»نرفض الحرب الأميركية«؛ جملة تتردد خلال جلسات الحوار الطويلة في منازل »الضيعة الآشورية« في كسارة زحلة، فأبناء حضارة السبعة آلاف سنة.. في »ضيعتهم« الهادئة والصغيرة يعرفون أهداف الحرب على »بلاد ما بين النهرين«، كما يقولون، تذكيرا بتاريخ »امبراطوريته« العظيمة التي يحفظون تاريخها عن ظهر قلب.. حتى تخالهم كأنهم كانوا من جيشها وحراس مدينة »أشور« عاصمة بلادهم التي يرجع تاريخ تأسيسها الى الألف الثالث قبل الميلاد. فالحرب، بالنسبة لهم، تشكل عدوانا سافرا ووقحا على شعبهم وأهلهم في العراق: »اننا نعرف أهداف الحرب.. السيطرة على بترولنا العربي أولا.. وتقسيم المنطقة ثانيا، وهذه الأهداف هي من صنيعة اليهود ولمصلحتهم« كما يؤكد الشاب آيشا الكسندروس (29 عاما) الذي ولد في العراق وجاء الى لبنان في العام 1985. يحدثك آيشا بحزن عما آل اليه الوضع العربي »على العرب ان يتوحدوا حتى نُفشل المشروع الأميركي اليهودي«. فالعرب برأي آيشا، لم يقرأوا تاريخهم جيدا.. و»لم يقرأوا تاريخ أجدادهم الآشوريين الذين هم أساس العالم«.. ويؤكد الأب أرام وردا، راعي أبرشية »الضيعة الآشورية« ان »أحفادنا العرب لو حافظوا على تاريخهم وحضارتهم لما وصلنا الى ما وصلت اليه بلادنا العربية من احتلالات وتهديدات واطماع أجنبية، فالعراق هو البداية والصواريخ التي تستهدف الشعب العراقي لا تميز بين عراقي مسلم وعراقي آشوري..«. »الضيعة الآشورية« في كسارة زحلة، يطلق عليها البعض من أبناء الجوار مدينة »نينوى«.. على الرغم من ان عدد سكانها لا يتجاوز اليوم المئة عائلة.. ف»الأوضاع الاقتصادية دفعت بمعظم شبابنا الى الهجرة ولم يعد هنا إلا الأهل والأجداد ومن تبقى من الشباب ينتظر موعد السفر في أي لحظة..«، يقول الأب وردا. تعد الطائفة الآشورية في لبنان حوالى 10 آلاف شخص، يقطن معظمهم في بيروت وجبل لبنان، وتم الاعتراف بهم كطائفة (17) في العام 1968، برغم وجودهم في لبنان منذ مطلع القرن الماضي حيث بدأوا بالتوافد الى هذه البلاد هربا من ظلم وجور الدولة العثمانية. ويقول الأب أرام وردا »السلطنة العثمانية نفذت المجازر بحقنا واستشهد أكثر من نصف مليون آشوري بين العامين 1917 1918 وحوالى المليون شهيد من الأرمن«. الآشوريون الذين يتوزعون في عدة أقطار عربية وفي روسيا والهند والسويد والولايات المتحدة، قدموا الى منطقة المعلقة في جوار زحلة في العام 1923. ثم تجمعوا في العام 1963 في »الضيعة« الحالية بعد ان اشترى مجمّع الكنائس العالمي قطعة الأرض في منطقة »كسارة« وسجلت باسم السينودس الانجيلي الوطني في سوريا ولبنان، وهي حاليا باسم وقف الطائفة الآشورية.. وهم لبنانيون منذ احصاء 1932. فراوول يوماران، المولود في زحلة سنة 1930، يفتخر بلبنانيته وعروبته.. ويتحدث عن هذين الانتماء والهوية الجديدين بثقة عالية، كثقته بتاريخه الآشوري »أنا ولدت وأعيش هنا في لبنان.. وأرتبط بصداقات مع كل أبناء المنطقة، ولم أشعر يوما بأنني لست منهم او لست من هذا الوطن«. تطل عليك وانت تدخل منزل راوول في »الضيعة« صورة والده نيقولا في لباس »الكوزاك« في موسكو سنة 1926 معلقة في صدر الغرفة الصغيرة الى جانب مجموعة صور من بينها صورة الأمين العام لأحد الأحزاب. فراوول، لبناني علماني »هيك خلقت وتربيت وعشت وما عاد محرزي غيّر فكري..«. الحرب بالنسبة اليه تستهدف كل العرب »وليس العراق وحده، وعلى العرب مقاومتها كما قاوم اللبنانيون »المارينز« والاحتلال الإسرائيلي«. ويطالب الأب أرام وردا باستمرار الصراع مع اليهود: »المشروع الصهيوني يهدف من الحرب الى تهجير من تبقّى من شعبنا الفلسطيني في فلسطين الى العراق.. كانتقام من العرب وتحديدا من الآشوريين الذين يعرفون حقيقة اليهود.. فهم يريدون، ويعملون، على تشويه حضارتنا. فقد ابتدعوا، مثلا، كذبة الأول من نيسان.. لأنه يوم رأس السنة الآشورية.. ولأنه اليوم الذي تم فيه »سبؤهم«.. فالحرب تقتل الأبرياء فقط، والوطن العراقي مهدد بالضياع«. بطريركية الآشوريين في الولايات المتحدة، وكما يقول الأب وردا، ارسلت رسالة الى الرئيس الأميركي جورج بوش وحكومته تعلن فيها ان أبناء الطائفة الآشورية في العالم يرفضون الحرب وهم ضدها.. فهذا هو »جبروت آشور« كما يقول الشاب آيشا الكسندروس و»على العالم ان يعلم ان حضارتنا هي التي قسمت السنة الى 12 شهرا والفصول الى أربعة.. وعلى بوش ان يزور المتحف البريطاني ويشاهد مسلة شلمنصر الثالث (المسلة السوداء) التي تحمل 24 لوحة تصور مشاهد.. خضوع الأعداء لملك أجداد العرب«.