا ان نتبين وجهين للكونية، بما هي رؤية فلسفية للتاريخ الانساني تسعى الى قراءته في إطار موحد يتجاوز الخصوصيات الحضارية والوطنية لإبراز حركة التقدم البشري الشاملة، تلك التي ترى في الديمقراطيات الليبرالية طليعة سياسية ساعية الى السلام الدولي والتي تجعل من الحرب وسيلة مجرمة في تسيير العلاقات الدولية. ونحن ان اعتبرنا اللحظة الفلسفية الكانطية وانطلقنا منها باعتبارها اللحظة الحاسمة المؤسسة للكونية في الفكر الحديث، ولكن مع ضرورة الوعي بالمسافة التاريخية الفاصلة بيننا اليوم وبين واقع العصر السياسي للحداثة الأولى، يمكننا منذ البداية ان نقول ان الحرب ورغم تقنينها دوليا وتحديد استثنائيتها بمجلس الامن (المادة 42 من الفصل السابع للميثاق الاممي) و بمقتضيات الدفاع الشرعي للدول منفردة ومجتمعة (المادة 51 من الفصل نفسه) ما زالت تعد من قبل القوة العظمى في عالمنا اليوم، من قبل أحد اكبر ديمقراطياته، وسيلة شرعية لتسيير العلاقات الدولية ولتنظيم وإعادة تشكيل التوازنات الجيو استراتيجية في المناطق التي تمس بما تعتبره أمنا قوميا لها. ان تصور التاريخ الانساني على شاكلة تقدم نحو السلم العالمي هو أمر يحققه الوعي الأخلاقي للانسان بويلات وفظاعات الحروب (خصوصاً عند الساسة والمثقفين)، وضرورة تقنين العلاقات الدولية لضمان الامن والاستقرار العالميين، ومن جهة ثانية يتغذى هذا التصور بالميل الطبيعي للجماعات البشرية نحو السلم والتعايش حتى تتمكن من تحقيق التنمية الاقتصادية ومن زيادة أرباح رأس المال. مثل هذا التصور لم يعد بالامكان قبوله كاملا في الوقت الراهن. هل تقدم التاريخ البشري فعلا نحو وعي دولي واسع وممارسة حقيقية لعلاقات سلمية؟ اولا، ورغم تناحر الدول الاوروبية في القرن التاسع عشر، ورغم فظاعات ومجازر حربين عالميتين، زد على ذلك حركة التقنين الدولي الواسعة التي هدفت من ورائها الامم المتحدة الى جعل الحسم في النزاعات يتم فقط وحصرا حسب مقتضيات القانون الدولي، ما زال في العالم اليوم ساسة ومثقفون يعتبرون الحرب وسيلة حاسمة، ومثلى في بعض الحالات، لممارسة السياسة ومواصلتها وللدفاع عن المصالح الوطن. الادارتان الاميركية و البريطانية واستراتيجيوهما ومن لف لفهم من الدول التابعة، دشنوا هذا القرن الجديد ومرحلة القطبية الاحادية وأفواه آلاتهم الحربية موجهة الى الآخرين، دولا أو جماعات أو كيانات حضارية، ضد كل من لا يقف في صفهم ولا يسير على هدي سياساتهم الضيقة القائمة على ثنائية سياسية لا أخلاقية تجعل من الخاضع والتابع صديقا ومن المختلف والمخالف عدوا يجب تدميره. الديمقراطية الاميركية تحللت من التزاماتها القانونية الدولية وتعسفت على كل العالم في إقرارها لنفسها حقا أحاديا في إعلان الحرب على من تعدهم أعداء لا أخلاقيين يجب ببساطة تنحيتهم وإلغاء وجودهم. في اطار الرؤية الكونية للعالم، لا يمكننا الا ان نلاحظ ان هذه الحركة الفكرية والسياسية لم تنجح في إرساء السلم الا بين الديمقراطيات الليبرالية، تلك التي تشترك في الدين وفي التاريخ وفي الموروث الحضاري. أما العوالم الاخرى فما تزال مهددة بالحرب وبدموية الديموقراطية الأميركية وذلك بموجب الاولويات الاستراتيجية الأميركية بالنسبة للعالمين العربي والاسلامي. هذا مأزق آخر من مآزق الحداثة. فأي مكان لهذا العالم العربي والاسلامي المختلف والذي تغيب عنه الديمقراطية في اطار المشروع السلمي الكوني المزعوم كما يتمثله قادة العالم بما هم نتيجة سياسية لمسار تاريخي حديث وبما هم ايضا أحد فاعليه الاساسيين؟ هل ما زلنا نحتاج الى الدماء والمجازر حتى نعرف الجواب ونلتحق بالافق؟ فحتى الاقتصاد، ذلك الذي تعتبره الكونية إحدى الحيل الطبيعية التي تدفع بالدول وبالشعوب الى التعايش السلمي في ما بينها، فقد استمر على عادته كما في المرحلة الكولونيالية الشرسة للقرن التاسع عشر، بوصفه أحد الاسباب المباشرة للحرب وعلى راسها الحرب العدوانية على العراق. فالسيطرة على النفط وتلاقي المصالح السياسية الفئوية لقبيلة بوش اليمينية مع المصالح الاقتصادية للشركات البترولية الاميركية الممنوعة الى حد الآن من استغلال الثروات العراقية، يهدف من ورائها الاميركيون لإقامة تحالفات استراتيجية جديدة في الشرق العربي تكون قاعدة حركتهم المستقبلية (وهو ليس بمستقبل بعيد؟) لإعادة تشكيل البنى الاجتماعية والسياسية العربية ثقافيا وحضاريا. وهذه الرؤية النفعية اليمينية تؤكد مرة اخرى ان التكالب الرأسمالي المتوحش على الربح قد يؤدي الى إشعال الحروب على حساب شعوب مضطهدة أصلا داخليا. ولا نقول هنا دولا لوعينا بتهافت دولنا العربية بنيويا. وان العولمة الاقتصادية النيوليبرالية والمتحالفة فكريا واستراتيجيا مع الواقعية السياسية هي عولمة متوحشة ومحاربة تقتات في حال السلم. وبمساعدة رؤوس الاموال الوطنية والنخب السياسية المتسلطة. على عرق اليد العاملة الرخيصة، المهدودة والمستغلة، ثم لا تستحي من إعلان الحرب على شعوب حباها الله بثروة تريد ان تجردها منها لإنعاش اقتصادات تخشى الركود وتريد حماية رغدها. لكن الا يوجد وجه آخر للكونية بمعنى الكوزموبوليتية؟ وجه أكثر إشراقا، وجه إنساني أخلاقا وقانونا، يجعلنا نسلم في النهاية بوجود الخير في الانسان وبأن خيره واستئناسه بالآخر، وطنيا كان أم دوليا، يمكنه ان يؤدي الى إبعاد العنف عن العلاقات الانسانية، داخليا وخارجيا، ويجعلنا نرى في التاريخ صراع إرادات بين إرادة اولى محاربة واخرى واعية بواجبها الاخلاقي والقانوني في مجابهة النوازع العدوانية والاطماع الانانية السارقة لأحلام الشعوب ولثرواتها؟ هذا الوجه هو وجه المواطنة الكونية السمح. فالاكيد ان المثالية الكانطية كانت على صواب حين رأت ان التنامي المطرد للمبادلات التجارية بين أصقاع الارض الممتدة ووجود شبكة علائقية اتصالية متداخلة ومتماسكة يؤدي بالضرورة الى كون »أي خرق للقانون على أي بقعة من بقاع الارض، يقع الاحساس به في كل أرجاء المعمورة«. الاحساس بالانتماء الكوني هو وجه آخر للعولمة. هنا العولمة نسيج اتصالي عنكبوتي متعال وعابر فوق كل السيادات الوطنية. انها ذاتية الافراد المنعتقة من مأزق المواطنة الوطنية والمتلاقية في فضاءات افتراضية حرة و رحبة. ودون ان نأخذ في اعتبارنا الوقفة السياسية الخطيرة لمعسكر الرفض الفرنسي الالماني، لوعينا باختلاط الاعتبارات القانونية والاخلاقية فيه بالمصالح الخاصة لدوله، نقول فقط بأن الرفض المدني للعدوان البغيض على العراق هو دليلنا على وجود فضاء عمومي دولي تتلاحم فيه الارادات الفردية والجماعية المتحزبة لتقول لا لحكومات أعماها الطمع الامبريالي والتكبر الحضاري الزائف. ان خرق القانون الدولي وميثاق الامم المتحدة نصا وروحا، ولا أخلاقية العدالة المزعومة للحرب على النظام الدكتاتوري العراقي، بالاضافة الى حس خير صميم في الانسان، دفع بشعوب الديمقراطيات الليبرالية وبشعوب الارض قاطبة، الى ان تجعل من الشأن الدولي العراقي شأنا داخليا تقف فيه ضد حكوماتها المحاربة وتمارس حريتها السياسية للتعبير عن وعيها الاخلاقي بتهافت المشروع الامبريالي الاميركي. ومظاهرات الرفض المليونية اليومية هي أحد تعبيرات هذه المواطنة الكونية، والتي تظل في عمقها امتدادا للمواطنة الوطنية الحقة، تلك التي تضمن للفرد حريته في التعبير وفي التظاهر وكذلك حريته في ان يبتعد ما شاء لنفسه من مسافة عن سياسة حكومته العدوانية. ان السلم العالمي ما زال أفقا يتراءى بعيدا. التاريخ البشري ما زال كعكاز الاعمى يضرب في الطهر وفي النجاسة في آن واحد. وبين مقولات هوبز العدوانية والاخلاق الكانطية، يبدو ان الارادات الخيرة والشريرة ما زالت تتصارع، تتنازعها في ذلك مصالح الدول وتوازناتها الاستراتيجية. لكن من يدافع عن ارادة المواطن العربي الغائب عن الوطن وعن التاريخ؟ من يدافع عن مصلحته؟ ومن يحفظ له كرامة دولته؟ في ظل مهزلة الحكومات العربية لم نجد في غير الرأي العام العالمي وفي الحلف الفرنسي الألماني سندا وملاذا أخيرا عسانا نتقي بهم شرور الداخل والخارج. (*) كاتب وباحث تونسي.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة